تقارير

حالة الاقتصاد قبل التخفيضات الضريبية

مع احتمال إقرار التخفيضات الضريبية «الجمهورية» لتصبح قانوناً هذا الشهر، ومن ثم أن تدخل حيز التنفيذ في العام المقبل، فهذا هو الوقت المناسب لوضع مقياس اقتصادي لتقييم تأثير التخفيضات على الاقتصاد الأميركي. نعم، يزعم الرؤساء الأميركيون دائماً أن السياسات التي تنفذ في عهدهم هي المسؤولة عن الأوقات الجيدة (وأنه ليست لها علاقة على الإطلاق بالأوقات السيئة). بيد أن هذا لا يعني بالضرورة أنه يتعين علينا أن نصدق كل ما يقال. وعلى رغم أن الانتعاش الذي نشهده منذ تسعة أعوام لم تصل فوائده إلى الجميع، إلا أن الاقتصاد الأميركي يبلي بلاء حسناً بشكل عام، مع انخفاض معدلات البطالة، والنمو المحسوس في الأجور بالنسبة للطبقة المتوسطة ولمن هم في أسفل سلم الأجور، بالإضافة إلى بعض الأدلة المبكرة الأخرى التي تشير إلى إمكانية ارتفاع نمو الإنتاجية.
ولكي نكون واضحين، فإن التقدم الذي تم إحرازه مؤخراً لا يقترب من التعويض عن المعاناة الهائلة خلال فترة الركود الكبير، إلا أنه أيضاً أقل بكثير من الثلاثة عقود من الركود في الأجور التي سبقته، وعلينا الانتباه إلى حقيقة أن معظم مكاسب النمو كانت تذهب إلى من هم على قمة سلم الدخل، في حين أن من هم في منتصف أو قاع السلم يشهدون ركوداً في دخلهم (وهي المشكلة التي ستزداد سوءاً بسبب هذه الخطة الضريبية التراجعية). ولكن الآن، يتحرك الاقتصاد في الاتجاه الصحيح، فقد بلغ معدل البطالة في أكتوبر 4.1%. والفترة الوحيدة التي شهدت هذا المعدل المنخفض منذ عام 1970 كانت في عام 2000. وهذا الرقم يتطلب التحذير من أن معدل العمالة بالنسبة للعمال الذين تتراوح أعمارهم بين 25-55 لا يزال منخفضاً بنسبة 1.5 نقطة مئوية عن ذروة ما قبل الركود، وبنسبة 3.1 نقطة مئوية من الارتفاع الذي شهده عام 2000. ولذا، فعلى رغم أن سوق العمل ضيق جداً، إلا أن هناك ركوداً أكثر قليلاً من نسبة الـ4.1% التي يشير إليها.
وكما كان الحال في الازدهار الذي حدث في أواخر التسعينيات، فإن معدل البطالة المنخفض يخلق ظروف سوق العمل التي تكون فيها للعمال، حتى أولئك الذين هم في أسفل سلم الأجور، قدرة تفاوضية مؤثرة لتحقيق مكاسب في الأجور. وقد ارتفعت المكاسب الأسبوعية الحقيقية للعاملين بدوام كامل وبأجر منخفض بأكثر من 3% على مدى العامين الماضيين. وزادت المكاسب الأسبوعية الحقيقية بالنسبة للعمال المتوسطين الأميركيين من أصل أفريقي بأكثر من 5% خلال العامين الماضيين، بينما بلغت الزيادة أكثر من 4% بالنسبة للاتينيين من أصل إسباني.
ويرتبط معدل البطالة بشكل وثيق بهذه الأخبار الجيدة من خلال الرواتب، حيث إن أسواق العمل الضيقة هي الأكثر نفعاً للشرائح الأقل حظاً (وتتمثل سمة عدم المساواة في أن الأجور والدخول المرتفعة تكون أقل استجابة بكثير لمعدل البطالة). وعلى الرغم من ذلك، فمن المهم أيضاً ملاحظة أن هذه المكاسب كانت نتيجة لمعركة السعي لجعل معدل البطالة يحقق هذا الانخفاض.
وكان هناك كثير من الاقتصاديين، بما في ذلك بعض أعضاء لجنة الاحتياطي الفيدرالي التي تحدد أسعار الفائدة ولديها تأثير كبير، قالوا إن من الممكن أن يرتفع التضخم بشكل حاد إذا انخفض معدل البطالة لأقل من 5%. وقد دأبوا منذ فترة طويلة على المطالبة بزيادة أسعار الفائدة لإبطاء نمو الوظائف، ومنع معدل البطالة من الانخفاض لأكثر من ذلك.
ولحسن الحظ، تمكنت رئيسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي «جانيت يلين» من مقاومة هذه الضغوط والحد من وتيرة زيادة المعدلات. ويؤكد النمو القوي للأجور خلال العامين الماضيين، المقرون بالانخفاض المستمر في معدل التضخم، صواب قرارها. وهناك بعض الأدلة الأولية على أن الاقتصاد الأميركي ربما يشهد مزيداً من النمو السريع في الإنتاجية. وبعد خمس سنوات كان متوسط النمو السنوي فيها أقل من 1%، قفزت الإنتاجية بأكثر من 3% في الربع الثالث من هذا العام. ويبدو أن مستوى أداء قوياً آخر سيسجل في الربع الرابع. ولأن بيانات الإنتاجية متقلبة للغاية، فمن السابق لأوانه الإعلان عن اتجاه أسرع، ومع ذلك، فقد توقعنا أن القوى المحركة الموصوفة أعلاه -أن انخفاض معدل البطالة يخلق ضغوطاً في الأجور- من الممكن أن يكون لها تأثير هنا. لأن ارتفاع الأجور سيؤدي إلى عدم شغل الوظائف الأقل إنتاجية، مما يؤدي إلى رفع مستويات الإنتاجية متوسطة الجودة. وعلاوة على ذلك، فإن الأجور المرتفعة تعطي أيضاً أرباب العمل مزيداً من الدوافع للاقتصاد في العمل، وإيجاد وسائل لاستخدام الأيدي العاملة لديهم بطريقة أكثر كفاءة، والاستثمار في التكنولوجيا الموفرة للعمالة.
وإذا استمر هذا المعدل السريع، سيكون في غاية الأهمية لأن النمو في الأجور يكون مقيداً بالنمو في الإنتاجية على المدى الطويل. وعلى رغم أن هناك الكثير مما يمكن تحقيقه من خلال عكس إعادة التوزيع التصاعدي الذي حدث في العقود الأربعة الماضية، فإننا سنحتاج في نهاية الأمر إلى وتيرة صحية لنمو الإنتاجية إذا أردنا الحفاظ على مستويات المعيشة المرتفعة. وهذا هو الخبر السار بالنسبة للاقتصاد قبل أي تأثير لخفض الضرائب، فمعدلات البطالة المنخفضة التي نتمتع بها هي استمرار واضح للمسار القوي من نمو الوظائف الذي شهدناه في السنوات الثلاث الأخيرة من إدارة أوباما. وإذا واصل الاقتصاد مساره الصحي للنمو بعد التخفيضات الضريبية، فإن هذا سيكون خبراً سعيداً، ولكنه لن يكون أيضاً نتيجة للتخفيضات الضريبية، بطبيعة الحال.

* خبيران اقتصاديان أميركيان
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»