صحيفة الاتحاد

ألوان

علماء: الإسلام حرّم جميع صور الفساد

الرشوة إحدى صور الفساد في المجتمع (أرشيفية)

الرشوة إحدى صور الفساد في المجتمع (أرشيفية)

أحمد مراد (القاهرة)

حذَّر علماء في الأزهر الشريف من خطورة الفساد بكافة صوره وأشكاله على أمن واستقرار المجتمع المسلم، مؤكدين أن مرتكب الفساد بأي صورة كانت، مستحق لغضب اللَّه سبحانه وتعالى، وقد جعله الله من المنافقين، وهو في حرب مع اللَّه ورسوله.

وأوضح العلماء أن الفساد في معناه العام يشمل كل اعتداء على الأنفس أو الأموال أو الموارد، وهو يؤدي إلى عدة آثار اجتماعية سيئة منها العمل على غرس الحقد والحسد والتباغض بين أفراد المجتمع، ويؤدي أيضاً إلى انتشار القيم غير الأخلاقية في المجتمعات الإسلامية.

يهدم الحياة

أوضح د. عبدالفتاح إدريس، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، أن من هوادم الحياة عامة، الفساد بتعدد صوره وأشكاله وأنواعه، ولعل أبرز أنواع الفساد، استغلال الوظيفة أو السلطة في تحقيق النفع لصاحبها أو للغير، تعطيل الأحكام، الاختلاس، الرشوة، الظلم، محاباة بعض الناس على حساب الآخرين، عدم احترام وقت العمل، ضعف الإنجاز، التشاغل أثناء العمل بما ليس منه، العزوف عن المشاركة الفاعلة، الإسراف في استخدام المال العام فيما لا فائدة فيه، سوء توظيف الأموال، العبث بالمناقصات والمزايدات والمواصفات، إلى غير ذلك من أنواع الفساد، والذي يمكن أن نعرفه بأنه الخروج عن حال الاعتدال والاستقامة، ومعيار الحكم على العمل بصلاحه أو فساده، معيار شرعي، فما عده الشرع فساداً، فهو كذلك.

وقال د. إدريس: الأعمال الفاسدة مُجمع على حرمتها، وتضافرت نصوص الشرع بحرمتها، ومنها قوله تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا...)، «سورة الأعراف: الآية 56»، وقوله أيضاً: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا...)، «سورة القصص: الآية 83»، وقوله جل شأنه: (... وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)، «سورة القصص: الآية 77».

وأشار د. إدريس إلى أن الفساد خبث، وهو سبب من أسباب هلاك الأمم، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟، قال: «نعم إذا ظهر الخبث»، ومنهج الإسلام في محاربة الفساد، هو بقطع أسباب صوره وأشكاله والقضاء عليها، ومنع وجود محاباة لأحد من أصحاب السلطة أو الوظائف، ومما يدل على ذلك أن رسول الله وهو ولي أمر المسلمين، لم يمنح ابنته فاطمة خادماً من السبي، رغم أنها اشتكت إليه عدم قدرتها على القيام بأمور بيتها، وقال لها: «ما كنت لأعطيكم وأدع أهل الصفة تلوى بطونهم من الجوع»، وبلغ من حرص خلفائه على التورع عن أموال المسلمين، أن خرج أبو بكر صبيحة توليه الخلافة بمتاع للاتجار فيه في السوق، فلقيه عمر فسأله: إلى أين يا خليفة رسول الله، فأجابه: إلى السوق أبتغي نفقة عيالي، كما بلغ من حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم، على إقامة حكم الله، أن أقسم فقال: «وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»، وعزل جابي الزكاة ابن اللتبية لحصوله على مال من دافعي الزكاة، وأقام عمر على ابنه حد الشرب، لما علم أنه تناول نوعا منه يحدث السكر، ومثل هذا فعل سلف الأمة ونهجوا، لقطع دابر الفساد من المجتمع الإسلامي، ولن ينصلح حال المجتمع الإسلامي إلا بقطع دابر الفساد، والقضاء على مظاهره.

ضياع الحقوق

أوضح د. حسين شحاتة، الأستاذ بجامعة الأزهر، أن الفساد معناه ضياع الحقوق والمصالح بسبب مخالفة ما أمر به الله ورسوله وأجمع عليه الفقهاء، أي الاعتداء على حقوق الأفراد والمجتمعات وعدم الالتزام بما أمرنا الله به ورسوله، ويترتب عليه الهلاك والضياع ومحق البركات، وقد ظهر الفساد بكافة صوره، وأشار الله سبحانه وتعالى إلى ذلك في قوله تبارك وتعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، «سورة الروم: الآية 41»، وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخصال التي تؤدي إلى الفساد، فقال: «يا معشر المهاجرين خصال خمس، إذا ابتليتم بهن، ونزلن بكم، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلا سلط عليهم عدواً من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، إلا جعل بأسهم بينهم».

وقال د. شحاتة: وطالما لا نطبق ما أمر الله به، وننتهي عما نهانا الله عنه، يكون الفساد في المجتمع قائماً لا محالة في الواقع العملي، ومن النماذج البارزة على ذلك في القرآن الكريم نموذج قوم شعيب الذين كانوا يطففون المكيال والميزان في المعاملات ولقد وصفهم الله بأنهم من المفسدين في الأرض.

وأضاف د. حسين: ومن صور الفساد في مجال المال، السرقة والاختلاس والرشوة والتربح من الوظيفة واستغلال الجاه والسلطان والربا، والمضاربات والقمار ومنع الزكاة، ومن صور الفساد في مجال العمل، الإهمال والتقصير، وعدم الإتقان وعدم الانضباط والالتزام بنظم العمل، المحسوبية وعدم تكافؤ الفرص، وبخس العامل حقوقه.

تفكك المجتمع

قال د. محمد عبدالحليم عمر، الأستاذ بجامعة الأزهر،: الفساد في معناه العام يشمل كل اعتداء على الأنفس والأموال أو الموارد وفي ذلك يقول اللَّه سبحانه وتعالى: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ)، «سورة البقرة: الآية 205»، والفساد يؤدي إلى عدة آثار اجتماعية منها، العمل على غرس الحقد والحسد والتباغض بين أفراد المجتمع وإثارة استيائهم من نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي يعمل على إتاحة الفرصة للمفسدين لكي يغتنوا بطرق غير مشروعة مما يؤدي إلى تفكك المجتمع، ويؤدي الفساد أيضاً إلى انتشار القيم غير الأخلاقية، حيث يغذي الفساد نفسه بنفسه ويتسع نطاقه إن لم يواجه بحزم.