الملحق الثقافي

العالَم.. أن تريد

حينما يكون العالَم إرادةً وتمثُّلًا  بحسب شوبنهاور (الاتحاد)

حينما يكون العالَم إرادةً وتمثُّلًا بحسب شوبنهاور (الاتحاد)

«العالَم إرادة وتمثُّلًا » Die Welt als Wille und Vorstellung هو عنوان العمل الرئيس لأرتور شوبنهاور الذي يحوي مجمل فلسفته، ويعد من الروائع الخالدة في تاريخ الفلسفة. وعلى الرغم من أن شوبنهاور قد كتب أعمالًا أخرى بالغة الأهمية، لعل أهمها كتاب «الحواشي والبواقي» Parrega and Paralipomena الذي كان سبب شهرته المدوية في أواخر عمره، لسهولة أسلوبه وتناوله لأمور حياتية أقرب إلى فهم القارئ العام، فإن هذا الكتاب مثل غيره من كتب شوبنهاور يظل بمثابة شروح وتنويعات وإضافات على عمله الرئيس.

صدر كتاب «العالم إرادةً وتمثُّلًا» في ريعان شباب شوبنهاور سنة 1818، ولم يلق أي رواج، بل بيع في النهاية كأوراق مهملة. وقد سخر شوبنهاور من هذا الموقف برمته بعد إذ رأى الصحفيين والكتاب يتوافدون على زيارته، ورأى الفنانين يرسمون له لوحات زيتية، فقال عبارته الشهيرة: «بعدما عاش المرء طيلة حياته في صمت، جاؤوا في النهاية بالطبول والأبواق!».

رحلة مع فيلسوف
ولقد عايشت هذا العمل في أواخر السبعينيات حينما كنت أعد رسالتي للماجستير عن «ميتافيزيقا الفن عند شوبنهاور» التي نُشِرَت لأول مرة سنة 1983. فتنني كدارس مبتدئ هذا العمل الذي فتن من قبل فلاسفة ومبدعين عظام من أمثال نيتشه، وجوته الذي قال حينما ألتقى الفيلسوف الشاب شوبنهاور وسط حشد من كبار رجالات الفكر والأدب: «انتبهوا إلى هذا الشاب، فسوف يعلو فوق رؤوسنا جميعًا». ومع ذلك، فلم أُقدِم على ترجمة هذا العمل إلا في سنة 2006، واستغرقت ترجمة المجلد الأول فقط عشر سنوات، آملًا أن يظهر المجلد الثاني في عام 2018، في ذكرى مرور مائتي عام على ظهوره الأول.
وليس في مقدورنا هنا أن نتناول تفاصيل كل مجلد من هذين المجلدين، فمثل هذا الإجراء لن يكون مفيدًا للقارئ، ولن يتيح له فهم هذا العمل الذي سوف تزيد ترجمته إلى العربية على ألف وخمسمائة صفحة، لأن القارئ في هذه الحالة سوف يضيع في كثرة التفاصيل من دون أن يصل إلى لب فلسفة شوبنهاور المنطوية في هذا العمل، وهو ما ينبغي أن ننشغل به. ولكننا يمكن أن نتحدث باختصار شديد دون أن يكون مخلًا عن بنية هذا العمل.
لقد ظهر هذا العمل في الأصل سنة 1818 في مجلد واحد مؤلف من أربعة كتب، ولم يُلحق به المجلد الثاني إلا بعد ربع قرن. وقد جاء المجلد الثاني مؤلفًا من جملة فصول تبدو متناثرة لأول وهلة، إلا إنها تظل محورية جوهرية، فكل منها ينطوي على إضافة وتفصيل لما تم إجماله في المجلد الأول، وكأن هذا المجلد الثاني جاء ليملأ الفراغات الموجودة في المجلد الأول، كي يجسد موضوعه في صورة أكثر كمالًا، ويلقي الضوء على الكثير مما لم يُصرَّح به هنا وهناك في المجلد الأول.

الظاهر والباطن
ويمكن أن نجمل فحوى فلسفة شوبنهاور في هذا العمل على النحو التالي:
للعالم ظاهر وباطن، فإذا نظرنا للعالم في ظاهره كان تمثُّلًا، وإذا نظرنا إليه في باطنه كان إرادةً (وذلك موضوع الكتابين الأول والثاني). فعالم التمثل هو عالم الظواهر كما يتمثل لوعينا أو معرفتنا من خلال قوانين مبدأ العِليَّة التي تحكم معرفتنا التجريبية والاستدلالية (المنطقية). ولكن العالم كتمثل هو مجرد المظهر الذي تبدو عليه الأشياء بالنسبة لنا، أما حقيقة الأشياء فتتمثل في الإرادة ذاتها: فالإرادة عند شوبنهاور هي الماهية الباطنية للعالم، وهي تتجلى في الطبيعة الإنسانية وفي الطبيعة العضوية واللاعضوية على السواء، وإن كانت تعبر عن نفسها بوضوح أكبر وأكثر تعقيداً كلما ارتقينا في سلم الوجود. وعلى ذلك، فإن الطبيعة اللاعضوية تمثل أدنى درجات تحقق الإرادة، ولذلك فإن ظواهر الإرادة هنا تعبر عن الإرادة بشكل غامض. وعلى الرغم من أن الإرادة تعبر عن نفسها في طبيعة النوع الإنساني وكذلك في الشخصية الفردية التي تميز كل موجود بشري، وتعد أصل المعاناة والشقاء الإنساني باعتبارها رغبات لا تهدأ: فالإرادة كما تتجلى في البللور والمغناطيسية والكهربية تعبر عن حقيقة هذه الظواهر في مجال الطبيعة اللاعضوية. والإرادة كما تتجلى في النبات تعبر عن حقيقة أو مثال النبات، وكذلك في حالة الحيوان والإنسان. وبذلك فإننا يمكن أن نتعرف على الحقيقة كما تتجلى في الأفراد المتكثرة أو الحالات الفردية العابرة، وبذلك نفهم الإرادة التي تصبح متمثلة لنا في هذا العالم: فإذا كانت الإرادة هي عالم الحقيقة، وكان التمثُّل هو عالم الظاهر أو الظواهر، فإن الإرادة تصبح عندئذ موضوعًا للتمثل من خلال إدراكنا الحدسي.
ولكن هذا لا يمكن أن يحدث إلا عندما نتحرر من الإرادة ذاتها كي يمكن أن نتأملها، وندرك تجلياتها فينا وفي الموجودات. ولكن هذا «التحرر من أسر الإرادة كيما نرى الإرادة» يحدث في حالتين فقط، في الفن والقداسة: فالإبداع الفني يقتضي التحرر من الإرادة، أي التحرر من النظر للأشياء على أساس من رغباتنا الجزئية العابرة فيها، وأن ننظر إليها بالتالي نظرة نزيهة خالصة، كيما نستطيع تصوير حقيقتها والنفاذ إلى باطنها (وهذا أصل العبقرية التي تتحقق بوجه خاص في الفن وفي الفلسفة الحقة). هكذا تكون مهمة الفن على اختلاف صوره عند شوبنهاور، وهو ما حاول إطلاعنا عليه بالتفصيل في الكتاب الثالث. فحتى الموسيقى الخالصة التي قد يظن البعض أنها فن تجريدي لا شأن له بتصوير شيء من حقيقة حياتنا ووجودنا، حتى هذه الموسيقي وهي أسمى الفنون عند شوبنهاور تجسد بعمق حقيقة وجودنا في تجلياته كافةً، لأنها ببساطة تجسِّد على أنحاء شتى لا تُحصى الإرادة كما تتجلى في الوجود، عبر سائر سَكَناتها وحركاتها.
ولكن هذا الحال للأسف لا يدوم: فحال التحرر من الإرادة الذي يحدث في الإبداع الفني هو حالة وقتية، فدوامها مرهون فقط بدوام اللحظة الإبداعية. فحالة التحرر من الإرادة الذي يدوم هو حالة الزهد والقداسة التي تقوم دوماً على وأد الشهوات وقمع رغبات الإرادة، كي نصل إلى تلك الحال التي نتخلص فيها من الأنانية، ونتعاطف مع الآخرين (وذلك هو موضوع الكتاب الرابع). وعلى الرغم من أن شوبنهاور لا يطرح هنا حلاً إيجابياً للمشكلة الأخلاقية، ويبقى الحل الذي يطرحه سلبياً، أعني حلاً يقوم فحسب على فكرة التخلص والتحرر من الإرادة.. على الرغم من ذلك، فإن هذا التحرر والخلاص السلبي ليس بالمهمة السهلة: إنها حالة تتطلب شجاعة وقدرة هائلة تشبه تلك التي تميز الحكيم الرواقي.

الإرادة = الرغبة
ولكن الأهم من ذلك كله أن نفهم معنى الإرادة عند شوبنهاور بأن نتجنب التصور الشائع عن مفهوم الإرادة: فالإرادة كما يتصورها الناس عادةً هي إرادة واعية تسترشد بالعقل، في حين أن الإرادة كما يفهمها شوبنهاور هي إرادة الحياة التي تعبر عن نفسها كاندفاع أعمى لا عاقل نحو الحياة، فالإرادة تعني أن نريد... أن نرغب، ومن ثم فإن الإرادة هي شتى الرغبات والاندفاعات والميول التي تهدف في النهاية إلى حفظ الحياة في النوع وفي الفرد أيضاً، وهى تمتد فيما وراء الحياة الواعية لتشمل أيضاً الحياة اللاواعية والطبيعة اللاعضوية كذلك. فالإرادة تتجلى في قوى الطبيعة اللاعضوية كما هو الحال على سبيل المثال في قوة الجاذبية التي تجذب الحديد إلى المغناطيس والأرض إلى الشمس، وتتجلى في الطبيعة العضوية بكافة درجاتها بدءاً من النبات، مروراً بالحيوان، وحتى الإنسان الذي تقترن فيه الإرادة بالمعرفة أو الوعي.
غير أن هذا لا يعني أن الإرادة في حالة الإنسان تصبح عاقلة، لأن عقل السواد الأعظم من الناس يكون تابعاً للإرادة وفي خدمتها، فنحن لا نريد شيئاً لأننا وجدنا أسباباً له، وإنما نجد أسباباً له لأننا نريده، وبوجه عام لم يتمكن أحد أن يقنع أحداً بالمنطق، أي بالعقل أو بالتصورات المجردة، مهما كانت قوة منطقه واستدلالاته، فلكي يقنعه يجب أن يخاطب رغباته، أي يخاطب إرادته! ولا يشذ عن هذا من البشر سوى الفنان المبدع (الذي يتحرر من الإرادة وقتياً أثناء رؤيته الإبداعية التي تصبح معرفة خالصة نزيهة متحررة من عبودية الإرادة)، والزاهد أو القديس (الذي يتحرر من عبودية الإرادة بشكل دائم من خلال وأد الرغبات). والإرادة وإن اتخذت طابعاً فردياً في حالة الإنسان بجانب تعبيرها أيضاً عن طابع النوع الإنساني (وهذا الطابع الفردي الذي يتجلى في إرادة كل فرد على حدة، لا تعرفه أفراد النبات أو الحيوان التي تعبر دائماً عن إرادة النوع)، إلا أن الإرادة التي تتجلى في الإنسان مثلما تتجلى في الأنواع الأدنى منه، تظل هي الإرادة الواحدة ذاتها التي تعبر عن نفسها بوصفها اندفاعاً أعمى لا عاقل نحو الحياة، من خلال كفاح أبدي وصراع لا يهدأ من أجل حفظ حياة الفرد وبقاء النوع. وهو كفاح وصراع لا يتوقف إلا بالموت! ولكن الموت لا ينهي معاناة وشقاء الإنسان (أو البشر)، لأنه ينهي فحسب الإرادة كما تتجلى في الفرد، ولكن الإرادة تظل تواصل وجودها في النوع. ولذلك، فإن الإرادة تظل أصل الشقاء والمعاناة في العالم، وهذا هو معنى التشاؤم الميتافيزيقي.

تشاؤم ميتافيزيقي
ولا أدري لماذا تركز كثير من الكتابات الدارجة على نقد فلسفة شوبنهاور باعتبارها فلسفة تشاؤمية، ويصور بعضها هذا التشاؤم باعتباره تشاؤماً سيكولوجياً، أي كما لو كان حالة غير سوية تخص مزاج صاحبها وتكوينه النفسي: فتشاؤم شوبنهاور في حقيقة الأمر هو تشاؤم ميتافيزيقي، وهو حالة مرتبطة برؤيتنا للعالم وللوجود في مجمله، رغم استمتاعنا بما يأتينا من خيرات في هذا العالم! ولذلك فإنه أمر مختلف تماماً عن التشاؤم السيكولوجي. وبسبب هذا التصور الخاطئ والمضلل، عَمَد الناشرون إلى وضع صور شوبنهاور التي يبدو فيها متجهماً في شيخوخته على غلاف كتابه الرئيس، وعلى أغلفة الكتب التي تصدر عن فلسفته. ولهذا رأيت أن أضع صوره الحقيقية قبل هذه المرحلة من الشيخوخة، وهي المرحلة التي تمثل فترة نضجه، بمنأى عن هذه الأساليب الرخيصة في الترويج الإعلامي.
إن تفرد شوبنهاور يبدو حتى في الروح التي تسود فلسفته، والحالة العاطفية والشحنات الانفعالية التي تتخللها، والأسلوب الفريد الذي كُتِبَت به، ذلك الأسلوب المفعم بالبلاغة، المشحون بحالة وجدانية رومانسية عاطفية، والمليء بالكثير من التهكم والسخرية! إننا لأول مرة في تاريخ الفلسفة نجد فيلسوفاً يعبر عن فلسفة الحياة أو عن إرادة الحياة التي تتجلى في الوجود بمثل هذا العمق والتفصيل والصراحة. وحيث إن فلسفة شوبنهاور هي في المقام الأول فلسفة للحياة، فإن من يقرأ هذا الكتاب بالعمق الذي يليق به، ويُمعن التأمل مراراً في مقاصده ومعانيه الكاشفة لطبيعتنا كموجودات بشرية ولطبيعة الأشياء والموجودات من حولنا، فإن نظرته للعالم سوف تتغير بالتأكيد. ولهذا ينصحنا شوبنهاور في مقدمة كتابه قائلًا: «اقرأ الكتاب مرتين واقرأه في المرة الثانية بصبر جميل».

الفيلسوف الوحيد
أرتور شوبنهاور (1788 1860م) فيلسوف ألماني، درس الفلسفة بجامعة جوتنجن، ثم انتقل إلى جامعة برلين حيث حصل على الدكتوراه عن رسالته تحت عنوان: «الأصول الأربعة لمبدأ السبب الكافي».
مات أبوه منتحرا وهو في السابعة عشرة، وعاش بعد ذلك حياة شقية تعيسة بسبب خلافه مع أمه، حتى ماتت ولم يرها، ولم يرتبط بامرأة حتى مات. درّس بجامعة برلين (1820 1831) ولم يكن مقبولا من الطلاب، وقد عزا ذلك إلى غيرة الأساتذة منه.
كان له بعض المال الذي ورثه عن أبيه، ما مكنه من الحصول على غرفتين بأحد الفنادق المتوسطة، عاش فيهما طوال الثلاثين عاما الأخيرة من حياته، وحيدا بلا أسرة ولا وطن، ولا صديق، سوى كلبه الذي أطلق عليه اسم (أطما)، وكان سكان الفندق والقريبين منه يسمونه: (شوبنهاور الصغير).
من أبرز أقواله:
كل صبي أحمق يستطيع أن يقتل حشرة، لكن كل علماء الأرض لا يستطيعون أن يخلقوا واحدة.
من النادر أن نفكر فيما نملك، بل نحن نفكر فيما ينقصنا.
يمكن للمرء أن يفعل ما يشاء، لكنه لا يستطيع أن يريد ما يشاء.
حياة الوحدة مصير كل الأرواح العظيمة.
كل أمة تسخر من الأمم الأخرى، وكلهم على حق.