الاقتصادي

الشاي من نبتة للعلاج إلى سوق بقيمة 38.2 مليار دولار

مجموعة من فلاحات هنديات في طابور لحاملات محصول  الشاي الذي تم حصده من إحدى المزارع بمدينة  سيليجوري  بالهند (أرشيفية)

مجموعة من فلاحات هنديات في طابور لحاملات محصول الشاي الذي تم حصده من إحدى المزارع بمدينة سيليجوري بالهند (أرشيفية)

حسونة الطيب (أبوظبي)

سواء أكان أخضر شفافاً أم أسود غامقاً، فإن كوب الشاي هو عبارة عن عملية تخمير بالغة التعقيد وفن من فنون التصنيع والتقاليد في العالمين الغربي والشرقي.
الشاي الذي يبلغ حجم سوقه عالمياً 38.2 مليار دولار، يباع في مزادات كبرى.
وتتم زراعة وإنتاج الشاي، المشروب الأكثر استهلاكاً بعد الماء، فيما يزيد على 40 بلداً حول العالم.
وكان استيراد الشاي من الصين في القرن السابع عشر، يتطلب الكثير من الجهد والمال، وبالعودة لأصل الشاي، نجد أن اكتشافه والتعرف على الخصائص العلاجية المرتبطة به للمرة الأولى، كان في الصين في العام 2723 قبل الميلاد.
بدأت رحلة الشاي من غابات الصين المورقة، حيث ازدهرت زراعة الشاي أولاً، إلى معابد البوذيين في اليابان وإلى مزارع الشاي الفسيحة في الهند وغيرها.
وتسهم الاختلافات الكبيرة في الأقاليم والإنتاج، في تنوع لون ونكهة وجودة الشاي، حيث تزيد الأنواع عن ثلاثين، بجانب العادات والمهن المتصلة به.
وانتشر لفظ «شا» الصيني، المرادف لكلمة شاي العربية، بسرعة حول العالم.
ونشأت «الكاميليا الصينية»، في جنوب شرق آسيا وتحديداً في نقطة التقاء شمال شرق الهند وشمال بورما وجنوب غرب الصين والتبت، لتنتشر بعدها في ربوع العالم المختلفة. وهي نوع من النباتات التي تستخدم أوراقه وبراعمه، لإنتاج أنواع متعددة من الشاي مثل، الشاي الأبيض والأصفر والأخضر والأسود وشاي الأولونج وبوير، ويحتاج محصول الشاي لمتطلبات مناخية لا تتوفر إلا في المناخ الاستوائي وشبه الاستوائي، بينما يمكن لبعض أنواعه النمو في المناخات البحرية في بريطانيا ومنطقة واشنطن الأميركية.
وعادة ما تنمو شجرة الشاي، في المناخ الحار الرطب في درجة حرارة تتراوح بين 10 و30 أو أكثر وارتفاعات تصل إلى ألفي متر.
لذا فإن مناطق إنتاج الشاي محدودة من الناحية الجغرافية حول العالم، وتتميز بحساسية عالية لتغيرات النمو.
لكن تتعرض مناطق نمو الشاي المثالية، لمخاطر التغير المناخي.
استهلاك الشاي
ويعتمد نمو اقتصاد الشاي العالمي بشكل رئيسي على الطلب، الذي يتأثر بالسعر التقليدي ومتغيرات الدخل وعوامل أخرى مثل، العمر والمؤهل العلمي والوظيفة والخلفية الثقافية وغيرها.
وتؤثر الصحة بنسبة كبيرة على استهلاك الشاي، ما حث بعض الشركات لإطلاق حملات لتوعية الناس بفوائده الصحية الكثيرة.
وبخلاف الاستهلاك، توجد بعض العوامل القوية التي تؤثر على سعر الشاي عالمياً مثل، التوجهات والتغييرات التي تطرأ على استهلاك الفرد وقرب الأسواق وتأثيرات الآفات المحتملة على الإنتاج.
وزادت أسعار الشاي العالمية بصورة مستمرة، وفقاً لسعر الشاي المركب التابع لمنظمة الفاو، وذلك حتى العام 2012.
وانخفض متوسط السعر في 2013 بنحو 2.5% إلى 2.79 دولار للكيلو الواحد وإلى 5.3% في 2014 إلى 2.69 دولار.
وتنتج مقاطعة يونان الصينية، المهد الحقيقي للشاي، شاي «بيورا»، واحد من أكثر أنواع الشاي تكلفة، حيث يصل سعر الجرام الواحد لنحو 3 آلاف دولار.

الإنتاج العالمي
وفي أعقاب فترات طويلة من النمو المضطرد، تراجع إنتاج الشاي الأسود في 2008/‏‏‏ 2009 قبل التقاط أنفاسه في 2010/‏‏‏ 2011. وارتفع الإنتاج العالمي من الشاي الأخضر والأسود والسريع الذوبان، بنحو 6% إلى 5.07 مليون طن في 2013، في حين ارتفع إنتاج الأسود منه بنسبة قدرها 5,4% والأخضر بنحو 5.1%. وتعتبر الصين، أكبر منتج للشاي في العالم بإنتاج قدره 2.25 مليون طن في 2015، في حين بلغ معدل الإنتاج في الهند ثاني أكبر الدول المنتجة 1.3 مليون طن.
وعلى صعيد التصدير في العام نفسه، تحل كينيا في مقدمة الدول، مستحوذة على 25% من الإجمالي العالمي، تجيء بعدها الصين بنحو 18% وسريلانكا بنسبة 17% ثم الهند 13% وفيتنام 7% والأرجنتين 4%، وحتى يتمكنوا من المنافسة وفك الاحتكار الصيني، قام التجار البريطانيين بسرقة نبات الشاي وتهريبه من الصين والبدء في زراعته في الهند في منطقة دارجيلينج وفي جزيرة سيلان، ما جعلهما من الدول المصدرة الكبيرة. وشاع شرب الشاي في بريطانيا خلال القرن السابع عشر.
لعب الشاي ولقرون عدة، دوراً مهماً في الثقافات الآسيوية كمشروب غذائي وعلاجي ورمز يدل على مكانة الأشخاص.
وفي رحلته عبر التاريخ، بدأ الشاي من قارة آسيا ومن الصين على وجه التحديد مروراً باليابان والهند وغيرها.
الصين استهلك الصينيون الشاي لآلاف السنين، حيث تم التوصل لأول دليل مادي اليوم في العام الماضي، من ضريح جينج من سلالة الإمبراطور هان، ما أكد شرب هذه العائلة للشاي في القرن الثاني قبل الميلاد. وأشارت العينات، إلى أن ذلك الشاي يعود لنبات الكاميليا.
وكان استخدام هذه العائلة للشاي في البداية، كعلاج ولم يعرف وقتها شربه كمحفز للمزاج أو الكيف بعد.

أصل التسمية
ويعود تاريخ استخدام كلمة شاي الحالية في اللغة الصينية للقرن الثامن، ذات الفترة التي شهدت زراعته في جبال «مينج» بالقرب من مدينة تشنغدو.
كما يعود أول دليل لغلي الشاي، لسلالة هان. وبين سلالتي تانج وكوينج، تمت زراعة أول 360 ورقة للشاي، في هذه المنطقة، ليتم قطفها كل ربيع، ومن ثم جلبها للإمبراطور. ومن خلال هذه السلالات، بدأ الشاي في الانتشار لكوريا واليابان وفيتنام.
وخلال حقبة سلالة سونج (960 – 1279)، تغيرت طرق إنتاج وتحضير الشاي، حيث يعود أصل الشاي السائب وتخميره، بجانب بروز بودرة الشاي المعروفة اليوم.
وتعرف الصينيون، على طرق مختلفة لمعالجة الشاي، أواسط القرن الثالث عشر، حيث تم تحميص الأوراق وتفتيتها بدلاً من تعريضها للبخار. ووضعت هذه العملية، حداً لأكسدة الشاي التي تساعد على تحويل الأوراق للون الأسود، ومحافظتها بالتالي على لونها الأخضر.
وظهر شاي «أولونج» في القرن الخامس عشر، العملية التي يتم فيها تخمير جزئي للأوراق قبل تحميصها. ويفضل الغرب الشاي الأسود المؤكسد كلياً، حيث المزيد من تخمير الأوراق. أما الشاي الأصفر، فهو اكتشاف غير مقصود، برز خلال عملية إنتاج الشاي الأخضر بنكهة مختلفة.
وفي هونج كونج، تم تطوير نسخة من الشاي الإنجليزي وخلطه مع الحليب.
اليابان انتشر استخدام الشاي في اليابان، إبان القرن السادس قبل الميلاد، عندما أصبح مشروباً للمجتمعات الدينية بعد أن جلبه القديسون والوفود من الصين.
وأصبح مشروباً للفئات الملكية، عندما شجع الإمبراطور الياباني ساجا، على زراعته بعد استيراد حبوبه من الصين.
وشاع استخدام الشاي الأخضر، بين أفراد الطبقة المثقفة والبوذية في اليابان وظل حكراً على هذه الطبقات بجانب الأثرياء، رغم زراعته وحصده داخل البلاد.

ثقافات الاستخدام
وفي العام 1738، طور اليابانيون شاي «سينشا»، أحد أنواع الشاي الأخضر المحمص غير المخمر، الذي أصبح الأكثر استهلاكاً في اليابان اليوم.
كوريا اقتصر استخدام الشاي في كوريا، على العائلات الملكية والدينية أيضاً كما هو الحال في الصين واليابان. ومن بين الأنواع الأولى المستخدمة في المناسبات، الشاي المضغوط في شكل قطع الكيك السوداء.
وأسهم جلب الرهبان البوذيين لنبات الشاي، في وجود أنواع متعددة من الشاي في كوريا، يرتبط تقديمها بفصول ومناسبات محددة في البلاد.
فيتنام ظل الشاي الفيتنامي الأخضر، حبيس حدود القارة الآسيوية، ولم يذع صيته خارجها حتى يومنا هذا.
لكن تبذل البلاد في الآونة الأخيرة، جهوداً ترمي لتقديم الشاي الأخضر في الخارج عبر مبادرات نشاطات جديدة للتصدير. وتتضمن أنواع الشاي الفيتنامي، «شاي اللوتس» و«شاي الياسمين»، وغيرها.
وتنتج البلاد أيضاً، الشاي الأسود وشاي أولونج، لكن بكميات أقل.
وتتم زراعة الشاي في فيتنام، في مرتفعات لامدونغ، حيث تعيش مجتمعات الرونغ في دورهم القديمة التي بُنيت منذ نهاية القرن الثامن عشر.
الانتشار العالمي تشير أقدم سجلات الشاي في مخطوطات أحد الرحالة العرب، إلى أن الرسوم المفروضة على الشاي والملح بعد العام 879، شكلت مصدر الدخل الرئيس لمدينة جوانزو «كانتون» جنوبي الصين. وفي البرتغال، تم إنشاء ميناء في مدينة مكاو في 1557، لينتشر بعد ذلك استخدام الشاي، رغم عدم جلب أي نبات منه إلى البلاد.
وفي بداية القرن السابع عشر، جلبت باخرة تابعة لشركة غرب الهند الهولندية، أول شحنة من الشاي الأخضر لمدينة أمستردام قادمة من الصين. والرحالة جيوفاني باتيستا، هو أول من أدخل الشاي إلى أوروبا.
وفي حين تعرف الناس على الشاي في فرنسا للمرة الأولى في 1636 وانتشر لفترة قصيرة من الوقت في العاصمة باريس في 1648، تزامن ذلك مع دخوله لروسيا أيضاً، وتم تقديم الشاي للمرة الأولى من قبل الصين كهدية للقيصر الروسي مايكل الأول في 1618. لكن ولعدم استساغة السفير الروسي لطعم الشاي، تأخر انتشاره في البلاد لنحو خمسين سنة.
وفي 1689، بدأ استيراد الشاي بصورة منتظمة في رحلة تستغرق سنة بالجمال، ما جعل السلعة أكثر قيمة. وفي اليونان وقبرص، اشتهر إعداد الشاي بإضافة القرنفل والقرفة.
وظهر الشاي في ألمانيا للمرة الأولى عبر الصيدليات في 1657، بيد أنه لم يجد رواجاً إلا في المدن الساحلية، بينما شهدت خمسينيات القرن السابع عشر دخوله لإنجلترا عبر المقاهي، ليجد طريقه من هناك للمستعمرات البريطانية في أميركا وغيرها من الدول حول العالم.

الشاي اليوم أكثر المشروبات انتشاراً بعد الماء
رغم الدخول المبكر للشاي في الهند عبر البريطانيين، فإنه لم ينتشر بين الهنود قبل خمسينيات القرن الماضي من خلال حملات إعلانية أطلقها مجلس الشاي الهندي، ومع أن الهند احتلت المركز الأول كأكبر منتج للشاي في العالم لقرن من الزمان، لكن تمكنت الصين من إزاحتها بداية القرن الحالي، وكذلك رغم أنها أكبر دولة في استهلاك الشاي في العالم، لكن يظل نصيب الفرد من هذا الاستهلاك متواضعاً عند 750 جراماً فقط في السنة.
وشهدت لندن آخر مزاد للشاي في 1998، حيث تحولت المزادات في الوقت الحالي لمدن مثل، كولومبو في سريلانكا ومومباسا في كينيا، حيث يباع للموزعين مباشرة، وبلغت قيمة سوق الشاي في السنة الماضية نحو 38.2 مليار دولار، وتشير التوقعات، إلى تراجع إنتاج الشاي هذه السنة، نتيجة لتدهور الموسم الزراعي في كينيا، التي تشكل 16% من إنتاج الشاي الأسود العالمي.كما انخفضت مستويات المحصول في سريلانكا، التي تستحوذ على 10% من الإنتاج العالمي، وكذلك الحال في الهند.