رأي الناس

السَّلام

السّلام لا يعني زوال الصّراع والخِصام فقط، إنّما يُمكن أن يتطلّب تأسيس حُزمة من المفردات والقيم والمواقف، والعادات التي ترتكز على الاحترام الكامل لمبادئ السيادة والحُريّات الأساسية وحقوق الإنسان، والحوار والتعاون بين الشعوب والثقافات المتعدّدة، ونبذ ثقافة القوة واستخدامها، وإكراه الشعوب لخوض خياراتٍ ضدّ إرادتهم.
وبما أن السّلام نعمة للبشرية، فإن العُنف والحروب لعنة، ولمّا كان السّلام هو المحبة والتعايش، فالحروب هي العِداء والتّفرقة.. الحرب نقيض السّلام وقد أجهَدت الحروب والصراعات على مر الزّمان شعوب الأرض كلها، فالجميع يطمح اليوم إلى السّلام الذي يستجيب لآمالهم وأُمنياتهم، ويؤمِّن لهم حياةً رغيدةً دون خوفٍ من القذائف بكل أنواعها، أو الرّصاص أو القنابل أو الأسلحة النووية، فهذه الأمور تُخيف الكبار، وتقضي على طفولة الأطفال، وتهدم المنشآت والحضارات والإرث التاريخي للأوطان، فالسّلام اسم نَسَبه الله إليه ضمن أسمائه الحُسنى، وهو تحيّة المسلمين، ودعوة الأنبياء جميعاً، وهو ما يُدعى به بعد الانتهاء من الصّلاة وكأنها وصيّة أنزلها الله للأرض لكي يُؤمن بها ويتقلّدها الناس.
لا يمكن أبداً إهمال الدّور الذي يحتلّه كل من السّلام والتّصالح والرحمة في الحياة اليومية؛ فقد خُلِق الإنسانُ ليعيش في سلام وأمان واطمئنان، ولم يُخلق ليُقتل ويُباد، وما يمكن تحقيقه في أوقات السّلام أضعاف ما يمكن تحقيقه في النزاعات الدموية والحروب والكوارث البشرية.
السّلام يُحوّل الرّديء إلى حسَن.. إن الجنس البشري يمتلك صفةً فريدةً من نوعها وهي تحويل السّالب إلى الموجب، وهذه الصّفة لا يُمكن أن تتحقّق إلا بالاستقرار النفسي الذي يُحقّقه السّلام، فدماغُ الإنسان كنزٌ للقوة اللامتناهية، فإذا فقد طمأنينة النّفس وقت الأزمات والحروب فإنه لن يستفيد من قدرته العقليّة بطريقة مُجدية، حيث إن الحروب والدّمار عقبة في طريق التطور البشري؛ لأنّها توقف مُسبّباته من طمأنينة وسكينة واستقرار. حين يتمكّن الإنسان من المُحافظة على السّلام في كل الأوقات فإن كثيراً من الإمكانات تتفتّح أمامه، وهذا ما يحدث عند تحويل السّالب إلى موجب.
إنّ السّلام مُهمّ للكائنات الحية كلها على وجه الأرض أو في الفضاء الذي يُحيط بالكرة الأرضيّة، ولا يقتصر تأثيرها على الإنسان وحده؛ وذلك لأن انعدام السّلم والأمن وشيوع الحروب يتجاوز أثره وخرابه ودماره إلى حدودٍ أبعد ممّا يُمكن تصوّره؛ فتتضرّر الحيوانات وتفقد مساكنها وبيئاتها، وتُحرَق الأشجار والغطاء النباتي الذي يُفيد كُلاً من الحيوان والإنسان، كما تفنى الموارد.
إنّ رسول الله محمد، عليه الصلاة والسلام، وعلى الرغم من صعوبة الشروط التي اشترطها الكُفّار على المسلمين في صُلح الحديبيّة فقد قَبِلَ بها في مُقابل الإبقاء على الهدنة عشر سنوات بين المسلمين وكفار مكة. السّلام يُمكّن الشّعوب من التعلّم، واكتساب ونشر الثقافة، وبناء الحضارات، والنّهوض بالدولة اقتصادياً واجتماعياً؛ فالبناءُ لا يكونُ إلا في أوقات السّلم والأمن. السّلام يجعل الناس على وعي كافٍ لخطر الدخول في الحروب والانشغال بها وبمُتطلّباتها وتأثيرها عليهم، وستُكلّفهم حياتهم مُقابل هذه الغطرسة البشريّة. السّلام هو الذي يُصدّع الطّريق أمام تُجّار الحروب الذين سيكون من مصلحتهم افتعال الحروب وإشعالها، والذين يرغبون بدوامها لوقت طويل لأجل زيادة أرباحهم من الأسلحة والذّخائر، وبالتّالي زيادة أرباحهم وطمعهم.
الحروب تُقدِّم أسوأ ما في الإنسان، وتُقوّيه لصالح الشر ودمار البشريّة، والسَّلام يُقدّم أفضل ما بداخله، فهو بيئة مُشجّعة للإبداع ووسائله؛ فهو الذي يُحفّز الناس على الإبداع وزيادة الجمال والإنتاج، على عكس الحروب التي تُنتج الدّمار والخراب والفساد. السّلام ينقل الإنسان إلى آفاقٍ سماويّة روحانيّة عالية، إذ يُشجّع على انتشار الروحانيّات والسّكينة ويُشيعها بين الشّعوب. السّلام يُقرّب بين النّاس ويجمعهم على المحبّة والتعايش، والحروب تُفرّقهم وتُقطّع نسلهم وتُبيدهم. السّلام يرفع الإنسانية إلى مُستوى الوجود الاجتماعيِ المُتحضِّر، في حين تقود الحروب الشّعوب نحو الانزلاق صوب الهمجيّة.
محمد أسامة - أبوظبي