الملحق الثقافي

في غرفة الكاتب.. خيالات مبعثرة

حين يصبح الكاتب أسيراً لخياله

حين يصبح الكاتب أسيراً لخياله

غرفة الكاتب مأهولة بالأشباح. باردة كثلاجة موتى. مظلمة كقبْوٍ فرعونيّ. موحشة كصحراء قطبية. كابوسية كأحلام المحكومين بالإعدام. مهما كانت شاهقة فهي غارقة كقُمْرة سفينة في قاع المحيط. منزوية، عزلاء كجزيرة الكنز. إنها صندوق الباندورا الذي تنام فيه كل شرور العالم.

في غرفة الكاتب يصْخب صمتٌ مرعبٌ. صمتٌ قوطيّ تعرفه الغابة السوداء جيّداً. صمتٌ شرسٌ تعرفه العواصف الضارية جيّداً. صمتٌ مريبٌ تعرفه على نحو مضاعف رياح الموسيقى، وحدها لا غير.
من الشائعِ أن تحْدسَ بوجود كثافاتٍ مبعثرة لكتبٍ غريبة مرمية كيفما اتفق هنا وهناك، في الزوايا، على السرير أو الأريكة، تحت الطاولة وخلف الباب... إنها تؤثّث المشهد على نحو فاتن، فوراء كل حركة انتهى إليها وضع الكتاب في إيماءته اللاذعة تختفي حكاية حميمية توجز سيرة ملامسة أصابع الكاتب لظله (ظل الكتاب)، على مرّ طقوس قراءاته، باختلاف أطوار الدنو منه سواء كان عبوره شبيهاً بمرور بلشون على سطح بحيرة، أو كان غوصاً ورسوباً كحجر ثقيل إلى قعر المياه. (مياه الكتاب دائماً).

فوضى ضاربة
من الشائع أن تحدس بوجود فوضى أخرى موازية لكثافات الكتب المبعثرة، لا عن إهمال وإنما عن افتتان، هي فوضى الصور، فوضى اللوحات، فوضى الأيقونات المعلقة على حيطان الغرفة، وهي تأخذ أشكالاً طارئة آيلة للسقوط... شأنها شأن ملابسه وقبعاته المعلقة كيفما اتفق في مشجب يتجشم عناءً لا يُحتمل ثقله (على نحو رمزي).
من الشائع أن تحدس بوجود أحذية مهملة تحت السرير، ودفتر يوميات الكوابيس تحت الوسادة، وأشرطة الموسيقى المهشمّة عند أقدام الطاولة وخلف الأريكة، وركام الأوراق المكمّشة، الفائضة من سلة القمامة وبالملاءة غير المرتبة، غير المطوية كما يجب في شمال السرير...
من الشائع أن تحدس بوجود القطط التي تلج الغرفة وتخرج منها كما لو كانت تلج مكانها المقدس في العالم، الحميم على وجه الإطلاق. المكان الذي تتوالد فيه وتتكاثر وتتناسل وتتضاعف فيحدث أن تندلق من الغرفة بشكل متواصل، غير منقطع، كما لو يشبه الأمر قطاراً من الهررة، لا آخر له أو لا ذيل له بالأحرى...
من الشائع أن تحْدس بوجود آلة كتابة عتيقة، آلة داكتيلو مركونة في زاوية، منتهية الصلاحية، منتصبة كأثر هائل لزمن مثير من تقاليد الكتابة العظيمة، والخالدة... يزاحم هذا الأثر القديم انتصاب حاسوب أنيق على المكتب أو على الطاولة، يتألق في وضعه الراهن، ويسطو ببريق الحاجة الضرورية إليه على مدار فراسخ اليوم...
من الشّائع أن تحدس بوجود سبورة حائطية كتلك المعلقة في مكاتب شرطة التحقيق والتحرّي، وعلى السبورة وريقات تقنية أو تخطيطات لشخوص تخييلية مثبتة بدبابيس، يغدو معها الكاتب محقّقاً بوليسياً غارقاً في ملابسات لغز جريمة فادحة، يهندس لاشتباكات متاهتها بكل ما أوتي من مكر وخبث وذكاء... وهكذا تراه يجلس على أريكة أو كرسي بالمقابل منها، منهوب اليقظة، غائر التفكير في تخوم الاحتمالات اللئيمة والصاعقة... يحدث أن يستيقظ مراراً وتكراراً إن حظي ببرهة نوم، لكي يضيف لمسة من الشرّ إلى المسودّة، ويدوّن الأثر اللامع لفكرة وامضة قبل أن تتبخّر أو تتلاشى كفقاعة صابون...
من الشائع أن تحدس بوجود منفضة سجائر، وآلة موسيقية غير مدوزنة، كمان أو قيثارة، وربما ناي... ودمى مبتورة الأطراف... وقرون حيوان أو جمجمة سمكة على المصطبة...
من الشائع أن تحدس بوجود أباجورة على شمال المكتب، وأنصاب جوائز، وزربية بربرية صغيرة ذات علامات أسطورية محيّرة، شبيهة بلغز بدائي، ونافذة تطلّ على حديقة أو جبل أو نهر أو زقاق مسدود أو شارع صاخب...
من الشائع أنْ تحْدس طبيعة أو هوية الخشب الذي صُنع منه المكتب، والطاولة، وكومودينو السرير، سواء كان أرزاً أو عرعاراً أو بلّوطاً أو تنوباً أو قيْقباً، الخ...
من الشائع أن تحدس بوجود عنكبوت في سقف الغرفة، يرفض الكاتب إزهاق روحه، يرى في مجاورته شيئاً سحرياً، على الأقل يؤنس عزلته الضارية...
من الشائع أن تحدس عدد الورود الذابلة بين صفحات كتب الغرفة. وعدد الشموع المستعملة والأخرى التي لم يحن موقدها بعد. وعدد الفراشات التي دخلت الغرفة على نحو مفاجئ. وعدد العصافير التي ولجت الغرفة على نحو طارئ أو خاطئ. وعدد الطيور التي نقرت زجاج النافذة فجراً وتلصصت على الداخل باستغراب. وعدد الأحجار الطائشة التي هشمت الزجاج. وعدد الشتاءات التي غسل مطرها الزجاج. وعدد الثياب التي تطايرت من أحبال الغسيل في الجوار وارتطمت بالنافذة أو تخطتها..
من الشائع أن تحدس بالفجوات السّرية التي يخفي فيها الكاتب بعض أسراره داخل مجاهل الغرفة..
من الشائع أن تحدس بلحظة التوتر التي يلقي فيها الكاتب بكتاب من النافذة.. باللحظة المسرحية التي يحكي فيها مع شخوصه المتخيلة أو أشباحه بالأحرى، متى يراقصهم ومتى يلاكمهم... باللحظة اليائسة التي يمزق فيها المسودة ويهشم المرآة والقيثارة والساعة.....................
ما ليس شائعاً بالمرّة، وما لا يمكن حدسه أبداً، هو متى يفكّر الكاتب في إضرام الحريق في غرفته ويؤول مع أشيائه إلى رماد.

نساء غامضات
للكاتب حياة سرية، لا يكشفها للعلن. حياة غامضة منذورة للتكتم والعزلة والضباب. حياة ذات خصوصية دامغة يحرص ما استطاع أن لا يعرضها للإشهار والذيوع والإفشاء على نحو جماهيري. لا شيء يستأثر بالانتباه في حياة كاتب أكثر من اكتشاف سيرته الخاصة مع النساء. سيرته الخاصة مع عشيقاته بالأحرى.
إن أخطر النساء في حياة الكاتب هن العشيقات اللاوجود لهن إلا في خيال أعماله. هن الموديلات اللواتي صنعهن من سديم رؤاه، ونفخ فيهن من روحه ليجعلهن أكثر واقعية من نساء واقعه نفسه. نساء مفترضات لا يقتصر وجودهن المثير والمرعب على حدود تخييل النص (رواية/‏‏‏ قصة قصيرة/‏‏‏...)، بل يتخطاه إلى وجود مواز، عاصف ومؤرق، في تضاعيف حياته اليومية.
هؤلاء العشيقات الخارجات من حدائق النصوص الحكائية، المشبعات بهواء الحلم والمحبوكات من سديم الرواية ومجاز السرد، يزهرن في غرابة يومه، يقلقن كينونته، ويؤرقن انصرافه العادي إلى نساء واقعه، حوله، معه، إلى جواره أو بعيداً عنه.
ما أن يتوهم الكاتب استيفاء رسم العشيقة المفترضة الكامنة في كوابيس لاوعيه، داخل نص ما، حتى يكتشف بعد حين أنه لم يقبض إلا على سراب من حلمها الهارب باستمرار... هكذا يظل يركض وراء طيفها المريب في نص ثان، يفضي إلى آخر وهكذا دواليك إلى ما لانهاية.
أن تتحول امرأة متخيلة في رواية إلى امرأة واقعية، تظل تطارد الكاتب (صانعها) في متاهات حياته المفخخة بالهذيان والسفر والقراءة والمغامرة والجنون، معناه أن الكاتب سقط في شرك خياله، ولن ينقذه من فداحة الكمين سوى أن تقتله الشخصية المتخيلة تلك، الخارجة من ضباب الرواية إلى صحراء معيشه اليومي.
لا طموح لكاتب أفضل من قتل ماكر كهذا تنجزه إحدى عشيقات نصوصه القوطية. الأمر يضمر سخرية لاذعة بشكل مفارق وكاريكاتوري، ولكنه نص النصوص.
بعيدا عن عشيقات السرد المفترضات في أعمال الكاتب، تطمح العشيقات الحقيقيات، العشيقات الواقعيات، ليصبحن متخيلات في كتاباته. مجمل النساء المحيطات بنار الكاتب، يحلمن في أن يصرن بقدرة قادر شخصيات ذات أثر خالد في رواية أو قصة قصيرة.
هؤلاء العشيقات المهووسات بخيال الكاتب، نادراً ما تجدهن منجذبات في الواقع إلى شخصيته، أو وسامته، إلى شكله أو هيئته كما هو، كشخص أو ذات من شخوص الحياة العادية بتجرد وانسلاخ عن عمله الفني.
قد يحدث هذا الإعجاب الكاسح على نحو متناغم يجمع بين عمل الكاتب وشخصيته، بين خياله وشكله المثير، ليست الوسامة بالضرورة ما يمكن أن يفتن امرأة أو عشيقة، بل شيء مريب، غامض، ومجهول يسحرها في كيمياء الكاتب مهما بدا قبيحاً وشائه الملامح... شيء له علاقة برؤية جمالية إلى حضوره المرعب والعنيف بشكل رمزي.
عشيقات الكاتب لسن بالعدد المستفحل كما لدى نجم من نجوم السينما أو الغناء، فالكاتب يكتب لقارئ عكس المغني والممثل الذي يتوجه لجمهور. عشيقات الكاتب من صنف غير شائع، منحدرات من ألماس شديد الندرة، هن قارئات في المجمل..
هؤلاء العشيقات القارئات، المشحوذات بألق الذكاء الجارح، يزججن بالكاتب في وضع محرج حين يتخطى مكرهن سقف مكره، حين يلجأن إلى فراغات كتاباته ويتحصن بالبياضات الأشد غواية ونسياناً في تضاعيف نصوصه. هؤلاء العشيقات القارئات يضعنه على حافة عزلاء يطل منها على وجهه الآخر في قعر الهاوية. هؤلاء العشيقات القارئات يعرضن حياته على الدوام إلى خطر اصطدامات مع أقنعته، مع أشباحه، مع حقيقته المخادعة، مع عريه أو موته بالأحرى. هؤلاء العشيقات من يكشفن الجانب الآخر من الغابة في حياته، ونصه معاً، من يرفعن عن نظرته الملتبسة ضباب المسافة إلى الحواشي العظيمة التي لم يكن يراها على جانبي طريق مجازفاته. هؤلاء العشيقات القارئات لسن من دمى راحة الجندي بعد المعركة، ولا دمى استعراض/‏‏‏ ستربتيز لدخول معركة جديدة، إنهن جرح المعركة نفسها، تاريخها السري، لغتها المنسية ونجوم قطبية في غسقها الأبدي...

مشنقة الكاتب
هؤلاء العشيقات القارئات الماسكات بحبل مفتول من أثر أعمال الكاتب (ربما الأثر الذي لم يكتبه بعد)، وأثر شخصيته الاستيهامية، حتماً يتحول حبلهن إلى أنشوطة مشنقة للكاتب إن لم يتدارك الكاتب أثر السحر، إذ لا خلاص له سوى أن يمشي على الحبل نفسه كبهلوان...
العشيقات القارئات يمهرن وجه الكاتب بكدمات غير مرئية، مجملها زائل يتراكم مثل غبار أو رماد في غرفة مظلمة في داخله، وبعضها يخلد على نحو أبدي، موشومة خدوشهن أو نابتة كعشب على صخرة مائية يقاوم تموجات التيار وعنفه المندلق... هؤلاء العشيقات اللواتي يتماهين مع أعمال الكاتب، إذ يتضاعف الكتاب إلى مكتبة في مخيلاتهن، ينتزعن جذر المؤلف من أقاصي عزلته، ويقذفن به داخل معترك مراياهن، المرايا الشيطانية التي تجنح به في تضاعيف كوابيس لانهائية...
عشيقات عابرات رسمن بلدغاتهن خرائط على جلده، وعشيقات أبديات على نحو نادر يقمن داخل حلمه، دائمات الهسهسة في أذنه، لا رياح تمحو أزيز غنائهن وملمس شفاههن التي تقوض عالمه وتنزلق به في نفق طويل يفضي به إلى خلاء حقيقته المفزعة...
والعشيقات الأخريات، غير القارئات... هؤلاء اللواتي يجهلن هويته وطبيعة عمله الفني... هؤلاء اللواتي ينظرن إليه بانسلاخ عن كتابته ورنين اسمه الأدبي... ينظرن إليه بعين الشبهة واللاطمئنان، وإن يبدو مختلفاً فحدوسهن مرتابة في كيمياء الرجل، يجسسن المادة الغريبة التي صنع منها مكره، خداعه، ذكاؤه ولؤمه... غير مؤتمنات لدماثته المزيفة، للباقته الخبيثة، لأناقته المريبة... وإذ يكتشفنه كائناً من لغة أخرى، لم يسبق لوجهه العجيب أن عبر مراياهن الخاصة... هنا يستقصين هويته اللصوصية، معدنه الإجرامي وغموضه البوليسي، إلى أن يقعن على الخيط المتوقد لحضوره المنفلت... كاتب!!! كائن خيالي إذن... وكيفما كانت شبهة الخيال التي تزج بالكاتب في صنف المخلوقات الشائهة، فتوصيف المجنون الذي يلازمه عند هؤلاء العشيقات يتحول إلى ملاذ..
حياة الكاتب غير ممكنة بدون عشيقات مرعبات، والعشيقات يتجددن مع كل نص، مع كل مقال، مع كل لقاء أدبي هنا وهناك... لكل عشيقة حياتها الخاصة تحت سقف كتاب من كتبه. ونادرة هي العشيقات اللواتي يعشن تحت سقف تجربته بالكامل. كل عنوان من التجربة تتمترس خلفه نوعية من النساء. وأما عنوان التجربة ككل، فمنذور لامرأة تسكن في الطرف الآخر للغد. لم يصطدم بها بعد...
والعشيقات لهن أثر الكتابة ذاته، إنهن ينهبن حياته وجسده، ويقوضن وجوده. يشعر الكاتب بأن ضلعاً من عمره قد انهار وتلاشى ما أن ينتهي من تجربة كتابة رواية، كذلك يشعر مع امرأة استأثرت بمنطقة من مناطق كينونته. وهكذا ينمحي في معترك الكتابة والنساء معاً إلى أن يتحول إلى شبح...
قد لا تعني كثرة العشيقات شيئاً للكاتب، وقد يكتفي بما لا يتعدى عدد أصابعه... وبالمقابل، ثمة امرأة واحدة تستأثر بمعنى وجوده بالكامل، امرأة غامضة يصنع أثرها الغريب جميع العشيقات عن آخرهن في مفرد، كغابة يؤول حشدها اللانهائي في شجرة عزلاء.
أو هي امرأة غامضة منشطرة وموزعة في شظايا كل العشيقات على نحو لامحدود أيضاً، كشجرة عزلاء يؤول مفردها إلى الحشد اللانهائي للغابة.