ألوان

الجناح المغربي ثراء الفنون وإبداع الحرف اليدوية

هشام سقاط يعرض السروج المصنوعة بمهارة كبيرة (تصوير عمران شاهد)

هشام سقاط يعرض السروج المصنوعة بمهارة كبيرة (تصوير عمران شاهد)

لكبيرة التونسي (أبوظبي)

جناح المملكة المغربية بمهرجان زايد التراثي.. معرض حي مفتوح متعدد الألوان، من خلال21 حرفياً تقليدياً يبدعون على «النحاس، الجلد، صياغة الحلي الفسيفساء، الفخار، الفضة، الصوف، الزجاج» وغيرها من المواد التي تصنع منها منتجات ذاع صيتها في العالم، فهي تعكس غنى الموروث الثقافي والحضاري للمملكة.

البوابة الضخمة للمهرجان المقام حالياً بمنطقة الوثبة «من 1 ديسمبر حتى 27 يناير المقبل».. تحاكي باب «المنصور لعلج» أعظم أبواب القصبة الإسماعيلية بمدينة مكناس والتي أسسها السلطان إسماعيل، وأتمم بنائها ابنه عبد الله نحو 1732م، وتحتضن باقة من الحرف التقليدية والفنون الموسيقية تعانقها مساحة واسعة أسست بديكورات نحاسية وفخارية تتوسطها نافورات مائية تنساب لتتدفق في نعومة على الفسيفساء في انسجام تام مع الموسيقى الأندلسية وصوت فرقة «كناوة» التي تستقبل الزوار بكل حفاوة وترحاب.
ولأن الصناعات التقليدية المغربية يصعب حصرها في هذا الحيز، نظراً لكثرتها وتنوعها بتنوع المناطق والتضاريس والبيئات المغربية، فإن ما وجد من الحرفيين بالجناح المغربي بالمهرجان يقدم نماذج فائقة تعبر عن جمال الصناعات التقليدية في المملكة والتي حضرت بتفاصيلها البديعة من مختلف مدن المملكة التي تتميز بغناها وتفردها وتنوعها.
أعماق التاريخ
وعن الجناح المغربي، الذي جاءت مشاركته بإشراف مؤسسة دار الصانع بوزارة الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني بالمملكة المغربية، قالت سميرة مجاهد رئيسة المصلحة المحاسباتية والمالية، مسؤولة عن المديرية الإدارية والمالية بالنيابة، إن الجناح هذه السنة يقع على مساحة 1500 متر مربع ويبسط باقة واسعة من الحرف الفنية التقليدية، وجانب كبير من الموروث الثقافي للمملكة الذي يتميز بغنى يجسد ما صاغته الحضارة الإسلامية في بلاد المغرب تراثاً معمارياً وثقافياً وحضارياً متنوعاً ونوعياً يمثل تراكماً غنياً يعكس تفاعل معطيات دينية، وتاريخية، وجغرافية، واقتصادية، واجتماعية وفنية عبر شاشات عرض في كل ورشة من ورش الحرفيين، حيث تعرف بالصناعة التقليدية التي يزاولها الحرفي بشكل مباشر أمام الجمهور ضمن ورشهم، بالإضافة إلى مشاركة الحرفيين بالتداول في الفضاء الخارجي الذي يجمع الحرفيين، بالإضافة إلى ورقة تعريفية توضع أمام الورشة، موضحة أن مشاركة المغرب جاءت على قدر كبير من الاهتمام من أجل إبراز الصناعات التقليدية في أبهى صورة.

تراث إنساني
وأضافت:«يقدم الحرفيون المشاركون في المهرجان لمحة عن الصناعة التقليدية التي يحتفى بها يومياً في المملكة، وزوار المهرجان يحظون يومياً بمشاهدة هذا المتحف المفتوح الذي ينقل جانباً من الموروث التقليدي الذي تمهر فيه يد الصانع المغربي، موضحة أن الداخل إلى الجناح يعبر عبر البوابة الضخمة التي تحاكي باب «المنصور لعلج» بمكناس المطلة على ساحة الهديم المصنفة كثرات إنساني عالمي من طرف اليونسكو، والتي تتميز بضخامة مقاييسها؛ إذ يصل ارتفاعها إلى 16 متراً، وتحتوي على باب رئيسي مقوس ارتفاعه 8 أمتار، كما يستأثر بالزخارف الخلابة المنحوتة على الخزف والجبس والفسيفساء المتعدد الألوان، وتتميز بأعمدة الرخام البيضاء يتوسط بابين آخرين، بنفس الجمال.
وأوضحت أن الجناح المغربي يجمع بين أربع جهات المملكة وهي جهة الشمال، جهة الجنوب «الصحراء المغربية»، جهة الوسط الشمالي وجهة الوسط الجنوبي، ليعكس التنوع الثقافي والتراثي للمملكة، ويضم الجناح الذي تتجاوز مساحته 1500 متر مربع، 21 محلاً لأهم الحرف اليدوية التي يتميز بها التراث المغربي الأصيل الذي لا يزال يحافظ على صورته المضيئة على مر العصور واستطاع الاندماج مع الفضاء العصري المفتوح، بل يحظى بشهرة عالمية، مثل النحاسيات والجلود، وصياغة المجوهرات، الخياطة التقليدية كالقفطان المغربي، والنسيج والزرابي، والفخار والصناعة الخشبية وزيت أركان إلى جانب المطابخ، وفرقتين موسيقيتين، وغيرها من الحرف المتوارثة عن الأجداد وحافظ على استمراريتها الأبناء وما زالت تحظى بإقبال كبير من هذا الجيل، نظراً للتشجيع الذي تحظى به، حيث تنظم المسابقات وتبنى الأكاديميات والمعاهد لتدريس هذا المجال الحيوي لضمان نقله للأجيال المستقبلية، مؤكدة أن الإنتاج المغربي التقليدي الحرفي له شهرته التاريخية الفنية ويتمتع في الوقت نفسه بأعلى معايير الجودة، وهو ما مكنه من الحفاظ على طابعه التقليدي رغم التطورات التقنية والتكنولوجية على مستوى طرق الإنتاج.
وأشارت إلى أن الصناعة التقليدية في المملكة بخير، لأنها تشهد إقبالاً كبيراً من طرف هذا الجيل، وتحظى بدعم وتحفيز من الدولة، لاسيما أن التنوع في المنتوج الحرفي التقليدي الغني في المملكة وفر للعالم مناخاً من الخبرات والذوق والأناقة، حيث التاريخ والحضارة والفنون التقليدية والفلكلور، الميزات التي تجعل المغرب أرضاً استثنائية.

سروج
عندما تدلف الجناح المغربي من جهة اليمين تجد هشام سقاط، الذي ينتمي إلى عائلة فاسية توارثت صناعة سروج الخيول التقليدية منذ عام 1896، يشغل ركناً بارزاً ويعرض مجموعة واسعة من السروة المصنوعة بمهارة من خيوط الفضة والذهب، موضحاً أن صناعة السرج دقيقة وصعبة، وأن السرج الواحد يتكون من 34 قطعة، ويتعاون في صناعته مجموعة حرفيين ينتهي عملهم لتبدأ عملية التطريز التي تقوم بها النساء، ويستغرق العمل على سرج واحد من 6 أشهر إلى سنتين، ويوضح أن صناعة سرج واحد، من هذا النوع الرفيع، تستغرق سنتين ونصف السنة، ويصل ثمنها إلى 5 آلاف دولار، مشيراً إلى أن السرج الفخم والذي يجهز خصيصاً لمناسبات الفروسية الكبيرة، كمهرجان الفرس بالجديدة الذي يحظى بحضور كبير من جميع أنحاء العالم، يتم العمل على تطريزه من طرف سيدة واحدة للحفاظ على روح واحدة في العمل ويعمل بدقة متناهية، مؤكداً أن صناعة السروج بالمغرب بدأت تنتعش بعد أن كان يمارسها شخصان معروفان بفاس، أما اليوم فأصبح يمارسها أكثر من 30 شخصاً، صغيراً وكبيراً.

نسيج على طهارة
تبدع النساء في تزيينها بأشكال هندسية بسيطة مثل المربع والمعين والمثلث، وتعبر زخرفتها عن طبيعة الحياة المحلية ذات الهوية والعمق الأمازيغي، توظف فيها المرأة رموزاً ذات دلالات اجتماعية ونفسية، هذا ما أكدته مليكة الدودي نائبة رئيسة تعاونية أحنيف الكلاوي بمنطقة «تازناخت بورزازات»، والمشاركة بالعديد من الألوان والأشكال والأحجام من الزرابي الصناعة الخاصة بالنساء بالمنطقة والتي تحملها تخيلاتها، وتعبر فيها عن آمالها وأحلامها وحالتها النفسية والاجتماعية أيضاً، فتأتي مشبعة بالدلالات، حيث توضح أن هذه التعاونية تضم أكثر من 100 سيدة تعمل على نسج الزرابي بأشكال مختلفة مصنوعة من صوف الخروف مستعملة في تلوينها المواد الطبيعية مثل الحناء والرمان والزعفران والمواد المستخلصة من النباتات المحلية.
وقالت: تجلب النساء الأعشاب والنباتات الطبيعية من جبال المنطقة في الصباح الباكر، وعليها أن تكون على طهارة، وعندما تبدأ بنسج الزربية تقوم النساء بإحضار التمر والسكر والتين حتى تنكس حلاوة هذه المواد على سجادة ويتمتعن بأوقات سعيدة، كما يتجنبن البدء في النسيج في أيام معينة في الأسبوع لأنها تذكرهم بأيام عصيبة مرت بها المنطقة، وعن تسويق «الزربية التزناختية» أكدت مليكة أنها مشهورة جداً بألمانيا وأميركا وبريطانيا».

حلي العازبات
فيض وفير من الصناعات التقيدية بالجناح المغربي بمهرجان زايد التراثي يحدث الزوار، ويروي حكاية براعة كل مدينة لجانب معين من هذه الحرف التي تتم المحافظة عليها، من خلال العديد من الأوراش الكبرى التي أطلقتها المملكة للحفاظ على هذا الموروث العريق من الاندثار.
وقال الحبالي محمد من تعاونية « موكادور للمجوهرات لفن الدق الصويري»، إن مدينة الصويرة والتي كان يطلق عليها سابقا موكادور: تشتهر بصياغة وإتقان نقش الحلي، موضحا أن هذه الصنعة متوارثة عن الأجداد، وتعكس مزيجاً من الثقافات والحضارات التي مرت على المدينة، لافتا إلى أن أغلب الحلي المعروضة من الفضة المطعمة بالأحجار الكريمة، ومنها الحزام أو ما يصطلح عليه بالمغرب «المضمة»، وهي عبارة عن حزام من الذهب أو الفضة ترتديه المغربيات في المناسبات السعيدة، والخلالة التي كانت تمسك به النساء سابقا على الكتف، ومن العادات المتوارثة إذا وضعت السيدة الخلالة على الكتفين، فيعني أنها متزوجة، وإذا وضعته على جانب واحد، فهي غير متزوجة.

زخرفة
وسط بريق النحاس والفضة جلس رابح إدريس الملقب عمي إدريس ينقش بدقة متناهية على النحاس، وهي الحرفة التي تعلمها عن أمين المزخرفين بفاس منذ نعومة أظفاره، حيث برع في صنع أوان وديكورات نحاسية متقنة تتم باليد وبآلات وأدوات تقليدية، كالمطرقة والمسامير، ما يضفي على كل قطعة تميزا كبيرا.
وفي كل سنة من دورات المهرجان يبهر عمي إدريس الزوار بجلب أدوات أبدع في زخرفتها، بما يتناسب مع العصر الحالي مع الحفاظ على أصالتها، لتناسب الديكور العصري وخطوط الموضة دون الخروج عن أصالتها، ومن الأواني التي يزخرفها بالطريقة التقليدية أدواة الشاي، وأطباق الخبر وصواني التقديم، وغيرها كثير.

ألوان على زجاج
معدات الشاي المغربي، تحظى باهتمام بالغ من طرف المغاربة وهي دليل على البذخ والفخامة، وتتكون عادة من الصينية والإبريق «البراد» المصنوعين من معدن الفضة الخالص، ومزينان بالنقوش اليدوية، وترافق صينية وإبريق الشاي على المائدة ثلاث علب مصنوعة من المعدن نفسه، يوضع في كل واحدة منها السكر أو الشاي أوالنعناع.
وتعد حرفة صناعة هذه الأدوات من الصناعات التقليدية المهمة في المملكة، وباتت تدخل عليها ابتكارات وعصرنة تزيدها ألقاً من دون أن تفقد رونقها وأصالتها، حيث عملت صفية الكابوس، والتي تعمل على تلوين كؤوس الشاي الزجاجية والحفر على الخشب لإنجاز الصواني التي تواكب الموضة من دون أن تتجاوز جذورها الأساسية، حيث تطعمها بالنقوش المغربية المعروفة، وزخارف مستوحاة من نقش الحناء، وغيرها من الأشكال.