الملحق الثقافي

معماريو الشِّعر

المعمار والشعر.. كلاهما يفيد من الآخر ويستخدم مفرداته ويغتني بها

المعمار والشعر.. كلاهما يفيد من الآخر ويستخدم مفرداته ويغتني بها

(إلى المهندس المعماري عبد الواحد منتصر: عشر سنوات من حوار المعمار والشعر)
بين المعمار والشعر علائق جوهرية متعددة متجددة، كلاهما يفيد من الآخر ويستخدم مفرداته ويغتني، كلٌّ ضمن مجاله النوعي، بهذه العلائق التي تربط النوعين معاً من فنون وعلوم أخرى. ولعل تاريخ الحضارة المعاصرة يقدم لنا نماذج من هذا الحوار المتشعب المتطور في العديد من ثقافات العالم. هنا يقدم «الاتحاد الثقافي» نماذج مختارة من أعمال شعرية لمعماريين لم يكتفوا بإبداعهم المعماري وحده ممارسة وتنظيراً، بل قدموا أعمالاً شعرية مستوحاة في معظمها من تجاربهم المعمارية ذاتها. وقد اخترنا قصائد لخمسة شعراء (إنجليزي وأربعة إسبان) عرفوا «بالجمع بين الفنَّـيـْن ولهم أعمال منشورة ومعترف بها في الأدب الذي يكتبون بلغته (الإنجليزية والإسبانية والكتالانية).

توماس هاردي
توماس هاردي THOMAS HARDY، عاش من (1840 1928). درس الهندسة المعمارية في دُورْشستر وفي لندن.. روائي متميز لكنه فَضَّلَ أن يُعدَّ شاعراً في المقام الأول، وإن لم ينشر ديوانه الأول wessey poems حتى عام 1898 وهو في الثامنة والخمسين من العمر. القصائد المترجمة له هنا إلى العربية منقولة عن الترجمة الإسبانية التي أنجزها المعماري الكبير والشاعر الكاتالاني جوان مارغريت عن الأصل الإنجليزي.

روما
عن بناء شارع جديد في الحيّ العتيق (أبريل 1887)
هذه المنحدرات المعتمة والمقبّبة،
ماسونيّةٌ تتفوّق مثل هيكل عظمي،
على مدية الزمن الرئيسي: رُوما
حيث كُلُّ قوسٍ كُلُّ قبَّة زرقاء
كُلُّ سَطْحٍ مُعمَّد ترقُد عاريةً كلّها
مُبْرِزةً هَيَاكلها المشرَّحة العارية
والإفريز المشقّقُ والمِيتوباتُ
المُهْترِئة تُعبِّر عن نفسها كما لو كانتْ
مُجلّداً مفتوحاً حيث كُلُّ صفحةٍ
تتصدّرُها تنبيهات حِكميَّة:
«أيُّها الأغبياء» «هُنا فَلْتَتَعلَّموا
تَهَجِّيَ الإنسانية»
وحتى في هذه الخرائب المُظْلمة
تجدون غِناء البنَّائين
يوظِّف، يكوِّن، يتابع رُخامَه
المُقطَّع المزيَّف.
في زاويةِ ومِحراب البيوت الجديدهْ
سَتَمْحُوه السِّنون
في الجدران اتّجاه خَفِيٍّ
مع أنَّ الجدران المشقّقة كُلَّها
مُشرَّبَةٌ بِبِنائها الهَشِّ
جُدْران أخْجَلتِ الجميع مِن زمن بعيدٍ
بصلابة قاعدة بنائها
كما بالزوايا الحادّة للقباب الزرقاء.

رجل

-I-
كَان مَنْزلاً نبيلاً في كاستربريدج
بِدعَاماتٍ مُربّعة بِمنصَّة وَدَرابْزِين،
في العَصْر الرّزين لإليزا الماكرة.
كان المنزل يبتسم
لِملَّاك الأراضي، لِلمُواطن أو للمهرِّج
عَلى مَدَى مِيلٍ كامل

-II-
أيَّام مشؤومة طاردت
أسقُفَه وحيطانه الجليلةِ.
لقد أُسْلِمَت إلى أيدٍ وضيعة.
أفاريز، زوايا ومَحاريب حُكِمَ عليها
بالسُّقوط مِثِل كُلِّ مُخّلفات
الأسلوب العتيق
-III-
لمَّا جيء بأحد البنائين
لِيَشْرحوا له، بغية التعاقُد معه،
المهمَّة التي يتعيّن القيام بها، قال لهم بوقاحة:
«سواء كنت محتاجاً أو غير محتاج
لن أعمل أبداً على هَدْمِ مَنْزلٍ كهذا»
-IV-
مهما قَاسيت من عوَزٍ وجوع
لن أتعاقد بناء على شروطهم
سيتوجَّب عليَّ العمل تحت وصمة عار
إزالةِ ذلك الذي ليس بمقدور
هذا العَصْرِ تعويضه كي يتخلَّص من تَفاهَته
عليَّ أن أعيش بِدُون عمل مثل هذا:
«فالحياة، في النهاية، لا قيمة لها»

مَطْروداً مَضى يحمل
أدواته على ظهرهِ، باسماً باحتقار
مَضَى يتسكع بلا عمل

-V-
شاخ الرجل بعد سنوات.
وجد نفسه ينهار حتى النهاية.
ثم جَرى الحديث عابراً عنه بصفته
«رَجُلٌ سيّء الطبع صعب المعاملة رحل»
مَا مِن أَحَدٍ تنهَّد لِسَماع جرسه الجنائزي
لقد نسيت ملامحه الجريئة
وكذلك اسمه نُسي تماماً.
-VI-
ثمة أجحار من ذلك المدخل ترقد بعيداً
لا أحد يذكر قوالبها العتيقة.
أما أنا فما زلت، إن مَررْتُ بِذلك المكان،
أحتفظ بهذا الأمل:
«في أيّ مكان يُوجد ما لا يموت؟!
اعتراضُ الرجل
حيّاً سيبقى على الدوام.

أنطونيو ميراندا
أنطونيو ميراندا ANTONIO MIRANDAأستاذ وناقد أفلاطوني للهندسة المعمارية التي يعتبرها علماً شعرياً؛ بالمعنى الذي يربط به أفلاطون مَا هُو شعريٌّ بفكرته عن الهويّة التي تتوحَّد فيها الحقيقة والخير والجمال. ويطيب لميرندا أن يستشهد بجيمس جويس في نظرته إلى الجمال باعتباره إشراقاً للحقيقة.

بناء الحقائق جولةً بعد جولة
(حسب الساعة الجيبيّة لكيبلنغ)

لو تناولنا بِجدٍّ شيئاً جادّاً:
محركاتٍ بحريّةً أو نجوماً،
لا مفاهيم ولا شعارات.
لو تكلَّمنا بجدٍّ عن مَوادَّ أو أشياء،
لو بصرامة تكلمنا عن وقائع، عن الشعر
أو بعبارة أخرى، عَنْ مَوادَّ شِيدَتْ
بالحقائِق البسيطة للعقل الخالد.
لو تكلّمنا عَنْ مَظَاهر جادّة ويقينياتٍ
وَلَيْسَ عن المَبَارِد التي تستخدمها الأسواق

لو تكلّمنا عن الآلات والمهارات النبيلةِ،
عن الأجهزة النافعة التي تحتقر الجماليات،
وتَناسَيْنا مَعَها الفنون واحداً واحداً،
وَكُلَّ عَوْدَةٍ إلى الصنائع التقليديّة،
إذا تركنا جَانباً، ليس الأشياء الرخوة،
ولكن جمالية الريش المزيَّف أيضاً.

لَوْ تناولنا، على طريقة مفكّري إسبانيا الشيوخ،
الماهياتِ، الهويّة والجوهر،

لكن مع الكلام عن كائنات بغير
صَوْتِ الأُنْطُولوجيّ،
ومع تركنا جَانِباً الميتيافيزيقيات السحريّة،

إذا ما تنَاسَيْنَا الأذواق واتَّجهْنا إلى
العواطف السفلى
والتعابير الفارغة المَنْفُوخَة لَغْواً
وانفعالاً وهستيريَّة.

لَو بَعْدَ مُحاولاتٍ بَلْهاءَ، وَلَو أنَّها دائماً
دِيالكتيكيّةٌ في حوارها المفتُوح،
قُمْنا بمقاربة تأمّلية بشكل عَمليٍّ وبدورات
حلزونية على شكل مخروطي أو أسطح صارمة
مُغْلقة أكثر فأكثر،
على الطريق الذي يَنْفي كُلَّ«الاحتمالات»،

لَوْ تعلَّق الأَمْرُ لدينا بوقائع جارية
لو ناقشنا فقط ما له دلالة
لو تكلَّمنا عن الأشياء المصنوعة بإتقان،

عن القاطرات والأبراج النجمية،
عن المئة ألف مجرّة وعن الدرّاجات الهوائية،
أو بالأحرى عن الآلات الموسيقية المُتْقَنة،
عن المختبرات، عن الصناعة الثقيلة،

لو اهتممنا بالأشياء الأجمل،
بسباق التسلُّح البغيض، بالماكينات العتيقة
للمجموع الآلي البسيط لمصنع حدادة
لو فكرنا مجتمعين في الكون وفي الحياة
وفي العالم التَحْت - ذَرِّي لكل بروتين

لَوْ كَفَفْنا عَنِ الإنصات إلى التُّرَّهات الانفعالية
وعن النَّظر إلى الحِيل الفائقة الإدهاش،
لو صَرَفنا الاهتمام عن التفاهات
الغالية الثَّمن وبَلَاهاتِ الخُرافات ذات
المصطلحات الوضيعة، الأساليب
والتوافه، والطبيعيين الجُوف.

حينئذ يمكن أن نتكلم
عن أشْكالٍ، عن موادَّ نافعةٍ، عَنْ وَسَائِلَ
وعن وظائف متعدِّدة، عَنْ أمكِنَة، وعن قرارات أيضاً
ليس على نحو منفصل وإنما متزامن كليٍّ ومُتكامل.

وفي حَالِ حديثنا عن أشْياء
وعن موضوعات تَخصُّ منازل بلا واجهات لأجل
إدهاش البُلَهاء، وعن وقائع فيزيائية، عن بِنْياتٍ
عن جُهودِ، عاجلة أو آجلة،
وبعد جولات مركزية ومتمركزة
عن مُقَاربات رُبَّما لا نهاية لها
سَنَصِل بلا شك إلى قرارات جيّدة
إلى القرارات الصحيحة لأفضل قرار،
وصولاً وبدون قصدٍ حتى الهندسة.

عند بحثنا عن الحقيقة في مَسالِكها النادرة
سنجتاز طرقاً مصنوعة من تناقض ظاهري
لَكِنْ في النهاية لن نفقد المسرات
ولا الاتجاه الذي يوفِّر لنا دائماً المعرفة الكبرى.

جوان مارغريت
جوان مارغريت JOAN MARGARITجمع بين الإبداع المعماري والإبداع الشعري. عرف بإنجازه الملعب الأولمبي الذي احتضن الألعاب الأولمبية في برشلونة عام 1992، كما قام بترميم وتجديد المعلمة الرمزية المكرسة لكريستوف كولومبا في برشلونة أيضا.

أَسَبْلُونْد يَضَعُ تعميماً لمقبرة
يعرف الرِّيح التائهة في الغابةِ
قُرْبَ البحر. كذلك ضَوْءَ الشمال
الذي هُوَ ضَوْءُ الذَّاكرة،
حَيْث مَا مِنْ حَظّ لرفع الأكربول
بالمرمر الأبيض
ولا مِنْ سُوءِ حَظٍّ لِهَدْمِ قرطاجة

وهُو يَعْلم أَن المَوْتَ تناظرٌ
لا عِلْمَ للحياة به.
ثمَّة جُزْء مِن الهواء فوق المقبرةِ.
جَافٌّ مِثْل غِناءٍ حقيقي،
لقد قرر بناء الفجر
الذي هو لحظة العَدَم والأمل.

سيصمّم أفقاً بشعار الصليب أَو السيف من يدري؟
وبالعهد القديم صارماً ومتعاليا في الذاكرة.
ثم يتخيَّل ريحاً سَتَسْحبُ الروح مِثْل غيمةٍ.
حالما تحطُّ على الأَرْض وهيَ منها،
ستكفرّ خطايا الجسد بِحُنُوٍّ أُمُوميّ.

فتاة إشارة المرور
لديك نفس العمر الذي
كان لديَّ لمَّا بَدَأْت أَحْلُم بِلِقَائك.
حينئذٍ لم أَكَنْ أَعْلَمُ مِثْلك أَنْتِ،
ما تعلَّمتُه من بعدُ، مِن أنَّ يوماً سيأتي
يَصير فيه الحب هَذَا السَّلاح المعبَّأ بالوَحْدة والحزن
اللذين يطبعانك مِن خَلَل عَيْنيَّ.

أَنت كنت الفتاةَ التي بَحثْتُ عَنْها
قَبْلَ أن تُوجَدي
وأنا كُنْتُ الرَّجل الذي أَحْبَبْتٍ ذات يوم
أَنْ تَنْقَاد خطواتُك إليه
غير أنني كُنْت بعيداً جدّاً عنك وقتئذٍ
مِثْلما أنت بعيدة عنّي عند إشارة المرور هذه.
منزلاً بسبب الحُبِّ.

لويس فيلييي بِيبَانْكُو
لويس فيلييي بِيبَانْكُو LUIS FELIPE VIVANCOوُلِد في «سَانْ لُورنزو» في «الإسكوريال» عام 1907 وتوفي في مدريد عام 1976. كان مهندساً صارماً، اختار الكلمة لتطوير إبداعه المرهف. ينطوي شعره على سمة تصوّفيه خاصة.

المعماري
في ذكرى المعماري خوان إغناسيو خيفاييل
لمَّا جئتُ إلى هَذَا العالم كان كل شيء قد أُنْجِز
الأثاث الموروث لم يَتْرُكْ لي مَكانا.
لذلك قَرَّرْتُ، بناءً على حماسي المستقبلي،
أَنْ أَسِيرَ خَارج ذاتي، أتلقَّى المسافات

أن أَكونَ تحت القبّة الزرقاءِ الوليدةِ لِشَجرة كستناء.
أَيُّ رحابةٍ مثل أن أَصل ضَفّةٍ قابلةٍ للسّكن!
أعطِني مَعْبداً أو ظِلّا نباتياً يوشوش بمناجيات إلهية.

الواقع دائماً أوسع من أحلامي
وعلينا أن نكون ناقصين في هيئة مخلوقات مُحارِبةْ.
لِتمرُّدي حُدُودٌ أكثر تواضعاً،
مَع بعضٍ من حلم قابل للتحقُّق.
عَبْرَ جسدي أجتازُ الأفق.
مِن خلال يَدٍ صديقةٍ أُحاذي اللانهائي،
مِن خَلل رجلٍ يَعْبُر الشارع، أفْتَح فجواتٍ
ليستطيع الهواء المريض أَن يبتهج ويضيءَ.
بعينَي الطفل المندهش أَرسُم،
أكتَشِف مَوادَّ وأتركها تَكُونُ ما هي إيّاهُ.
أَبْتَدِع جدراناً أخرى لا مرئيّةً تقريباً شِبْه شَفّافةٍ
وهكذا أستطيع أن أكون في الداخل
بدون أن أتخلَّى عن وجودي في الخارج.

جدرانٌ نجومٌ وصَوْتُ جَدْوَلٍ
لا ينقطع وحُمْرةُ فَجْرٍ خفيفة...
جُدْرانٌ بمنظوراتِ حُرِّيّةٍ صغيرة،
بَدَلاً من أَعمدة محيطةٍ بأَوثانٍ أخرى.

غير أنَّ الريح يصعب تَرْويضُها،
الابتسامةُ تنسحِبُ مشوَّهة عَبْرَ ممرَّاتٍ مُعْتِمةِ،
أَمَّا مَنْ يَسْهَر مُسهّداً وهو على اللَّوْحةِ
فيتعثَّرُ ويسقط، يؤلمه الخَصْرُ.

تبدو التّقنيّة قويّة جدّاً وهي في غاية الضعف
إنْ لَمْ نقوِّها ببُذور خمرةٍ تموت...
مَنْ بِوُسعه تسلُّقُ تلك الغيوم
بواسطة سُلَّم حَبْلِ «كروكيس»
جيّد الإعداد.

نعرف أكثر من اللازم، لكن علينا دائماً
أَن تترُكَنَا دَرَجَاتُ سُلَّم بائسةٌ عند
بَابِ أَحَدِهِم وَبَيْن أدواته العتيقة ونحن نُغَنّي.
غَداً سَيُمطرنا جَهْله بألف سُؤال
ثمة من جهةٍ، برامج، تحضيراتٌ، اختياراتٌ،
جذور الأشياء وأَخطاء قرونٍ عديدة.

كيم إسبانيول
كيم إسبانيول QUIM ESPANYOL (خيرونا، 1945) معماري، باحث في المعمار وشاعر.

نوارس
بجنون تتبدّد سنوات الطفولة
مثل سرب نوارس متبدِّد سيَمُوت
منْ طيرانه. عندما نكبَر تُمْسِكُ
السِّنُون بالجسد بعنادٍ فنكتشف
بداخلنا طائراً محبوسا تهدهده
غَمْغمة الدم.

مِنْ حين إلى آخر يتَحرّك.
يحسُّ بالجوع أحياناً فَيَنْقُر
الأحشاء،
البنكرياس، الشرايين، الأحلام الغَضّة،
الدماغ المختلج، وبعدئذ الآمال العَصِّيهْ
الشائخة.
وإذْ يستبِدُّ به السُّعار سيلتهم، مِنْ بَعْدُ،
الأصابع والشفاه.

دعوة
كلماتي تمضي وَمعها
اليقينيات الآمنة.
بِلَا رَجْعَةٍ تمضي كلماتي
فيُخيفُني الصَّمت.

أيَّتها المخلوقات الدَّنِسةْ
أفْصحن لي شيئاً فشيئاً
عَنْ اسْمِ الأشياء القاسي
وفي مسَمْعي، تفوَّهي أيتها الحيوانات
المريضة بمقاطع أفعال منسيّة،
وبخُطُوم رَطْبَةٍ، وَشْوِشْنَ لي
بالكلمات المحفوظة للبصيرة.

وأنت أيها البحر، كما لو كُنْتُ طِفْلاً
كَلِّمني، مثل أَبٍ عجوز،
وبالصَّوْت الرَّبَوِيِّ للماء
فَسِّر لي حُلمِي.