الملحق الثقافي

صلاح عيسى.. مثقف «المشاغبين»

صلاح عيسى: الانشغال بقضايا الوطن عطّل مسيرتي المهنية (أرشيفية)

صلاح عيسى: الانشغال بقضايا الوطن عطّل مسيرتي المهنية (أرشيفية)

البدايات تحمل النهايات، وبزوغ جديد لا بد أن يوازيه أفول حزين، هكذا الدنيا، قانون الحياة والتطور والاستمرار، وما كان للقاهرة أن تودع العام 2017 إلا وهي تودع واحداً من أبنائها الكبار؛ علماً بارزاً من شيوخ الصحافة وأساتذتها المرموقين في الثقافة والسياسة والمجتمع.

ليس مثل صلاح عيسى الذي يحتاج إلى تعريف أو تقديم، وهو الذي رحل عن عالمنا الأسبوع الماضي عن 78 عاماً، فقد كان، رحمه الله، ظاهرة ثقافية وسياسية شاملة؛ أو كما يصفها المرحوم علاء الديب «ظاهرة تتميز بالحدة والأمانة والإصرار على صياغة موقف متكامل للمثقف من السلطة ومن المجتمع».
وعلى مدار مشواري الصحفي، وعبر ما يقرب من عشر سنوات، أتيح لي لقاء الكاتب المشاغب والمثقف المتمرد مرات عديدة؛ أجريت معه خلالها حوارات عدة عن الصحافة والثقافة والمثقفون والسلطة وحرية التعبير، ثم ما كان بعد يناير 2011 وجرأته في الإعلان عن رأيه في السنة التي حكم فيها الإخوان، ودفاعه المجيد عن تقاليد العمل النقابي.. لم يكن صلاح عيسى مجرد كاتب وصحفي ومؤرخ، بل كان حياة بأكملها.

مجموع مواهب
راكم عيسى عبر رحلة حياته الغنية تاريخاً طويلاً وعامراً من العمل النقابي الصحفي، والنضال السياسي في عهدي عبد الناصر والسادات، وتعرض للاعتقال غير مرة، وشارك بنشاط وفاعلية في الحياة الثقافية والسياسية المصرية حتى رحيله.
لم يكن صلاح عيسى فقط مؤرخاً سياسياً واجتماعياً من طراز فريد فقط، ولا نقابياً عتيداً من الذين لعبوا أدواراً بارزة في تطوير العمل النقابي (الصحفيين تحديداً)، ولا أحد المختصين البارزين والخبراء العارفين بلوائح وقوانين مهنة الصحافة ومسيرتها الطويلة، وهو أحد شيوخ المهنة وأساتذتها الكبار، بل إضافة إلى كل ما سبق هو تاريخ حي، نابض، وجزء ركين من تاريخ الحركة الوطنية والسياسية والصحفية في مصر في العقود الستة الأخيرة.
وهو أحد أهم المؤرخين المصريين «من غير الأكاديميين»، المنضوين تحت لواء مدرسة التاريخ الاجتماعي، وله في هذا المضمار من الكتب والدراسات ما يشهد بأنه من القلائل الذين ثابروا وفتشوا ونقبوا عن تفاصيل ووقائع وأحداث وشخصيات من التاريخ المصري الحديث والمعاصر.
ومنذ اشتغاله بالعمل الصحفي، ككاتب بالقطعة لعدد من الصحف والدوريات المصرية والعربية في الستينيات، وحتى ترؤسه لتحرير جريدة «القاهرة» (تأسست في العام 2000)، ثمة محطات محورية ونقلات رئيسية في مسيرة صلاح عيسى الصحفية والإنسانية، وأذكر أنني عندما سألته لماذا لم تخرج كتابك الخاص الذي تروي فيه سيرتك الذاتية، وتسجل ما مرّ بك من أحداث ووقائع، عشتها واشتركت فيها، وكنت جزءاً بارزاً من تاريخ الوطن في هذه السنوات.. أجابني ضاحكاً ببحته المميزة «لم أفكر في ذلك، ولا أظنني سأقدم عليه. يكفيني ما أخرجته من كتب ودراسات، وفيها شذرات ولمحات أظنها عريضة وواسعة من سيرتي الذاتية، فالشخصي لم ينفصل عن الموضوعي في عدد كبير منها».

أصغر «رئيس تحرير»
المحطة الأولى في حياة صلاح عيسى، استهلها بمنصب «رئيس تحرير» وعمره 14 عاماً فقط! لا تتعجب أو تندهش، هكذا الموهبة فضاحة وهكذا النبوغ الفطري يفصح عن نفسه بإشارات وعلامات، يقول لي: «في عام 1953 كنت رئيس تحرير مجلة الحائط في مدرسة الخديوي إسماعيل الثانوية، كان عمري آنذاك 14 عاماً، بعدما تبناني أستاذ اللغة العربية وقتها، كان أستاذاً عظيماً مثقفاً وكاتباً وشاعراً، وكان يعمل بالصحافة بعد انتهاء دوامه بالمدرسة، وكان هذا مباحاً في ذلك الحين، فلم يكن قانون النقابة قد تغير بعد ومنع الجمع بين العمل الصحفي وأي مهنة أخرى، وقضى بتفرغ الصحفي تفرغاً كاملاً».
أكد لي غير مرة أن الانشغال السياسي بقضايا الوطن في تلك المرحلة عطّل مسيرته المهنية، والتهم من عمره سنوات، بعد أن أنهى دراسته الجامعية، واشتغل بعدها «إخصائياً اجتماعياً»، لكنه لم ينقطع عن ممارسة هوايته الأثيرة: الكتابة. فبعد تخرجه، وعمله موظفاً حكومياً، ظل هاوياً للكتابة وللصحافة، ولم يكن يخطط كي تتحول الهواية إلى احتراف، ذلك لأن الصحافةَ لم يكن «بابها» مفتوحاً بسهولة.
في هذه الفترة كان الراغبون في العمل بالصحافة يعملون كهواة في الأساس، يكتبون بالقطعة ويراسلون الصحف والمجلات المختلفة. انتقل صلاح عيسى إلى مراسلة الصحف العربية خارج مصر، فكتب لمجلة «الحرية» اللبنانية، لسان حال حركة القوميين العرب، وكان يرأس تحريرها محسن إبراهيم، وراسل أيضاً بعض الصحف الأخرى في الكويت، وهو يعمل في الحكومة.
كما كان يكتب لمجلة «الآداب» البيروتية، ويرسل لها مقالات أدبية وتاريخية فكرية، وكان يحصل حينها على مكافأة قدرها خمسة جنيهات عن الموضوع الواحد الذي كانت مادته تقع في حدود 20 صفحة من قطع المجلة، وكان يتحضر لها قبل كتابتها بحوالي أسبوعين أو ثلاثة ما بين بحث وتنقيب وجمع.. عن تلك الفترة من حياته، قال عيسى: «كان رؤساء تحرير الصحف آنذاك، يقرؤون كل المادة المرسلة إليهم بالبريد باهتمام كبير، يقرؤونها جيداً وبدقة، وينتقون من بينها المواد الجيدة، ولعبوا دوراً خطيراً في اكتشاف المواهب الواعدة، الذين سيحتلون أماكنهم في ما بعد في الحياة الفكرية والثقافية والصحفية في مصر والعالم العربي».
حينما سألته: لماذا لم يكن احتراف الصحافة في ذلك الوقت سهلاً؟ أجابني بأنه لم يكن هناك هيئة أو مؤسسة دراسية تخرج صحفيين محترفين، وبالتالي كان الاعتماد على الموهبة وحدها، وعندما تأسس المعهد العالي للإعلام عام 1969، قبل تحوله إلى كلية مستقلة، على يد مجموعة من الرواد الكبار منهم عبد اللطيف حمزة، كان يستقبل الراغبين في دراسة الصحافة والإعلام ممن أتموا دراستهم الجامعية وحصلوا على شهادة عالية.

الفصل من الحكومة!
المحطة التالية، وهي شديدة الأهمية في تاريخ صلاح عيسى، الستينيات الزاخرة، التي سجل أطرافاً منها في كتابه المهم «مثقفون وعسكر»؛ الكتاب الأسبق والأشهر من بين كتبه جميعاً، وما زال يحتفظ بقيمته كإحدى الوثائق التاريخية الكاشفة لفترة مهمة من تاريخ مصر والعرب، وغالباً ما كان هذا الكتاب هو الأول الذي تطالعه أعين الأجيال الشابة من كتب الصحفي المخضرم، عاينتْ من خلاله نموذجَ كتابة المقال السياسي، وتحليل العلاقة بين المثقف والسلطة، إلى جانب السرد التاريخي الممتع الذي تميز به صلاح عيسى.
«مثقفون وعسكر»، ضم مقالات صلاح عيسى الأولى وبسببها تعرض للاعتقال، مع مجموعة كبيرة من المثقفين المصريين عام 1966، منهم المرحوم غالي شكري، وعبد الرحمن الأبنودي، وجمال الغيطاني، وسيد حجاب، وضم الكتاب المقالات الثلاث التي كتبها ونشرها في مجلة «الحرية» آنذاك بعنوان: «الثورة بين المسير والمصير»، وبسببها وجهت له تهمة «معاداة النظام» أو «انتقاد النظام»!
وكشف لي عيسى أنه عندما عُرضت المقالات الثلاث على عبد الناصر أشّر عليها بـ«يُعْتقَل ويُفْصَل»!.. وفي عام 1968 توسط لدى الرئيس عبدالناصر كل من نايف حواتمة وخالد محيي الدين من أجل الإفراج عنه، لكن عبد الناصر رفض ذلك قائلاً بحسم «المقالات مكتوبة بتعالٍ، ومن خارج النظام»؛ أي أنها معادية له، وليست ناقدة من قلب النظام.
يتابع عيسى حكايته: «وأنا في السجن، صدر قرار بفصلي نهائياً من عملي بوزارة الشؤون الاجتماعية، وكنت الوحيد الذي فصلت فصلاً نهائياً، ضمن المجموعة التي كانت في السجون آنذاك، خرجت بلا عمل أو وظيفة أو دخل، بالإضافة إلى منعي من الكتابة. في ذلك الوقت طلب مني المرحوم فاروق خورشيد أن أعد بعض البرامج في «إذاعة الشعب»، التي كان يرأسها ويدير شؤونها، وكان رحمه الله يحبني ويتعاطف معي، فقرر أن أستمر في إعداد المادة الإذاعية لبرنامج اسمه «مصر الغالية»، دون وضع اسمي ضمن فريق الإعداد، على أن يوضع اسم آخر، وهو اسم الأستاذ سعد التايه، الذي تحمل مسؤولية كبيرة بسبب ذلك، وكان يتسلم الأجر باسمه هو، ثم يعطيني إياه، كان رجلاً نبيلاً وخاطر بعمله في سبيل مساعدتي والوقوف بجانبي. أما عن البرنامج ذاته، الذي كان يقدمه الكاتب المسرحي المرحوم إسماعيل العادلي، فكان برنامجاً يومياً يعالج تاريخ نضال شعب مصر، ويستعرض محطات هذا النضال وشخصياته الوطنية».
وفي ذلك الوقت عرض عليه الكاتب الصحفي رياض سيف النصر، وكان يعمل في جريدة الجمهورية محرراً في قسم الأبحاث، أن ينضم إلى القسم الذي كان يرأسه فتحي عبد الفتاح، وترك له عبد الفتاح تقريباً مهام الإشراف على القسم وتسيير أموره، وكان القسم يضم محررين معينين ومتدربين، كان بمثابة سكرتير تحرير القسم.

معركة قانون الصحافة
كان لصلاح عيسى، المناضل والحقوقي والنقابي دور بارز في المعركة الشهيرة التي خاضتها الجماعة الصحفية في عام 1995، وهي معركة تعديل قانون الصحافة. قال لي إن هذه المعركة كانت فصلاً من فصول توحد الجماعة الصحافية، ومثالاً بارزاً على خوضها معركة شرسة في الدفاع عن حقوقها وحرياتها ومصالح أبنائها، وهي معركة القانون 93 لسنة 95. يحكي عيسى عن تلك المعركة قائلاً: «هذه المعركة قادها إبراهيم نافع، وكان نقيباً للصحفيين وممثلاً للحزب الحاكم، وأحد الإعلاميين الكبار المنتمين إليه والمتحدثين باسمه والمدافعين عنه، ولكن حين وصلت الأمور إلى تهديد مصالح الصحفيين، قاد فريقاً من كبار الصحفيين من منافسيه في الانتخابات النقابية، ومن معارضيه داخل النقابة وفي توجهاته عموماً، ونجح بهذه القيادة وتوحيد جبهة الجماعة الصحفية، في دخول معركة كبيرة مع السلطة السياسية آنذاك، ولم ينفلت إبراهيم نافع من أسر الجماعة الصحافية ولم يشذ عنهم، رغم المعارضة الشديدة التي كان يلقاها من قطاعات عريضة من الصحفيين».
وعن طريق هذه الوحدة، نجحت الجماعة الصحفية المصرية أن تنتصر انتصاراً باهراً، وتحقق لها ما أرادت، ونجحت في استرداد حقوقها وفرض إرادتها.

الأنوار قادمة..
حتى الرمق الأخير، كان في جعبة صلاح عيسى الكثير ليرويه من «حكايات من دفتر الوطن»، منها ما تم فصولاً، ومنها ما كان يستعد لكي يتخلّق شاهداً على العصر، ومؤرخاً لوطن يجاهد للتخلص من أسر ثقافة متكلسة إلى أخرى مغايرة؛ لكن ورغم ذلك كان يرى دائماً أنها مهما تأخرت فإنها آتية بلا ريب، ومعها إعلان الخروج من النفق ومواجهة الأنوار.. مهما كان الثمن!
رحم الله المثقف والكاتب الكبير صلاح عيسى..

حكايات الوطن
خلال حياته المهنية والسياسية، أصدر الراحل صلاح عيسى مجموعة من الكتب والدراسات ذات الطابع التاريخي والسياسي العام، وهي تمثّل مرجعية قيّمة لكل دارس أو مطلع، كان من أبرزها السلسلة التاريخية التي حملت عنواناً جامعاً هو «حكايات من دفتر الوطن»؛ وهي سلسلة لا غنى عنها للقارئ المعاصر، المتخصص وغير المتخصص على السواء، ومن ضمن هذه السلسلة كتابه الضخم عن «الثورة العرابية»، و«رجال ريا وسكينة»، و«مثقفون وعسكر»، و«رجال مرج دابق»، و«البرنسيسة والأفندي»، و«تباريح جريح»، و«شخصيات لها العجب».. وغيرها، بالإضافة إلى كتاباته في الشأن السياسي، ومتابعاته التي لا تخلو من «مشاغبات»..