الملحق الثقافي

«كوكتيل» التطرّف

التقسيم والعزل استراتيجية صهيونية

التقسيم والعزل استراتيجية صهيونية

لا شك أن الكثيرين تابعوا باهتمام كبير، قبل أن تطل علينا قضية إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، ما كان يحدث منذ مدة، وبشكل دوري أحياناً من احتجاجات ما يعرف في إسرائيل باسم (الحريديم)، الذين يطلق عليهم أصحاب «الأردية السوداء»، وهم خليط من اليهود المنتمين إلى طوائف مختلفة، ترجع في أغلبها إلى أصول أوروبية شرقية، وتتخذ من أحياء (ميا شعاريم) في القدس معقلاً لها. وقد بناه المستوطنون الأوائل في ما يعرف بـ(اليشوف) القديم، والواقع في الجانب الإسرائيلي من الخط الأخضر.

هؤلاء (الحريديم) يشكلون منذ مدة صداعاً مزمناً للسلطات الإسرائيلية، بسبب أفكارهم القائمة على رفض الدولة، ورفض الحركة الصهيونية، ورفض الخدمة العسكرية، ورفض الاندماج في المجتمع الإسرائيلي، مفضلين تركيز حياتهم الروحية والدنيوية حول قياداتهم الروحية ومدارسهم الخاصة، ساعين قدر الإمكان إلى ابتزاز الدولة مالياً، وهم الذين كانوا في بداية تأسيس الدولة أقلية سرعان ما تطورت لتجعل الحياة في أحياء القدس العتيقة، شبه خانقة لما يضفونه من تشدد كان الأديب الإسرائيلي عاموس عوز أفضل من وصفه.

اليهودية الإصلاحية المبكرة
والحقيقة، إن المجتمع الإسرائيلي لم يكن هو السبّاق للشعور بأهمية العلاقة بين الدين والدولة، فقد بدأت اليهودية مبكراً في الإحساس بعمق المشكل مند القرن الثامن عشر، وخصوصاً مع لوثر اليهودية موشيه مندلسون رائد اليهودية الإصلاحية، الذي عايش متاهات ألمانيا البروسية، والتحولات الفلسفية والعلمية والسياسية التي عرفتها في عهده، وبدأ مساراً طويلاً للاندماج في المجتمع الألماني والخروج من (الغيتو)، مدركاً أهمية المواطنة ونشوء الدولة القومية، وأهمية نظرية العقد الاجتماعي، الذي ستسمح لليهود بأن يعملوا كمواطنين، لهم حقوق لأول مرة في تاريخ أوروبا الخارجة بصعوبة من العصر الوسيط عبر حركة النهضة في القرن السادس عشر.
والواقع أن هذه (الهاسكالاه) كانت تحمل في أحشائها السبل التي ستشكل تاريخ اليهودية اللاحق، وهي: اليهودية الأرثوذكسية التي ستواصل تقاليد اليهودية الربانية الوسيطة في صور مختلفة، محافظة على جوهر ما تعتقد أنه اليهودية الصحيحة، المحافظة والمكتفية في جوهرها بعقلية الانغلاق عن العالم الخارجي، حتى إنها سعت شيئاً فشيئاً إلى قبول الحداثة الفكرية والمادية، مع سعي إلى إيجاد صيغة من صيغ التوافق بين ما تعتبره جوهر اليهودية والعالم الحديث.
لكن تاريخ أوروبا اللاحق سرعان ما سيبيّن أن فكرة الاندماج وهمٌ، بعد حادثي دريفوس والمحرقة النازية. واحتاجت اليهودية الإصلاحية إلى وقت طويل بعد لجوئها إلى الولايات المتحدة إلى إعادة بناء نفسها ومقولاتها، والانتقال من وثيقة بيترسبورغ الشهيرة، إلى أن تتكيف مع صعود الحركة الصهيونية اللاحق، الذي مثّل الطريق الثالث الذي حملته حركة (الهاسكالاه) في أحشائها، وقد اعتبر أن حل مشكلة اليهودية لا يكمن إطلاقاً في (الغيتو)، ولا في الاندماج، بل في الخروج نهائياً من/ وتأسيس مرجعيات جديدة تتقاطع مع التصورات (الماشيحانية)، وإن احتفظت بالروح المعلمنة التي ورثتها من أوروبا. وكان الحديث عند تأسيس إسرائيل في 1948 عن دولة لليهود بحسب التصور الحقيقي لمؤسس الصهيونية تيودور هرتزل، أن هذا الوطن البديل، ليس إلا موضعاً لتجمع اليهود من مختلف الأصقاع والتوجهات، وهو جوهر قانون العودة الإسرائيلي الذي تمت صياغته سنة 1950. والأمر شبيه تماماً بما حلم به الزعيم الليبرالي محمد علي جناح وهو يبحث عن تأسيس دولة للمسلمين خارج إطار الهند التقليدية. ولم يكن يدور في خلد هرتزل في البدايات أن تتحول دولة اليهود Der Judenstaat هذه إلى دولة يهودية، كما لم يدر بخلد محمد علي جناح أن تتحول باكستان إلى دولة إسلامية لاحقاً، وهو الأمر الذي سيتم تحت حكم الجنرال ضياء الحق.

تعايش علماني ديني
لكن الصهيونية، ستجد حلاً لتعايش الحركتين العلمانية والدينية في البدايات، فيما عرف بحركة مزراحي. وهي الحركة الدينية التي لم تكن ـ على خلاف بقية التيارات الدينية ـ ترى في الصهيونية خصماً، بل لا ترى في الصهيونية نقيضاً لليهودية، بل ترى فيها شكلاً من أشكال الخلاص (المشيحاني)، الذي هو جوهر اليهودية؛ يهودية ما بعد خراب الهيكل الثاني والشتات. وكانت الصيغة النظرية لهذا الالتقاء قد قامت بها شخصية ثرية وعميقة الأثر في اليهودية المعاصرة، ونعني بذلك (الراباي) إسحاق يهودا كوك في كتابه الشهير «أنوار القداسة» (أوروت هاقوديش)، فهو الذي نظّر إلى الصهيونية باعتبارها جزءاً من اللاهوت اليهودي، وكان هذا فائق الخطورة والأهمية، بل وراديكالياً. وإذا كانت هذه النظرة اللاهوتية ضعيفة التأثير وهامشية في بدايتها، فإنها قد احتلت اليوم دلالة سياسية جوهرية. لقد كان هذا التيار أقلياً جداً بين المتدينين، وبين الصهاينة، ولكنه سيتحوّل تدريجياً إلى التيار الغالب بدءاً من الثمانينيات، حتى عند أولئك الذين يعتبرون أنفسهم لائكيين.
ونتيجة هذا الالتقاء الفكري هي التي سمحت بقيام ما يمكن تسميته بالالتقاء السياسي، الذي كان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق دافيد بن غوريون هو من ترجمه عملياً في الميدان السياسي، من خلال ما عرف تاريخياً باسم تفاهمات «الوضع الراهن» الشهيرة.
والحقيقة أن هذه التفاهمات كانت محكومة بثلاثة دواع أساسية:
ـ أولها، خوف بن غوريون من الشارع اليهودي، ذلك أن موازين القوى في نهاية الأربعينيات كان يميل إلى المتدينين، في مقابل دولة إسرائيل، خصوصاً مع تدفق يهود البلاد العربية وبالذات اليمن على فلسطين تحت الانتداب. وكانت سياسة الدولة المخطط لها تغذّي هذا التديّن، من أجل الإسراع بخدمة المشروع الأكبر وهو قيام الدولة.
ـ أما السبب الثاني، فهو ضرورة وجود قاسم مشترك بين الشتات وأرض إسرائيل. وهذا القاسم لا يمكن أن يظل محصوراً في جانبه المالي، أي مطالبة يهود الشتات بضخ الأموال فقط، وكان ضرورياً تغذية هذا الجانب الديني لبناء لحمة أيديولوجية وثقافية تبرّر هذا المشروع الكبير، وتجعل من غالبية اليهود وعوامهم يشعرون بضرورة الانخراط فيه، خصوصاً أن الشتات يمثل مخزون الحركة الصهيونية البشري، التي لم تكن متأكدة من نجاح مغامرتها السياسية على الرغم من نبوءة تيودور هرتزل المبكرة.
ـ أما السبب الثالث، فهو داخلي يسعى إلى خلق لحمة بين من وصل إلى فلسطين من يهود الشتات وكانوا أخلاطاً وموجات متعاقبة من يهود ألمانيا، والنمسا، وتشكوسلوفاكيا في الثلاثينيات، والناجين من المحرقة بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وموجات من يهود البلاد العربية، ولا شيء أفضل من الدين ليحقق هذه الأهداف.

سيطرة اليمين الديني
وقد كان لهذه الصياغات والتكتيكات الجديدة للعلاقات بين الدين والصهيونية، أثر واضح في تصوّر العلاقة بين الدين والدولة. ولئن انتهت مرحلة العلاقة الأولى كما رسمت في عهد حزبي (الماباي) و(المزراحي)، في ما عرف بوثيقة الحفاظ على «الوضع القائم»، الذي وصفه الباحث يشعياهو ليبوفتش بأنه علاقة تشبه علاقة «بغاء مزدوج» بين الدولة والدين، فإنه وجب انتظار حرب 1967 لنشهد إعادة ترتيب العلاقة بين الدين والدولة في إسرائيل، في اتجاه مزيد من سيطرة اليمين الديني على مفاصل الحياة الإسرائيلية. وقد حددت هذه الوثيقة العلاقة بين الطرفين، وظهرت أهم نقاط الخلاف بين الصهيونية السياسية وهذه الصهيونية الدينية الجديدة، في مسائل ستعتبر لاحقاً مسائل مرجعية وهي: مسألة التعريف بمن هو اليهودي مثلاً؟ إذ يبدو غريباً لدى البعض، أن هذه الدولة التي أريد لها أن تجمع أشتات اليهود، لم تصل حتى اليوم إلى تعريف من هو اليهودي، كما تجلّت في حالتي المواطن دانيال روفايزن والضابط بنيامين شاليت، وكذلك في مسألة الأحوال الشخصية، وخصوصاً قضية الاعتراف بالزواج المدني والزواج الديني ومتعلقاته من مسائل، مثل الإجهاض، والطلاق، واحترام عطلة السبت، واحترام أحكام الذبائح والأكل (الكاشروت)، والتعليم بشقيه الديني والعلماني، ومنزلة دار الحاخامية.
ومما يذكره التاريخ بصدد هذه المرحلة التأسيسية، ما تورده المصادر من تهديد أحد نواب حزب (أغودات يسرائيل) في الكنيست الأول إبان التفكير في وضع الدستور الإسرائيلي ـ الذي لم ير النور قط ـ قائلاً إن «الدستور لن يكون صالحاً، إلا متى تماهى كلياً مع التوراة. ونحن نعتبر كل دستور مخالف لهذا التصور تعدياً على التوراة. وإننا ننبهكم ونحذركم، إلى أن أية محاولة لوضع هذا الدستور بخلاف ما نرتئيه ستقود البلاد حتماً إلى صراع أيديولوجي حاد، لا صلح فيه ولا تنازل».
وهذا الموقف هو ما دفع بن غوريون بحسه العملي إلى «تناسي» هذا الدستور والاستعاضة عنه بمجموعة من (القوانين الأساسية أو التوجيهية) المعروفة بالعبرية تحت اسم «حوقي هيسود» حفاظاً على هيمنة حزب (الماباي)، وعلى وحدة البلاد والشعب في التصور الإسرائيلي، وإلى حاجة الكتلتين الحزبيتين الكبيرتين الآن أي (المعراخ) و(الليكود) الماسة للأحزاب الدينية في تشكيل الحكومات المتعاقبة، بسبب ما يعاني منه النظام الانتخابي والسياسي الإسرائيلي من «إعاقة» دائمة، يفرضها مبدأ الاقتراع النسبي والحاجة دوماً إلى حكومات ائتلافية، مما حكم على هاتين الكتلتين بعقد تحالفات سياسية مع الأحزاب الدينية والصغيرة و«مغازلتها» للحصول على الأغلبية، وهو ما جعل الأحزاب الدينية تمارس الابتزاز بتهديدها الدائم بإسقاط الحكومات والدعوة لانتخابات مبكرة إذا لم يتم استرضاؤها بامتيازات مالية وقانونية. وهو أمر في حقيقته يمثّل «قضماً» مستمراً لكل الجوانب «المعلمنة» في الحياة الإسرائيلية، رغم ضآلة حجمها البشري الذي لا يعكس أبداً وزنها السياسي. فنسبة المتدينين في إسرائيل لا تزيد عن 10%، وإن كان هذا الرقم في ازدياد بسبب ما يسمى بالعبرية (حازاراه بيتشوفا) أي «الصحوة الدينية» أو التوبة بالرجوع إلى أصول العقيدة، والتي ستشتد بدءاً من حرب يونيو (حزيران) 1967، حيث اعتبرت الانتصارات العسكرية الإسرائيلية انتصارات إلهية، ما جعل الشارع اليهودي مسكوناً بحمّى دينية فاشية قلّ نظيرها في تاريخ اليهود المعاصر، وفتحت الباب على مصراعيه لتنامي ما يعرف في إسرائيل اليوم بـ«اليهودية الحريدية» التي ظلت مناهضة للصهيونية السياسية، وتنامى اليمين الديني القومي ممثلاً في حركات (غوش إيمونيم) و(كاهانا حي) ومشتقاتهما، ممن قبلوا بالمشروع الصهيوني وانخرطوا فيه.

«الوجه الآخر لإسرائيل»
والواقع إن «أصحاب الأردية السوداء» كما يسميهم إيلان غريلسامر ما فتئوا يحصدون التنازلات ويشددون الخناق على الحياة السياسية والاجتماعية والدينية في إسرائيل، من خلال قراءة توراتية وتلمودية لمفهوم الأرض والشعب، تشجع على بناء المستوطنات بشكل عشوائي وعنيف، ويعادي العرب من منطلقات عقائدية تسعى إلى فرض التصوّر الهلاخي (الفقهي) المتشدد في ما يتعلق بتعريف اليهودي وأحكام الزواج وغيرها، بشكل أزعج معتنقي اليهودية الليبيرالية والإصلاحية في الولايات المتحدة وأوروبا، وبشكل يهدد مصير عرب الخط الأخضر، كما تجد الجماعات العلمانية صعوبة كبيرة في التصدي لأصحاب «الأردية السوداء» هؤلاء.
وهكذا فإن مسألة هذه العلاقة ظلت في حكم «تأجيل البت والتنفيذ» منذ البداية، وحين بدأت أولى ملامح معالجتها، نحا ذلك منحى الانتصار للدين ومحاصرته للدولة، والواقع أنه لا تزال هذه القوى الدينية بعيدة عن الإمساك بمعاقل القرار في الدولة، ولما تصل سلطتهم بعد إلى الحد الذي يمكن وصف إسرائيل تبعاً له بأنها دولة دينية خالصة، بسبب من تركز نواة القرار الحقيقية والنهائية في يد المؤسسة العسكرية والأجهزة الاستخبارية المعلمنة في جوهرها، وهي تسير وفق منطق خاص شيئاً ما باعتبار أن إسرائيل هي مجتمع عسكري بالأساس.
ولقد أفرد الباحث ماريوس شاتنر في كتابه الأخير عن «الوجه الآخر لإسرائيل» حيزاً مهماً لدراسة هذه الإشكاليات الحقيقية في المجتمع الإسرائيلي، التي غطاها طويلاً الصراع العربي الصهيوني، وبيّن بتوفيق كبير كيف أن «إسرائيل الأخرى» كما يسميها هي إسرائيل مخيفة ومرعبة بالنسبة إلى مستقبل الشعب اليهودي قبل الشعب الفلسطيني. ومثلما بيّنت ذلك في إحدى دراساتي السابقة، فإن هذا الكتاب كتب في الأصل لأسباب عائلية بحتة، حينما صدم وهو العلماني بزواج ابنته من يهودي حريدي متشدّد، فوضعه كرسالة منه إلى حفيدته محاولاً فهم كيفية حصول هذا الانقلاب في داخل بيته، وهو الذي حرص على تربيتها بعيداً عن هذه الأصولية المتشددة، وقد اعتبر شاتنر أن الفشل الحالي لما يعتبره بالقوى الديموقراطية، إنما هو نتاج لهذا الفشل التاريخي الأول الذي أبقى الباب مفتوحاً أمام صعود القوى اليمينية الدينية وابتزازها للدولة، معتبراً أن تواصل هذا المأزق التاريخي من شأنه أن يحوّل الصراع في الشرق الأوسط داخلياً وخارجياً إلى صراع ديني بالأساس.
وعلى الرغم من تشاؤمه الآني فإنّ شاتنر حافظ على بعض الأمل عندما اعتبر أن مستقبل الصراع قد يكون مختلفاً لو تم إيجاد صيغة من صيغ الجمع بين اليهودية التقليدية وعصر الأنوار اليهودي يقف في وجه البربرية عوض الارتماء في أعضاء كوكتيل قاتل من القومية والدين، التي نبّه إلى مخاطرها البروفيسور يهوشواع ليبوفيتش منذ عام 1967 حينما حذر من مخاطر العمى التاريخي الذي تسببت فيه انتصارات عسكرية برقية، مهدت بدورها لنشأة التطرف اليميني الديني وتناسل حركات كاخ وما لفّ لفها.
وقد بين أحمد الطيبي عضو «حركة بلد» أنه لا يمكن أن توجد دولة يهودية وديموقراطية في ذات الوقت، لأن واو المعية لا معنى لها، فإما أن تكون ديموقراطية وإلّا فلا، لأنها بالنسبة إلى العرب يهودية وبالنسبة إلى اليهود ديموقراطية، وفي ذلك اختزال لكل المشكل.
إن العرب والفلسطينيين يحتاجون إلى متابعة لصيقة لهذا التيار الديني، اليميني وهذه الأصولية اليهودية، التي وإن لا تشكل اليوم سوى حوالي 15 بالمائة من الإسرائيليين إلا أن مستقبل الأيام سيشهد بالتأكيد ازدياداً ديموغرافياً لعددهم ولتأثيرهم السياسي، وتوجهاً مطرداً لإسرائيل نحو اليمين الديني، والاعتبار من ذلك والاستعداد لتداعياته على القضية الفلسطينية ومجمل الشرق الأوسط.
لقد بدأ الصراع عربياً إسرائيلياً، ثم صرنا نسمع عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولعل المستقبل ينبئ ربما بتحوله إلى صراع يهودي إسلامي في صيغة محدثة للصراع التاريخي التوراتي والقرآني.

شهادة عاموس عوز: كل يهودي متطرّف يعتقد نفسه (المسيح المخلّص)
تناول الروائي الإسرائيلي عاموس عوز ما يصفه الإسرائيليون بالانقلاب في الحياة اليهودية، من خلال معايشته للمجريات في أحياء القدس في بداية الثلاثينيات والأربعينيات وحالة القدس كما تبدو عليه اليوم في نص من روايته «في أرض إسرائيل» التي ترجمها رشاد الشامي.
يقول عوز في نصّه: «كان من الطبيعي أن أبدأ جولتي بحي جيئولا بالقدس الغربية. وعندما عرجت إلى شارع «ملوك إسرائيل» شعرت ببرودة في أوصالي، فقد كنا في فصل الخريف، ووجدت الشارع كعهدي به يعج باليهود التقاة (الحريديم) من مذهب المتصوفة، يرتدون ثيابهم الطويلة السوداء، وقد طالت لحاهم حتى بلغت صدورهم أو تكاد، يضعون العدسات الزجاجية فوق أعينهم، ويتحدثون باليديشية.. حقيقة أن الوجوه جديدة بالنسبة لي، ولكن الشوارع والطرق والأزقة والحارات والمباني والمتاجر مألوفة، كأنني غادرت المكان بالأمس فقط، وتذكرت أيام طفولتي في هذا الحي. لقد كان المكان يعج بالمثقفين اليهود الذين وفدوا من أوروبا الشرقية، وباللاجئين المتعلمين الذين هربوا من ألمانيا والنمسا خوفاً من بطش النازية. كانوا يعيشون جنباً إلى جنب في سلام مع طائفة اليهود الأرثوذكس المتعصبين دينياً.
كنت تستطيع أن ترى هنا جميع الفئات: الحرفيين والطلاب والمسؤولين بالنقابات العمالية، ورواد (الحزب الديني القومي)، وأصحاب المدرسة التنقيحية في الدين، وموظفي حكومة الانتداب البريطاني، وعاملين في الوكالة اليهودية، وأعضاء منظمتي (الهاغانا) و(إرجون تسفائي لئومي)، أي المنظمة العسكرية القومية، وأعضاء (منظمة الشباب) التابعين لحزب (حيروت)، وأعضاء (الحركة الاشتراكية الموحدة) المبام، ومنظمة (بني عقيبا)، والحركة الشبابية الدينية، وباحثين بارزين، وحمقى، ومجانين تحرقهم أنوار النبوءة، أولئك الذين كانوا يعتقدون أنهم خلقوا ليصلحوا العالم، وها إن كل واحد منهم يعتقد أنه هو نفسه (المسيح المخلّص) المنتظر الذي سيخلّص اليهود من آلامهم، وفي سبيل هذا الاعتقاد فهو على استعداد دائم لصلب معارضيه ليصلب هو نفسه في النهاية.
(ولكن) كل هؤلاء قد ذهبوا بعيداً دون أن يخلفوا أي أثر أو علامة تدل على أنهم كانوا هنا في وقت من الأوقات. وتساءلت أين ذهبوا؟ هل غادروا المكان، أم غيروا أفكارهم؟ أم عساهم وجدوا مكاناً أكثر اعتدالاً يستطيعون التفكير والتنفس فيه؟ لعلهم اكتشفوا أن الحيّ يلفظهم، وأن سكانه لا يؤمنون بما يقولون، أو أن المكان غير قابل للتغيير، وأن أهله يؤمنون بمعتقدات وأفكار ورثوها عن أجدادهم منذ آلاف السنين، عن الحياة والموت والخلاص والأغيار (غير اليهود) الآخرين، تلك المعتقدات التي ضربت بجذورها عميقاً حتى أصبح مجرد مناقشتها أمراً غير مسموح به، لعله يؤدي إلى اندلاع براكين السخط والغضب. وأخذت أقلّب النظر وأعمل الفكر فيما انتهت إليه الحال في هذا الحي العتيق، لقد عاشت الصهيونية هنا فترة من الزمن تكتسي العلمانية، لكنها طردت وأبعدت بعد أن هزّتها المعتقدات اليهودية الراسخة الموغلة في التطرف. لقد انتصرت اليهودية الأرثوذكسية وطائفة (الحسيديم) في حيّ جيئولا بالقدس الغربية على الصهيونية.
حسناً، لقد رحلت العلمانية إذن من الحيّ، وأصبح المكان يحفل الآن (بالحسيديم) وتلاميذ المدارس التلمودية الذين أقبلوا من أحياء أخرى مثل حي «مائة شعاريم»، بل من أماكن بعيدة من العالم مثل نيويورك وتورنتو وبلجيكا، وأصبحت اللغة اليديشية هي لغة الشارع.
لقد رأيت بعيني انبعاث اليهودية الأرثوذكسية، وبدأت أتساءل: هل ستدخل في صراع مع الصهيونية؟ ولكن هل تناسوا فوائد الصهيونية التي لا يمكن إنكارها. لقد استطاعت أن تحوّل عن طريق شبكة معقدة ومتداخلة عرق عامل أميركي من ديترويت وفلاح من أوهايو أو ميسوري إلى أموال تتدفق إلى داخل إسرائيل، ثم تتغلغل في أنسجة الصهيونية وتمتص في النهاية داخل هذه الأحياء السكنية ينفق منها على المدارس التلمودية، ونظام الخدمة الاجتماعية (التاح) للحاخامية الكبرى، وعلى المؤسسات الدينية التي تنفق المعونات الخيرية على الفقراء والمحتاجين».

عقائد وطقوس
الحريديم هم جماعة من اليهود المتدينين يعيشون حياتهم اليومية وفق التفاصيل الدقيقة للشريعة اليهودية. واسمهم هو جمع لكلمة «حريدي» وتعني «التقي».
يرتدي الحريديم عادة أزياء يهود شرق أوروبا، وهي المعطف الطويل الأسود والقبعة السوداء ويضيفون له الطاليت ويرسلون ذقونهم إلى صدورهم وتتدلى على آذانهم خصلات من الشعر المقصوع، وأحياناً ترتدي النساء البرقع الذي يشبه النقاب إلى حد بعيد. وهم لا يتحدثون العبرية على قدر استطاعتهم (باعتبارها لغة مقدَّسة) ويفضلون التحدث باليديشية. وتتميَّز عائلات الحري ديم بزيادة عددها لأنهم لا يمارسون تحديد النسل.
ويتميزون بتبنيهم للتفاسير الأكثر غلواً في التراث الديني، وللتشدد في أداء العبادات والطقوس الدينية، بما يدفعهم إلى الانعزال عن اليهود غير المتقيدين بحذافير التعاليم الدينية، وهم ينتظرون مجيء المسيح اليهودي المنتظر ليخلّصهم من متاعب الحياة.
معظم الذكور في المجتمع الحريدي يبقون في المدارس الدينية حتى سن 40، وبالتالي فهم لا يشاركون في القوى العاملة في المجتمع الإسرائيلي، وهو الأمر الذي يفسر عيشهم في ظل ظروف سيئة وفي حالة فقر مع الاعتماد الكبير على دعم الدولة، وبالتالي فإن المشاركة في الجيش أو النشاطات الاقتصادية أو الأدب الحديث أو الرياضة أو الموسيقا أو الأفلام والتلفاز تعتبر خطيئة.

اليهودية الإصلاحية
تأسست الحركة الإصلاحية اليهودية، في القرن الثامن عشر الميلادي. وعنها يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري: «توجد معابد إصلاحية في نحو 29 دولة تابعة للاتحاد العالمي لليهودية التقدمية، ويبلغ عدد أتباع الحركة نحو 1.25 مليون. لكن الولايات المتحدة لا تزال المركز الأساسي الذي يضم معظم أعضاء هذه الفرقة. وتوجد 848 إبرشية يهود إصلاحية في الولايات المتحدة، ويشكل الإصلاحيون 30% من كل يهود أميركا المنتمين إلى إحدى الفرق اليهودية (مقابل 33% محافظين و9% و26% لا علاقة بهم أي فرقة دينية أرثوذكس) ومع هذا تذكر أحد المراجع أن عدد اليهود الإصلاحيين مليون و300 ألف... وقد اعترفت روسيا باليهودية الإصلاحية باعتبارها مذهباً يهودياً. وبالفعل، توجد جماعة يهودية إصلاحية الآن لها مقر في موسكو. ويمكن أن نتوقع انتشار اليهودية الإصلاحية لأنها صيغة مخففة سهلة من العقيدة اليهودية تناسب تماماً يهود روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء ممن يودون التمسك بيهوديتهم وإظهارها والإعلان عنها حتى يتسنى لهم الهجرة إلى إسرائيل. ولكنهم، كباحثين عن اللذة، لا يريدون في الوقت نفسه أن يدفعوا أي ثمن عن طريق إرجاء المتعة أو كبح ذواتهم أو إقامة الشعائر. واليهودية الإصلاحية تحقق لهم كل هذا، فهي تتكيف بسرعة مع روح العصر، وكل عصر».