ألوان

«البوسنة والهرسك» يبعث الدفء من بلاد الصقيع

مدخل جناح البوسنة والهرسك (تصوير عمران شاهد)

مدخل جناح البوسنة والهرسك (تصوير عمران شاهد)

نسرين درزي (أبوظبي)

في كل مرة يستضيف مهرجان زايد التراثي جناح البوسنة والهرسك ضمن الأجنحة الزائرة، يكون لافتاً حجم الاستقطاب الجماهيري للتعرف إلى شعب هذه البلاد وعاداته وتقاليده. وعلى عكس ما بقي في الذاكرة عن الحرب الدامية التي شهدتها البلاد، فمما لا شك فيه أن موروثها الحضاري أكسبها نكهة متفردة استقت من الشرق والغرب أجمل ما علق منهما في مجتمعاتها ومشهدها العام.

قبعات الفرو
اللباس المزركش لنساء البوسنة والألوان الصاخبة التي تغطي سترات رجالها هي أولى علامات الجذب باتجاه جناحهم الذي ما أن تدخله حتى يتسلل إليك الدفء ويسكنك الحنين لجلسات البرد القارس. منصات عرض مكسوة بقبعات فرو وأغطية صنعتها أيدي نساء ما عاد يشغلهن بعد سنوات الفقر ورحيل أزواجهن إلا الحياكة والتطريز مصدر رزقهن الوحيد. وهنا لا ترى إلا كل قديم من منتجات نادرة تبدأ بالنحاسيات وغزل النسيج ولا تنتهي إلا باستراحة مطولة لتذوق حلويات البيت واحتساء قهوة ساخنة، حتى أن سخاء العارضين من أهل البوسنة وتواصلهم طوال وجودهم في المهرجان يسجل لهم، إذ إن تقاربهم المجتمعي تغلب عليه الألفة والمحبة، وأكثر ما يقربهم من البيئة العربية أسماؤهم المتأثرة بحقبة الحكم الإسلامي للبلاد وحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة.

حرف يدوية
«سيرنا بورشا» المشرف المسؤول عن جناح البوسنة والهرسك، تحدث عن زيارته لأبوظبي، قائلاً إنها المرة الثانية التي يشارك فيها بالمهرجان وهو مسرور بالتأقلم مع الأجواء العربية التي يعتبرها مشوقة ومدعاة لاهتمامه. وذكر أنه يسعى دائماً إلى نقل حضارة بلاده من خلال استعراض الحرف اليدوية للشعب الذي لم تتغير أحلامه بالرغم من الأزمات المتتالية التي تعرض لها. وقال إن الصناعات الجلدية وأنواع الفرو من أكثر المنتجات التي يسأل عنها الزوار على اعتبار أن البلاد الباردة تتفنن أكثر من سواها بالأنسجة الشتوية، حفاظاً على حرارة الجسم. علماً بأن قرى البوسنة ومدنها تضم حرفاً ومشغولات كثيرة أخرى يجدر استكشافها والاطلاع عليها عند زيارة البلاد، مثل النحاسيات وهياكل الطائرات ومصانع المشروبات الغازية التي تتخذ من سراييفو مقراً رئيساً لها.

حياكة الصوف
من داخل كشك آخر تكسوه معاطف صوف الخروف المحاكة يدوياً، دعتنا «فسنا بيكتو» للجلوس معها على بساط أرضي مخطط بألف لون ولون. وشرحت كيف تتعامل مع نساء ساراييفو والقرى المحيطة لتبيع مشغولاتهن. وذكرت أن المرأة في بلادها تتعلم حياكة الصوف من نعومة أظفارها، ولا خيار لها إلا بالحياكة يومياً، كلما تسنى لها الأمر بعد الانتهاء من أعمال المنزل. وقالت إنه بالرغم من شبح العولمة الذي بدأ يرخي بظلاله على الجيل الحالي، إلا أن المساعي الاجتماعية لا تتوقف عن تشجيع البنات والأولاد على إكمال مسيرة الآباء بحفظ الحرف اليدوية من الزوال. إذ إن المطلوب أن تستمر هذه المهن النادرة والجميلة لتتحدث عن حضارة البلاد، وألا يقتصر إنتاجها على كبيرات السن والأرامل اللاتي يعشن من بيعها بعدما حرمن من أزواجهن بسبب الحرب.
صوان ودلال
الحديث عن المنتجات اليدوية لشعب البوسنة له وقع خاص، ولا سيما عندما يكون عن المشغولات الثمينة التي يقدرها السياح الزائرون من مختلف بقاع الأرض. ومما قالته «بسيمة شايبر» التي كانت تتباهى بعرض فستانها الفلكلوري، إنها تهوى الحفر على الأواني النحاسية، من صوان ودلال وتعتبرها أفضل ما يمكن أن يهدى في مناسبة خاصة. وأشارت إلى أن جمهور مهرجان زايد التراثي يهتم كثيراً بالتعرف إلى هذه الثقافة المتوارثة عند البوسنيين، بحيث لا يخلو بيت منها، ومع أنها غير متداولة كثيراً خارج البلاد، إلا أنها توازي بأهميتها صناعة الجلود وحياكة الصوف ودمى الأطفال المشهورة والمطبوعة في الأذهان بين أهم الصناعات المحلية.

حماية الذاكرة
وضمن حديثه عن «زايد التراثي» كمهرجان وطني ضخم يشارك فيه منذ انطلاقته الأولى، أكد «غريدون بدكو» ضرورة توارث الصناعات القديمة. وقال إنه لا يوفر فرصة إلا ويستغلها للترويج لحضارة بلاده من خلال الحرف اليدوية التي يشجع الجيل الجديد على دراستها في المعاهد الصغيرة والكبيرة.
ولفت إلى الدور الكبير الذي تلعبه الفعاليات التراثية في الدول العربية وفي دولة الإمارات تحديداً لاستضافة شعوب البلدان البعيدة وإفساح المجال لأبنائها للتعبير عنها بما يرونه مناسباً.
وقال «ووك رادوغ»، إن الوضع الاقتصادي في البوسنة معقد للغاية بسبب الحقبات الصعبة الماضية. وهذا يؤثر سلباً على استمرارية الصناعات القديمة بسبب الاتجاه العصري للشباب. ومن هنا نشأت في البلاد جمعيات صغيرة داخل القرى هدفها حماية الذاكرة من الزوال، وذلك عن طريق الترويج لهذه السلع وبيعها في الأسواق الخارجية بأسعار جيدة، واعتبر أن قوة أي شعب في هويته وأصالته، وفيما يضيف إلى سجله من إنجازات قوية تعزز من مكانته وصورته أمام الشعوب الأخرى.

معالم إسلامية
مدن البوسنة والهرسك مليئة بالمعالم الإسلامية، من مساجد وتكايا ومكتبات ومدارس شيدت في عهد الحكم العثماني، وفيها أيضاً مبان تعود لحقبة الحكم النمساوي، حيث تحافظ على طرازها الأوروبي منذ أكثر من 100 عام.

العسل البوسني
روت «نايدا توزلاك» بجناح البوسنة، أنها فخورة بارتدائها اللباس التقليدي ليس فقط عند حضور الفعاليات التراثية، وإنما أيضاً في حياتها اليومية، ولاسيما عندما تنزل إلى دكان والدها لتساعده في تعبئة العسل وتغليفه، تمهيداً لبيعه في السوق. ووصفت عسل البوسنة بأنه الألذ ضمن منطقة جبال البلطيق، بحيث يطلبه سكان الجوار لتميزه بمذاقه الأصلي. وقالت إنها تحرص على نقل تراث بلادها بأجمل صورة لمختلف الجنسيات بهدف أن تمحو النظرة السائدة بأن البوسنة والهرسك بلاد شهدتها حروب طاحنة.

جبال وثلوج
تتوزع منصات العرض في جناح البوسنة والهرسك، بالمدخل رقم 3 ضمن مهرجان زايد التراثي. وتحتل ركناً إستراتيجياً للعائلات الزائرة، بحيث تتوسط ردهة الألعاب وردهة المطاعم، ما يجعلها وجهة مناسبة للاستكشاف والترفيه. ولا نبالغ القول عند الحديث عن البوسنة كواحدة من أجمل بقاع الأرض، لما فيها من طبيعة ساحرة وجبال شاهقة مغطاة بالبساط الأخضر والثلوج على مدار السنة. وعدا عن غاباتها الساحرة، فهي منبع البحيرات والشلالات الباردة التي تعتبر متعة للعين والروح في آن.

نصائح
لجميع من لم يتسن لهم بعد زيارة مهرجان زايد التراثي، ويخططون لقضاء وقت ممتع بين أجنحته، يكون من المفيد الانتباه للأمور الآتية:
* عدم اصطحاب المأكولات والمشروبات والآلات الحادة، منعاً للإحراج عند نقطة الدخول.
* التزود بملابس سميكة وجاكيتات للأطفال بسبب انخفاض درجات الحرارة ليلاً في منطقة الوثبة.
* إحضار ما يكفي من النقود المعدنية لتمكين الأطفال من اللعب في مدينة الملاهي.