الملحق الثقافي

خرافة لازمنيّة..

مشهد من المسرحية (الاتحاد)

مشهد من المسرحية (الاتحاد)

عمل أوبرالي عربي بامتياز، تمازجت فيه على نحو رائع الثقافتان الشرقية والأوروبية، وتمفصلت فيه على نحو أخّاذ مشاهد ناطقة بالفرنسية، وأخرى حافلة بموسيقى عربية وشرقية؛ إنه عمل إبداعي باذخ ترددت أصداءه على خشبات المسارح الفرنسية، وغذّته أسطورة كليلة ودمنة اللازمنية.

أنجز هذا العمل المؤلف الموسيقي الفلسطيني منعم عدوان، بمعية المخرج الفرنسي أوليفييه لوتيلييه، وكاتب الأغاني فادي جومار، وكاتبة كلمات هذه الأوبرا كاترين فرلغيه. و«كتاب كليلة ودمنة» المنسوب إلى ابن المقفع، والمستوحى من خرافات شرقية تعود إلى القرن الثامن، يضم فيضاً من تلك الحكايات العجيبة، الأثيرة لدى أوليفييه لوتيلييه، لبلاغة خطابها، وسطوة تأثيرها على المشاهد. مروية بأسلوب «الفلاشباك» انطلاقا من مملكة الأموات على لسان كليلة الوديعة، فإنها تتناول بصورة جوهرية مسألة السلطة ومقومات الحكم الرشيد.

دمنة ورمزيتها
غير قانع بقدره وبوضعه المتواضع، أقر دمنة العزم على استثمار قدراته كخطيب للتقرب من الملك الذي كان يشكو من التوحد، ويتوجس من تصرفات شطربة، ذلك الفنان الجموح الذي كان لا يتردد في انتقاد سلطته. لتهدئته، اقترح دمنة تنظيم لقاء بينهما، سرعان ما تعاطف خلاله الرجلان على حسابه. مبغضاً تلك العلاقة ومنتهبا للحسد، سوف يعمل هذا الأخير على إعداد مخطط مكيافيلي عساه يقود شطربة إلى حبل المشنقة.
وسوف يتم أداء القطعة الموسيقية المرافقة للأحداث، من قبل خمسة مغنين وموسيقيين وفدوا من العالم العربي، وذلك على إيقاع عزف على القانون والكمان والتشيللو والكلارينيت، وعديد آلات الإيقاع الشرقية الأخرى.
وبدت تلك الموسيقى وكأنها منسابة من ذاكرة الموسيقى العربية الكلاسيكية، ولكنها جاءت مترافقة مع ألحان متواترة غربية، فشكلت تأليفاً رائعاً يحمل بصمة البدايات؛ لكنه صِيغَ لخدمة أغراض دراماتورجية.
كان دمنة وكليلة شقيقين، ولكنهما كانا لا يحملان نفس الرؤية إلى العالم من حولهما. ففيما كانت كليلة تجد سعادتها في ما كُتب لها على هذه الأرض، لم يكن لدمنة من هاجس ملحاح غير التقرب من الملك، بل إنه كان يؤثر الموت على العيش بلا طموح وبلا تحفز إلى ما قد يزداد به وجاهة. وحين شُرّع أمامه باب الملك، سرعان ما ولجه ليدرك بسرعة ما كان يكابده الملك من ضعف ووهن، وإحساس بالتوحد وخوف من المجهول. وأمكن لدمنة بفضل أمانته المشبوهة، أن يغدو صاحب حظوة لدى صاحب الأمر والنهي.
وكان دمنة أول من أدرك ما كان ينتاب الملك من قلق وعدم ارتياح، حين قدم شطربة فجأة إلى المدينة. وكان هذا الأخير رجلاً مثقفاً وخطيباً بليغاً، يعرف كيف يخاطب الحشود، وكان الملك يخشى من سطوة كلماته على الناس، ولا يدري كيف يصدها ويتحداها. وكصديق صاغر وخنوع، تولى دمنة الحسم في هذا الأمر، واقترح على الملك أن يجيئه بشطربة.
غير أن شطربة من ناحيته، لم يكن ليحب الجبارين، ولئن كان يشاركهم إحساسهم بالتوحد، فإنه كان يخشى جحودهم وتقلّبهم ويتهيّب أحابيلهم وريائهم. لذلك سيمثل، ولكن على سبيل اللياقة فحسب، أمام الملك. وحينها حدث ما لم يكن متوقعاً، لقد توادد الرجلان وأصبحا صديقين.
شاهد عيّان لتلك الصداقة الناشئة، انتاب دمنة إحساس بالغدر والخذلان، وشعر وكأنه أدخل الذئب بنفسه داخل حظيرة غنمه، فغدا منتهباً للغيرة، لا يفكر إلا في طريقة تجعله يتخلص من شطربة. وعبثاً حاولت كليلة ثنيه عما كان يفكر فيه، فقد أبدى دمنة تصميماً صارماً على الانتقام. مثيرا هذا ضد ذاك، سوف يتوفق دمنة في تأليب الرجلين الواحد ضد الآخر، وأفسد بذلك الود الذي بات قائماً بينهما.
وحين آل الأمر إلى حالة مواجهة بين الملك وشطربة، استبدت بذهن الملك فكرة المؤامرة، ودفعت به سَوْرَةُ الغضب إلى التخلص من شطربة. وأثار ذلك حنق والدته، التي آخذته على مثل ذلك الصنيع، وعابت عليه استسلامه لسورة الغضب وإصداره مثل ذلك الحكم الظالم. وكانت الأم تريد أن تبّصر ابنها بعدوه الحقيقي.. دمنة المناور.
وتم إيقاف دمنة. وفيما كانت كليلة تقوم بزيارته في سجنه، كانت تأمل أن تراه متحسراً على ما فعل، ولكنه كان يرفض بعناد الاعتراف بخطئه، ويمعن في الاعتقاد بأنه فعل ما كان عليه فعله. وأمام ذلك الإصرار، ومدركة لهلاكه الوشيك، سوف تقضي كليلة أسى وحسرة على أخيها.

نشأة النثر العربي
حكاية كليلة ودمنة هي أولا حكاية اللقاء بين العرب والحضارات العريقة المجاورة، سواء كانت هندية، فارسية، فرعونية أو إغريقية قديمة. ومن الهند العتيقة وفد هذا الكتاب إلى بلاط الخليفة. وتكون الخرافات الحيوانية فيه، قد دونت من قِبلِ براهماني في القرن الثالث الميلادي حيث عرف بعنوان «بنشاتنترا» أي الكنز العظيم. وقد سافرت تلك الخرافات بعد ذلك إلى إيران حيث ترجمت إلى اللغة الفهلوية في القرن السادس، بطلب من أحد عظماء الملوك الساسانيين الذي يكون قد أوفد طبيبه الخاص التماساً لذلك المؤلف الذي بات ذائع الصيت. وسوف تخترق تلك النسخة الفارسية بعد ذلك كل الحدود، لتنقل إلى اللغة السريانية، ثم العربية مع بداية العهد العباسي.
وفي بغداد، في النصف الثاني من القرن الثامن الذي شهد ميلاد الخلافة العباسية، وفي أجزاء هامة من العالم القديم الذي امتد إليه نفوذ الدولة الإسلامية، واجه المسلمون لأول مرة حضارات عريقة أخرى، كانت تتصدرها خاصة الحضارة الفارسية. ولم تكن غاية الفرس يومها أن يحلوا محل العرب كمؤسسين للدين الجديد، وإنما المساهمة في بناء الحضارة الجديدة التي كان يعِدُ بها الإسلام.
وطالما أن العربية كانت هي لغة الإسلام، وأن الإسلام بات دين المسلمين عامة، فإن الفرس كانوا يكتبون بتلك اللغة، وساهموا بالإرث الثقافي لإيران الساسانية في إثراء النص العربي لكليلة ودمنة بإضافات مستوحاة من حضارات مجاورة وقديمة. وقد تطلبت ترجمة هذا الأثر عملاً ضخماً ساهم إلى حد كبير في تطور اللغة العربية، من ذلك أن ترجمة المفاهيم الرياضية والفلسفية الإغريقية استلزم ابتكار مفردات جديدة، فيما استوجب توظيف الإرث الفارسي إبداع أشكالاً مبتكرة من الصياغة الأدبية. وفي ذلك السياق من التلاقح بين التجارب الأدبية وما تحمله من دلالات رمزية، أدخل عبد الله بن المقفع، مؤلف «كليلة و دمنة» على الآداب العربية، الكتابة الأدبية النثرية.

حياة وجيزة حافلة
سليل أسرة فارسية نبيلة، اعتنق ابن المقفع الإسلام حين بلغ سن الرشد، وأمضى أوقاته في التأليف والكتابة، وفي التردد على حلقات علماء عصره. ويروي معاصروه أنه كان راسخ المعرفة بدقائق اللغة العربية، وبالغ الفصاحة. كما كان من أولئك الذين نقلوا باقتدار لافت المعارف الفارسية إلى اللغة العربية، وهو الذي كان خبيراً عالماً بأسرار اللغتين، وناطقا بليغا بكلتيهما.
هكذا.. كان لا يتم الحديث في اللغة العربية عن ترجمة، بقدر ما كان يتم الحديث عن نقل، لأن ابن المقفع كان أقرب إلى الاقتباس والإبداع منه إلى ترجمة ذلك الأثر الهندي إلى الفارسية؛ وكان تبعاً لذلك يتذوق ما كان يكتب، لأنه كان من حيث وظيفته، كاتباً وموظفاً رسمياً في أحد دواوين الدولة. وكنظرائه من الموظفين الآخرين، كان يتدرب على إجادة النقل، ليأتي ذلك النقل تاماً وعلى درجة عالية من الوثوق والجودة والدقة؛ والحال أن ذلك التدريب هو الذي ساهم في تعزيز الميول الأدبية لدى طائفة كبيرة من كتّاب الدواوين. وتلك الوظيفة تحديدا، هي التي جعلت ابن المقـفع يختلف أيضاً مع بعض رجالات الدولة المرموقين، بل مع الخليفة ذاته. وعرف ابن المقفع تبعاً لذلك مصيراً مأسوياً، إذ حكم عليه حرقا بالنار، بسبب آرائه الدينية من ناحية، ولأنه بهذا العمل، كان يطالب بحقه في تمثيل المجتمع على نحو مخالف لما كان سائداً يومذاك.
لقد لامست كتابات ابن المقفع الآداب والأخلاق في السياسة، التي كانت قد غدت زمن العباسيين فن حياة؛ وكان كتاب «كليلة ودمنة» من تلك الأعمال المؤسسة لذلك الجنس من الكتـابة، وجاء طافحاً بالدروس والعبر الأدبية والأخلاقية.

مرآة الحاكم
حكاية كليلة ودمنة هي حكاية سفر مهيب لأثر أدبي فاخر جليل، وما طرأ على ذلك النص وهو في طريقه إلى بغداد من أقتباسات وترجمات وصياغات مستطرفة.. مبدعة. والرواية المكتوبة لابن المقفع، يجعلها منتمية إلى جنس أدبي عرف بـ»مرايا الأمير»، جنس أدبي كان الغرض منه التسلية وتقديم دروس ومواعظ عن فن ممارسة الحكم.
وفي ديباجة تلك الحكايات الحيوانية والخرافات الرمزية التي تشكل الجانب الأساسي في هذا العمل الأدبي، أضاف ابن المقفع إلى النسخة الفارسية مقدمة أوضح فيها دواعي تأليف الفيلسوف الهندي بيدبا هذا الكتاب لملك الهند دبشليم، الذي أجلسه الشعب على العرش، وأحلّه محل مبعوث أجنبي تولى أمر البلاد بعد رحيل الإسكندر عن الهند. وجاء هذا المقطع ليؤكد بشكل مباشر على مسألةٍ تشكل لبّ الكتاب: العداوة وما تفرخه من فتن، وما تولده من صراعات ومواجهات مزعزعة لأركان الملك. وإن هذا الأمر لعلى علاقة وثيقة بمصير العمل ذاته، الذي كتب كي يبقى تداوله مقتصراً على أصدقاء مألوفين أم مطلعين، إذ لم يكن من المتوقع أن يغادر هذا الكتاب الهند، ولكنه رغم ذلك انتشر خارجها، لتتم ترجمته بكل لغات العالم.
والخرافة التي تشكل إطاراً عاماً للقصة هي حكاية اِبنيْ آوى كانا يرافقان الملك، أي الأسد. وكان لابن آوى الخبيث (أي المناور) هدف محدد: كان يكن عداوة شرسة للبقرة نجية الملك، فتآمر عليها حتى ظفر بجلدها. وفي هذه الخرافة تتشابك عديد الحكايات وتتراكب، لتقدم لنا تأملا في المكر والدهاء، وفي ما وراء ذلك في سطوة الكلمة وخطورة الخطاب. فعند انعدام الحيلة، يسري المكر في المرء ويفعل فعله فيه، لذلك لا يعرف الأسد المكر، لأن قوته تبوّؤه المكانة الأرفع في عالم الحيوان. وبقية الحيوانات التي تعمر الكتاب لا تني تجادل وترجّح وتلتمس الحجج، فيما تستمد كلمة الأسد قوتها من ندرتها وفرادتها. وعند حدوث أية مشاكل عارضة، يجعل الأسد من يحيطون به هم الذين يتكلمون، فيبدو هكذا سيّد الخطاب؛ وهو لا يلجأ إلى ذلك الخطاب بشكل متكرر، وإنما يثيره ويسمح به، بل يستوجبه. لذلك، عامة ما يكون السرد سلاح المعسرين، كما هي الحال في ألف ليلة وليلة، حيث لا يروي الخليفة أبداً أية قصة.
تثير كليلة ودمنة، حتى من حيث بنيتها، مسألة المخاطر الملازمة للمقول، التي عامة ما تعرض الرعية إلى غضب الأقوياء. وكان خطأ بيدبا منذ بداية القصة، هو جرأته في الإفصاح عن آرائه دون مداراة. غير أن العمل في مجمله يبيّن أن الحقيقة لا ينبغي الإفصاح عنها إلا متى تم احترام شروط مسبقة تومئ إليها الحكاية أو الخرافة.
وكليلة ودمنة هي في ذات الوقت تأمّل في مسألة السلطة وفن سياسة الحكم، وتكريس لصيغة كتابة أدبية جديدة، الخرافة، التي تسمح باتخاذ مواقف نقدية، دون أن يقود ذلك إلى حالات مواجهة.
إلى غاية كتابة «كليلة ودمنة»، كان النثر العربي مقتصرا على الخط والكتابة القرآنية. والشعر وحده، هو الذي كان محل إيثار عند العرب، وكان يسمح بتعاطي شكل من أشكال الكتابة الأدبية، فيتحدث عن الوجود وعن المشاعر الذاتية. وحين كتب «كليلة ودمنة»، يكون ابن المقفع قد أرسى بذلك تقليداً أدبياً وجعله قائماً على مبدأ أساسي، ألا وهو أن يكون النثر.. شهادة. وشخصيات كليلة ودمنة كانوا كذلك.. شهودا على زمنهم، والخرافة كانت تسمح لهم بترك مساحة ما بين الخرافة والواقع المعيش، لأسباب هي في ذات الوقت سياسية وأدبية. وبعد أن كانت خرافة كليلة ودمنة موجهة في البداية لتأمين التربية الأخلاقية للأمراء، انتشرت بسرعة بين جمهور المثقفين، لتترجم إلى عديد اللغات وتصل في النهاية إلى جان لافونتين في فرنسا الذي اقتبس العديد من أقاصيصها، وأدخل تعديلات على البعض الآخر.

عدوان: العربية أكثر بلاغة حينما تغدو مموسقة
ولد منعم عدوان سنة 1970 بمدينة رفح بقطاع غزة. تعلم التجويد، وكان منذ طفولته يؤدي أغاني من التراث الشعبي والتراث الموسيقي الكلاسيكي العربي. منخرطاً في تقاليد الموسيقا العربية، قام منعم عدوان بتلحين قصائد لشعراء فلسطينيين وعرب معاصرين. وشارك منذ 1994 في عديد التظاهرات التي نظمتها وزارة التربية في الحكومة الفلسطينية، وشكلت تلك التظاهرات مقدمة لأعمال موسيقية على خشبات عديد المسارح الفرنسية، كانت آخرها مسرحية كليلة ودمنة. وبمناسبة تلك التظاهرة الثقافية اللافتة، جرى معه هذا الحوار:
* كيف بدت لك علاقة اللغة العربية بالموسيقا التي قمت بتأليفها لهذا الغرض؟ ** اللغة العربية لغة طيعة وفي منتهى الروعة، تفصح على نحو بليغ عن كل المشاعر الإنسانية، بل إنها تصبح أكثر بلاغة حين تغدو مموسقة، وتضفي بذلك المزيد العمق على النص، غير أن استخدام هذه اللغة وضعنا أمام تحدي اللهجات، فذهبنا إلى استخدام اللهجة الأكثر شيوعاً في الشرق الأوسط، التي يمكن أن تسمع في سوريا وفلسطين ولبنان والأردن. كنت، وأنا أعد موسيقا «كليلة ودمنة»، أفكر في المسرحيات الغنائية التي ألّفها الأخوان الرحباني لفيروز وتبيّن أنها تتلاءم جيداً مع تلك اللهجة. والحال أنني نشأت وأنا أستمع إلى تلك الموسيقا، فتربت أذني على إيقاعاتها، حتى أنه لم يعد بوسعي اعتماد أسلوب آخر في التأليف.. * وأي موسيقا تصورتها لهذا العمل؟ ** أحياناً ما تكون الموسيقا التي نتصورها في البداية، غير الموسيقا التي سوف تنتظم العمل المسرحي الذي نعمل على بلورته، لأن النص المسرحي حمّال أوجه ويقتضي منا أحياناً تغيير وجهة العمل، فنحن لم نعد نعيش في زمن موزارت، حيث كانت الموسيقا تؤلف أولاً، ليتلاءم معها بعد ذلك الإخراج. وفيما يتعلق بكليلة ودمنة، فقد قمت بتأليف الموسيقا التصويرية بالتنسيق مع المخرج أوليفييه لوتلييه، حتى أواكب تصوره هو للأحداث، فأضع لها الموسيقا التي تلائمها وتضاعف من فصاحتها وقدرتها البيانية.. * أي آلات موسيقية تخيرت؟ ** كان هنالك عازف كلارينات وعازف قانون، وكلاهما من تركيا، عازف تشيللو وعازف كمان من تونس (زياد زواري) وعازف إيقاع. إنه حينئذٍ جوق مصغر تشكل من عازفين وفدوا من آفاق مختلفة، اجتمعوا لأداء موسيقا شرقية. وإقامتي لسنوات طويلة بفرنسا، جعلني أطلع على الموسيقات الأوروبية وأتشرب إيقاعاتها، وأسعى إلى المزاوجة بينها وبين الموسيقا الشرقية.

المخرج أوليفييه لو تيلييه: أدركنا خطورة التلاعب باللغة
تحدث المخرج أوليفييه لو تيلييه، عن كليلة ودمنة، قائلاً:
لقد كتبت خرافات ابن المقفع من قبل مؤدب إلى ابن امبراطور، قصد إرشاده إلى سبل الحكم السديد.. الرشيد، فتناولتْ قدر الإنسان وما ينتابه في هذه الحياة من قوة ومن ضعف، كما نظام الحكم وما يولّده لدى الحاكم من ميل إلى الاستبداد والفتك بمن هم دونه منزلة. ففي حكاية «الأسد والبقرة « مثلا، نلمس مرارة الوحدة التي عامة ما يشكو منها الملك، وهو الذي ليس بوسعه أن يثق بأي كان للحفاظ على مقومات سلطانه ونفوذه. والأهم من ذلك، هو أن هذه الحكاية تلفت انتباهنا إلى أن الإنسان المتعلم، الذي يكون سهل الطبع، متى أراد طمس حقيقة ما، وجعل تلك الحقيقة باطلة، يكون بإمكانه فعل ذلك، طالما أننا نكون أكثر إنصاتا للإنسان المتجاسر والوقح، من إنصاتنا للإنسان للصريح والبريء، وإننا نلقي السمع للمتصنع، المنمق للكلام، ولا نعبأ بذلك الذي لا تتعلق همته بغير قيم الحق. وإنها لحكمة بالغة أن ندرك من خلال هذه الخرافة ما يسببه التلاعب باللغة وخاصة لغة السياسة، من إفساد للعلاقات بين الناس، وزرع لبذور الفتنة بين الراعي والرعية.

فرلغييه: لم تكن خرافات اِبن المقفع رهينة زمنها
تقول كاترين فرلغييه، كاتبة كلمات الأوبرا، عن كليلة ودمنة:
سعينا إلى تناول كل خرافة من زاوية السلطة، حتى نبيّن بوضوح مدى إحساس الحاكم بالعزلة حين يغدو هذا الحاكم مستبداً. والحاكم غالباً ما يثير الحسد من حوله كلما زادت سطوته؛ وإن كان لا يجد صعوبة في إحاطة نفسه بموالين متعاطفين معه، فقد يتعذر عليه معرفة منْ مِن هؤلاء، يتعامل معه بصدق ونزاهة. كما أنه من الصعب الوثوق في حاكم تزايدت قوته، والذي متى أزعج، قد يهزه الغضب، وفي حركة مفاجأة، قد يعبث بمناوئيه.
فإن كان ليس من السهل على حاكم ذي سطوة الوثوق في غيره، فإنه ليس من اليسير الوثوق في مثل ذلك الحاكم. وتكون السلطة تبعاً لذلك غير عادلة، لأنها ذات طبيعة بشرية؛ والحال أن ما يحكم سلوكات المرء هو ليس العقل فحسب، وإنما الأهواء والعواطف والإنفعالات أيضا. فدمنة، هذا الإنسان المتحدر من الشعب، اكتسب أثناء الخرافة بعض النفوذ، ولكنه سوف يسيء اِستعماله. معه تنطرح مسألة الطموح، فإذا كان الطموح شرعيا، فإلى أي مدى قد يذهب المرء من أجل تحقيقه؟ لم تكن خرافات اِبن المقفع رهينة زمنها، فهي تحدثنا البارحة كما اليوم عن أنفسنا، عن علاقتنا بالعالم، عن السلطة وسطوتها وإغواءاتها، عما تولده من ميل إلى الانتقام والتشفي، إلخ.. فهي تحدثنا، وبكل بساطة، عن قدر الإنسان في هذا الوجود. ولا تزال هذه الخرافات غير معروفة في بلدان الغرب، ومن هنا تولّدت الحاجة إلى التعريف بها.

سيرة حكاية
«من كانَ يصنعُ المعروفَ لبعض منافع الدُنيا، فإنما مَثلُه فيما يبذلُ ويُعطي، كمثلِ الصيَاد وإلقائِه الحَبّ للطَير لا يُريد بذلك نفعَ الطَير».هذا اِقتباسٌ من كتابِ كَليلة ودِمنة؛ وحينما نتحدَث عن «كليلة ودمنة» فنحن نتحدثُ في الحقيقة عن قصصٍ باهرة، مترعة بالإثارة والسَرد المشوق بين الحيوانات، قصصٌ مليئةٌ بأساطير الحيوانات وبالعبرِ والمواعظ والحِكَمِ، يتوالد بعضها من بعض، تَروي حكاياتٍ تحيل على مدينة فاضلةِ، تشيع في أرجائها آيات الجمال والجلال.
ومما كتبه ابن المقَفع في (باب عرض الكتاب): «هذا كتاب كليلة ودمنة، وهو مما وضعه علماء الهند من الأمثال والأحاديث، التي أُلهموا أن يُدخِلوا فيها أبلغ ما وجدوا من القول في النحو الذي أرادوا. ولم يزل العلماء من أهل كل ملةٍ يلتمسون أن يعقل عنهم، ويحتالون في ذلك بصنوف الحيل، ويبتغون إخراج ما عندهم من العلل، حتى كان من تلك العلل وضع هذا الكتاب على أفواه البهائم والطير».
وترجمت هذه الحكايات من الهندِية الى الفارسِية على يد طبيب فارسِيٍ يدعى (بَرْزَوَيْه)، ثم ترجمها ابن المقفَع الى العربيَة، فكانت من أوائل الكتب التي نُقلت الى العربيِة في تلك الفترة.

بيدبا وحكاياته
كان الفيلسوف بيدبا يقصّ الحكمة والموعظة على لسان الحيوان والطير للملك دبشليم. يخبره عن الدهاء والمكر على لسان الأرنب الذي قهر الفيلة وطردها من موطنه. ويخبره عن عاقبة التعجل على لسان الناسك النادم الذي قتل حيوانه الأمين بسبب العجلة وعدم التيقن. وكيف يعكر سوء الكلام صفو الضمائر بين المتحابين؛ وعلى هذا النحو وضح أمور الحكم والسياسة وبين أمور الحياة و البشر.
وطاف الفيلسوف بالملك على أصناف الحيوان والطير، يخرج من أفواهها الحكمة والعظة لمن يعي ويعقل.
ونجد في مقدمة الكتاب أن الفيلسوف بيدبا نصح ملكه دبشليم الهندي بالتخلي عن سياسة القهر والظلم والتحلي بأخلاق العدل والرحمة والتواضع كي يكون جديراً بالمُلك.
لكن الملك استعلى واستكبر، فأمر بحبس بيدبا لأنه تجرأ في حضرته، إلى أن ذهب الغضب عن الملك، فراجع نفسه في أمر بيدبا وأخذ بنصائحه وعينه وزيراً له.
وسيراً على نهج الملوك العظام، أمر الملك وزيره الحكيم بتأليف كتاب يجمع بين»الجد والهزل، واللهو والحكمة والفلسفة».
واستغرق الوزير في التفكير متسائلاً: كيف لي أن أجمع بين هذه المتناقضات؟ حتى هُدي إلى أن يتخذ من الحيوان والطير أبطالاً لقصصه تكون لاهية وفي ذات الوقت ناطقة بالحكمة. فكان كتاب كليلة ودمنة الذي يعد موسوعة قصصية ذات أبعاد سياسية وأخلاقية واجتماعية وعقائدية، لا تهم عصرا من دون آخر، وإنما الإنسان المتأمل عيوب ذاته، في كل مكان وزمان.