تقارير

أفغانستان.. لم تعد ملاذاً للإرهابيين الدوليين

تقول الحكمة التقليدية إن سحب كل، أو عدد كبير، من القوات الأميركية من أفغانستان، سيؤدى إلى استيلاء «طالبان» على السلطة، وخلق ملاذ آمن جديد للمسلحين، الذين يعتزمون مهاجمة الولايات المتحدة، وقد تطرق الرئيس ترامب لذكر هذا التهديد، في خطاب ألقاه في شهر أغسطس الماضي عن استراتيجيته للحرب، قال فيه إن «الانسحاب المتسرع سيخلق فراغاً سيملؤه الإرهابيون، بما في ذلك داعش والقاعدة، تماماً كما حدث قبل الحادي عشر من سبتمبر»، ولكن هذه العواقب الوخيمة التي ذكرها ترامب، أبعد ما تكون عن اليقين، وفيما يلي خمسة أسباب تدعوني للاعتقاد بأن الوقت قد حان لإعادة تقييم افتراضاتنا بشأن احتمالات تحول أفغانستان لملاذ آمن للإرهابيين.
أولًا، في حين أن مقاتلي «طالبان»، يمثلون أعداء لديهم وجود في ساحة المعركة، وسيطرة على جزء كبير من البلد، فإنهم أبعد ما يكونون عن القدرة على غزو أفغانستان كلها، فأعداد القوات المسلحة الأفغانية، تفوق أعداد قواتهم بأغلبية ساحقة، كما أنه من المؤكد تقريباً أن الولايات المتحدة والغرب، سيواصلان تقديم الدعم المالي، والاستخباراتي، والمشورة، والمعدات العسكرية، للحكومة الأفغانية حتى بعد الانسحاب.
ثانياً، حتى لو حدث وأن بادرت «طالبان» بغزو كابول، فهل ستكون راغبة بعد ذلك في الترحيب بتدفق الإرهابيين الدوليين المصممين على ضرب الولايات المتحدة إلى أفغانستان؟. لا أعتقد ذلك. فمنذ ثلاثة أشهر احتفل الملا «هيبة الله أخوندزادا» بعيد الأضحى بالإعلان رسمياً أن أي منطقة تحت سيطرة «طالبان» لن تستخدم في إيذاء أي دولة من الدول. ولكن هل يمكن الوثوق بما قاله زعيم «طالبان»؟ نعم، لأن قادة الحركة باتوا يدركون تماماً أن إيواء «القاعدة» قبل هجمات 11 سبتمبر، أدى إلى غزو بلادهم من قبل تحالف بقيادة الولايات المتحدة، مما أجبرهم على الهروب إلى المنفى السياسي، وأسفر عن مصرع الآلاف من مقاتليهم وقادتهم، وتآكل شرعيتهم.
ثالثاً، أن حركة «طالبان»، وتنظيم «داعش» يكرهان بعضهما بعضاً كراهية عميقة، مما يجعل من فكرة ترحيب «طالبان» بالتنظيم في أفغانستان فكرة غير قابلة للتصديق، وخصوصاً أن التقارير الصحفية تشير إلى أن «طالبان»، قد قتلت عدداً من مسلحي «داعش»، يفوق ذلك الذي قتلته قوات الأمن الأفغانية.
واستحكام العداء بين الحركة والتنظيم، يرجع إلى جذور «طالبان» العميقة المحلية، وتركيزها على الأهداف الوطنية، كما يرجع أيضاً إلى أن تفسير «داعش» المتطرف جداً للدين، مما يخلق أيضاً توترات شديدة بين التنظيم و«طالبان».
أما فيما يتعلق بتنظيم «القاعدة»، فنجد أن التنظيم يركز في الوقت الراهن على الجماعات التابعة له وخاصة في سوريا واليمن، وليس في جنوب آسيا، وأما الإرهابيون التابعون للتنظيم في أفغانستان، الذين وصفتهم وزارة الخارجية في كثير من الأحيان، بأنهم السبب الذي يمكن أن يجعل أفغانستان بؤرة للإرهاب الدولي، فهم ينتظمون في جماعات تركز أساساً على المظالم المحلية والإقليمية، ولا توجد لديها القدرة، أو حتى النية، للعمل على الصعيد الدولي.
رابعاً، في أعقاب «الربيع العربي»، وعدم الاستقرار العميق الذي اجتاح بعض البلدان العربية، باتت هناك ملاذات آمنة عديدة يعمل فيها الإرهابيون الدوليون، مما يقلل من فائدة أفغانستان بالنسبة لهم.
خامساً، وأخيراً، أن قدرات الولايات المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب والدفاع عن تراب الوطن، قد شهدت تحسناً هائلاً منذ الحادي عشر من سبتمبر، فمن الصعب الآن تصور النموذج القديم للإرهابيين الذين يتلقون تدريباً في أفغانستان، من دون عوائق، ثم يسافرون إلي الولايات المتحدة لشن هجمات ضدها، وبات من الأيسر، بدلاً من ذلك، تخيل خلية من المتطرفين الذين يتمتعون بمهارات حاسوبية جيدة، وهم يقومون بالتخطيط لأعمال عدائية ضد الولايات المتحدة من شقة في لندن، أو باريس، أو بروكسل، وليس من مناطق أفغانستان النائية.
والسؤال: ماذا يعني ذلك للسياسة الأميركية؟ في رأيي أن الزيادة الأخيرة للقوات الأميركية، ستساعد الحكومة الأفغانية على مواجهة «طالبان»، ولكن ليس بالضرورة على هزيمتها. وعلاوة على ذلك، ستقدم تلك القوات الإضافية، دفعة معنوية لحكومة الرئيس الأفغاني أشرف غني، إلا أنها لن تفعل الكثير من أجل كسر الجمود السياسي، بين الفصائل الأفغانية التي تتقاتل على توزيع السلطة.
ولكن الأمر المؤكد، مع ذلك، هو أن التزاماً عسكرياً أكبر من جانب الولايات المتحدة في أفغانستان، سيكون له تأثير كبير على مواجهتنا ضد الإرهابيين الدوليين. ولكن، نظراً للتكلفة -التي تصل إلى 40 مليار دولار في السنة- واحتمال وقوع المزيد من الإصابات الأميركية، فإنه يتوجب علينا أن نختبر بدقة افتراضاتنا بشأن «طالبان»، وبشأن التهديد الإرهابي الذي يمكن أن تمثله. فقد حان الوقت لتوضيح ما نأمل أن نحققه في أفغانستان على وجه الدقة.

* زميل الاستخبارات الوطنية بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»