الملحق الثقافي

كنوز الشِّعر الكونيّة

أسرار الوجود تحيا في أعماق الشاعر (لوحة إيغور مورسكي)

أسرار الوجود تحيا في أعماق الشاعر (لوحة إيغور مورسكي)

في حديث نبوي شريف يقول (لله كنوز تحت العرش مفاتيحها ألسنة الشعراء) إشارة هامة لمكانة الشاعر لفتت انتباه الأديب المهجري الكبير جبران خليل جبران فوضع هذا الحديث شعاراً للرابطة القلمية التي كانت رائدة للأدب المهجري المتميز. ويفتح هذا الحديث النبوي الأفق واسعاً أمام إمكانيات الشاعر اللامحدودة فأقواله لا تُمتحن بالصدق والكذب ولا بالإقناع أو عدمه بل هي مفاتيح لفتح خزائن الروح والكون يقذف بها الشاعر في وجه الواقع أو المطلق ليزحزح الحجب التي تخفي وراءها سبل إضاءة الأسئلة الكثيرة التي حملها الإنسان معه ومازال يحملها

لنتمعن في المعنى الميتافيزيقي للحديث النبوي.. أليس فيه ما يؤيد الروح الكوني الذي يتعالى به الشاعر فيبدو وكأنه ملاك غامض يهذي ويرسم مصائر وأشكال وقوى وترادفات الإنسان مع الطبيعة بلغةٍ مدهشةٍ ومشحونةٍ.
الخزائن والكنوز التي تحت عرش الله.. المطلقة في عددها وقيمتها تفتحها لغة الشاعر، وكأن لغته التي تبدو لنا مغلقة هاذية غامضة هي في حقيقتها معادلات متراصة لفك هذه المغاليق، وكأن لغة الشاعر ليست لغة للتفاهم أو الاتصال بل هي معادلات رياضية إلهية الجوهر تفك المغاليق الشاردة.
هذا الحديث النبوي يلغي التصور التقليدي الذي يناقض الإسلام مع الشعر وكأن بين الدين والشعر منافسة كشف خفي..وكأن إغواءات الشعراء مسارات معوجة وغريبة، لقد اتهم الأنبياء بأنهم شعراء لأنهم كانوا يتحدثون بلغة عجيبة فتحت كنوز الأرض والسماء وفتحت النفس البشرية للإيمان.
هذه اللغة إذن لغة فيها نزوع شعري إلهي لا يأتي إلا للملهمين من الأنبياء والرسل.. أما الملهمون من الشعراء فقد لا يقومون بدور ديني مشابه للأنبياء ولكنهم يوصفون بالوصف الروحي والجمالي اللائق بهم، إنهم سدنة الروح الإنساني العميق الضارب في اغصانِهِ وثماره في الكنوز الإلهية.

الحدائق الداخلية للشاعر
الكتابة، أولاً، فن حديث وهي لا تنتمي من ناحية التنفيذ إلى ثقافة العصر القديم الذي كان تراثه عبارة عن مرويات شفاهية. ولذلك خرج الشعر الحديث ضمن مفاهيم الكتابة فيما كان الشعر القديم يندرج ضمن مفاهيم الشفاهية.
هذه الحقيقة تحتم علينا فهماً جديداً بل وإجراء جديداً لا يجعل الموهبة والسليقة مركزاً بل يستبدلهما بالوعي، ويتشكل الوعي هناك باعتباره بؤرة تقاطعات يتعين على الشاعر أن يضبط البعد البؤري لعدساتها حتى تختفي كافة الخطوط التفصيلية.. الوعي باعتباره نقطة ولكنها لاسعة وقوية وشديدة التأثير.
الشاعر الحقيقي هو شاعر مشروع كبير وليس شاعر نزهة عابرة في فن يتطلب بعض المستلزمات، ولذلك يعمل الوعي على إزاحة الغطاء عن الخرائط الإلهية الرهيبة داخل الإنسان، يعمل الوعي على فك شفرات الغابة الكونية التي في داخل الإنسان وتحويلها إلى شعر. نعم.. الموهبة تساعد على ذلك وتحمي الحركة الحرة للشاعر وتلم قوته الروحية وتعينها على الديمومة ولكن الوعي يمشي مثل نقطة ضوء في شاشة سوداء.
قد أبدو مبالغاً اذا قلت بان كل قصائدي (التي كتبتها والتي سأكتبها) موجودة هناك في أعماقي وكأني أراها.. إنني أرى نصوص المستقبل في داخلي وهي هناك تحت أدمةٍ أو غشاءٍ أو غطاء ما ولا أحتاج إلى جهد كبير للكشف عنها سوى ذلك الجهد الخاص بازاحة الغطاء ثم مشاهدة تلك النصوص التي كتبتها ملايين السنين في داخلي. تلك النصوص التي تشفرت وحملت في شفراتها التجربة الإنسانية كلها.
هناك في داخلي مزارع لا متناهية مرصوفة بالبلور والكلمات والحنطة والكواكب، وكل ما أحتاجه هو طريقة تقدم فيها وزاوية نظرٍ خاصة إليها..وقيل هذا وذاك إلى يد قوية تحمل طرف الغطاء وتزيحه بهدوء، وستلتمع قبضتي بمئات بل بآلاف النصوص.
احياناً أقول: وهل يكفي العمر لكتابة هذه الحقول اللامتناهية أو بالاحرى لاستنساخها من الداخل إلى الورقة؟
مرة (لا أعرف أين) قرأت بأن الوعي لا يكمن في الدماغ بل في الجسد كلّه والآن أتساءل: هل يمكن ان تملأ (حقول الكتابة) هذه مساحات الجسد كلّه؟ أعتقد أن ذلك صحيح إلى حد كبير لأن الجسد المليء دماً ولحماً وعظماً مليء ايضاً بالشفرات الكونية الغامضة المكتوبة بطريقة لا أبجدية وعلى الشاعر أن يحوِّل هذه الشفرات من لغة لا أبجدية إلى لغة أبجدية وهي شفرات تنطمر وتغوص وترفّ في الجسد كلّه وهذا يستدعي أن يكون الشاعر كتلةً مشتعلة طول الوقت، جسده وعقله وأعماقه، وأن يشغِّل جهاز التحويل عنده بمهارةٍ وباقصى كفاءة ولا يمكن تخيل الشاعر الجثة أو الشاعر الخامل.
الحافز الخارجي له القدرة على فتح الأبواب أما النصوص ففي الداخل، أما الحب والجمال وقوة الطبيعة التي تعبر عنها فموجودة دافئة في الداخل ربما يلعب الحافز دوراً في تحديد زاوية النظر وفي طريقة الحراثة أما الأرض فمزروعة بل مهيأة للقطاف.
ولابد لي من الاعتراف بأن أقوى حوافزي هو الحب لأنه لا يمل من طرق أبوابي ولأن لذة عنيفة ومضطربة تصاحبه. ولذلك يحكم الحب قبضته على الابواب ويفتحها بطريقة أقوى من غيره والجسد أولا وقبل كل شيء.

إمبراطورية الخيال
إذا انتزعنا من الشاعر الشرقي المعاصر جولاته في حقول السحر والسيمياء والتصوف والإشراق والأساطير والخرافة ومحاولاته في هندسة فسيفساء جذابة ملتمعة منها.. إذا انتزعنا هذا الشاعر من هذه الحقول فما الذي سيتبقى له من تراثه الساند له؟ لاشك أنه لن يتبقى غير شاعر ممسوخ عن الشاعر الغربي. ليمتلك الشاعر الشرقي المعاصر أدوات وطرائق وتقنيات الشاعر الغربي ولكن عليه أن يذهب بكل هذه العدة إلى حقوله الشرقية فذلك انفع بكثير من احتمالين آخرين أولهما ذهاب الشاعر الشرقي المسلح بأدوات غربية إلى حقول غربية ففي الاحتمال الأول جمود وتقليد وفي الاحتمال الثاني تغريب ومسخ شخصيته..
يعطي الخيال هيبةً وجلالاً للشاعر لا باعتباره مولّد أشياء غريبة غير معقولة وغير منطقية بالنسبة للآخر، بل لأنه يعيد بناء الشاعر ذاته كل يوم..فكلما انبنى الشاعر بصيغة أعاد الخيال هدم هذا البناء وشكله من جديد، وهكذا نجد الشاعر في هدم وبناء متصلين وما بينهما تخرج القصائد. الشاعر القاحل الخيال مؤثث سلفاً لايعاد بناؤه فهو ثابت مثل خطيب مبحوح الصوت لايثير فينا شيئاً بل يجعلنا نقرف.
سأذهب أبعد من ذلك وأقول بأن على كل شاعر أن يبني إمبراطورية خيال كبرى له وعليه أن لا يرضى بقرية أو مدينة الخيال البسيطة في داخله. في هذه الامبراطورية يمكن لذات الشاعر أن تكون مركزاً لها أو عاصمة لها وان ترتبط بها مدن ودول وقرى وقصبات العصور والثقافات والخرافات والعقائد والأساطير والكنوز الروحية والجمالية التي تتناسب مع هذه الذات/ العاصمة او التي تتناغم مع إيقاعها.
الشاعر المرهف القوي الاحساس المنحني على تدوين ذاته لا يتعلم كثيراً من تجاربه ولا من خيانة أصدقائه له ولا من عدم تحوطه ولا غفلته المبدعة ولا من اتضاح مصالح وشهوات الآخرين حوله ولا من انكساراته.
إنه منطلق في هذا العالم مثل سهم مارق نشوان.

***
يقول بول فاليري: «إن المعنى الذي خلعته على شعري، لا ينطبق إلا عليّ». هذه إضاءة شديدة للشاعر الذي يزداد توغلا في مشروعه الشعري الخاص ولا يريد لهذا المشروع ان يكون عاماً.. لايريد أن يبشر به باعتباره أفضل وأعظم وأجمل وأحدث مشاريع الشعر. إن الشاعر هنا يحصر ويعزل مشروعه عن الآخرين ويمضي في تأسيس شبكته ولا يشير إلى تقدمهاو تراجعه بل إلى خصوصيته فقط.
قد يأخذ الشاعر من ما هو عام ولكنه عندما يتمثله يصبح خاصاً وليس من المعقول العثور على مشروع شعري خاص تماماً إذ لابد أن تكون هناك تقاطعات مع العام. والمشروع الشعري يظهر نظاماً عقلياً وروحياً كاملاً تسنده نصوص وافكار ونظريات.
يسعى الشاعر إلى تكوين أسلوبه الشعري الخاص به.. ولنقل ان هذا الأسلوب يشبه وجه أو شكل أو بصمة أو صوت أو مشية الشاعر، فإذا استطاع الشاعر أن يصل إلى ملامح شكله في نصوصه فإنه يكون قد قطع شوطاً كبيراً في مشروعه بعد هذه المرحلة سيكون بوسع الشاعر أن يكتب أو يتحدث في وعن أي حقل أدبي أو ثقافي دون خوف لان أسلوبه سيرافقه وستكون له خصوصية.
نفس الفم أو نفس اليد اللذان يكونان سيعملان على الذهاب لاي حقل مثل (المسرح، القصة، المذكرات، الرواية، الأسطورة، البحث الأدبي، التنظير).
لايمكن إلاّ وتعثر على نفس ملامح الشاعر في هذه الحقول ذلك لأنه كان مجتهداً في العثور على ملامحه في نصه الشعري أولاً.
لقد تجولت في هذا العالم.. هنا وهناك.. فوجدت معناه يتفكك وينهار ويموت في عيون الكثيرين.. ووجدتهم بسبب ذلك ينكمشون ويشيخون ويذبلون لكني أيضاً نظرتُ إلى عيون الشعراء التي تشبه عيون الأطفال.. نظرت فيها فوجدت العالم يحيا وينهض ويلتحم ويغلي ويتجدد ويتصاعد.. ووجدتهم منهمكين في إعادة صياغة العالم ووجدت العالم يتقد ويضاء من جديد.

مزارع بلور وحنطة
قد أبدو مبالغاً اذا قلت بأن كل قصائدي (التي كتبتها والتي سأكتبها) موجودة هناك في أعماقي وكأني أراها.. إنني أرى نصوص المستقبل في داخلي وهي هناك تحت أدمةٍ أو غشاءٍ أو غطاء ما ولا أحتاج إلى جهد كبير للكشف عنها سوى ذلك الجهد الخاص بازاحة الغطاء ثم مشاهدة تلك النصوص التي كتبتها ملايين السنين في داخلي. تلك النصوص التي تشفرت وحملت في شفراتها التجربة الإنسانية كلها.
هناك في داخلي مزارع لا متناهية مرصوفة بالبلور والكلمات والحنطة والكواكب، وكل ما أحتاجه هو طريقة تقدم فيها وزاوية نظرٍ خاصة إليها.. وقبل هذا وذاك إلى يد قوية تحمل طرف الغطاء وتزيحه بهدوء، وستلتمع قبضتي بمئات بل بآلاف النصوص.

خصوصية
يقول بول فاليري: (إن المعنى الذي خلعته على شعري، لا ينطبق إلا عليّ). هذه إضاءة شديدة للشاعر الذي يزداد توغلا في مشروعه الشعري الخاص ولا يريد لهذا المشروع ان يكون عاماً.. لا يريد أن يبشر به باعتباره أفضل وأعظم وأجمل وأحدث مشاريع الشعر. إن الشاعر هنا يحصر ويعزل مشروعه عن الآخرين ويمضي في تأسيس شبكته ولا يشير الى تقدمها وتراجعه بل الى خصوصيته فقط.

مثل سهم مارق
الشاعر المرهف، القويّ الإحساس، المنحني على تدوين ذاته لا يتعلم كثيراً من تجاربه، ولا من خيانة أصدقائه له، ولا من عدم تحوطه ولا غفلته المبدعة، ولا من اتضاح مصالح وشهوات الآخرين حوله، ولا من انكساراته. إنه منطلق في هذا العالم مثل سهم مارق نشوان.