صحيفة الاتحاد

ثقافة

نجوم الغانم: هذا بوح حسن شريف الأخير عن الحياة والفن والأصدقاء

نجوم الغانم مع حسن شريف اثناء تصوير فيلم «ادوات حادة» (من المصدر)

نجوم الغانم مع حسن شريف اثناء تصوير فيلم «ادوات حادة» (من المصدر)

إبراهيم الملا(دبي)

تشارك الشاعرة والمخرجة نجوم الغانم في الدورة المقبلة من مهرجان دبي السينمائي الدولي (6 إلى 13 ديسمبر المقبل) بفيلمها التسجيلي الطويل «آلات حادة» الذي يلامس ويحاور التجربة الجامحة، والشديدة الخصوصية للفنان التشكيلي الراحل حسن شريف، الذي لم يكن فقط رائداً للفن المفاهيمي في الإمارات والعالم العربي، بل توفرت تجربته أيضاً على اختبارات ورؤى وانكشافات عميقة على الذات والوجود وأسئلة الفن الصادمة، والمشتبكة بالارتياب واللاطمأنينة تجاه الشكل النمطي المهادن والمتصالح مع جموده وهدأته.
اختير فيلم نجوم الغانم للمنافسة على جوائز مسابقتين مهمتين في دبي السينمائي، وهما: «المهر الإماراتي» و«المهر العربي»، الأمر الذي يوحي بأهمية هذا العمل البصري، وقيمته الاحترافية العالية فيما يمسّ التعاطي مع الفيلم التسجيلي كوثيقة تؤكد على أثر الإبداع الإنساني، وتضيء كذلك جوانب كثيرة على صنّاع هذا الإبداع، والمهمومين به حتى النخاع.
في حوارها مع «الاتحاد» تفصح الغانم عن جوانب وتفاصيل ودوافع إنتاج هذا الفيلم، وتقدم شهادة مؤثرة حول شخصية الفنان حسن شريف، والإرث الذي تركه مفتوحاً على مقاربات وتفسيرات عدة، ما زالت مفاتيحها مرهونة الآن ومستقبلاً بيد النقاد والباحثين والمهتمين بهذه التجربة المبهرة والاستثنائية.
قالت الغانم بداية: «تربطني بحسن صداقة تاريخية طويلة وأصيلة، ومنذ سنوات قلتُ بصوت عال في إحدى الندوات إنني أريد عمل فيلم عن حسن شريف. هذه الرغبة كانت قديمة وحاضرة دائماً رغم مرور السنوات، وأظن أنه كان مكتوباً لنا أن نلتقي مجدداً للعمل على مشروع آخر شبيه بمشروع استديو المريجة بالشارقة الذي خضنا تجربته في منتصف الثمانينيات تقريباً؛ من هناك كانت البداية الحقيقية، وهناك تركنا ذاكرتنا حية وربما حملنا ظلالها معنا إلى حاضرنا، حتى أصبحت تشكل عموداً فقرياً في قصة ماضينا كـ(مجموعة أقواس)».
وأشارت إلى أنها تحدثت مع حسن منذ ثلاث سنوات عن رغبتها في عمل فيلم عنه، وقد رحب بالفكرة ولكنه كان بحاجة للتفكير. ثم اتفقا على ضرورة البدء على الأقل بتسجيل المقابلات الصوتية وتحمس لذلك وبالفعل قامت بالتسجيل.
وعن تأثير وفاة حسن شريف على سير العمليات اللاحقة للفيلم، لفتت الغانم أنها كانت مدركة تماماً لوضعه الصحي وظروفه، وكانت تشعر أنه يقاوم التعب ليبقى مع فريق التصوير فترة أطول. وقالت إن التحدي كان ماثلاً في سؤال مقلق وهو: إلى متى سيمكننا أن نعاود زيارته لاستكمال البحث والتصوير. مضيفة: «لكنه كان مليئاً بالحماس وراغباً بصدق لمشاركتنا حكاياته وأعماله والاستراحات التي كنا نأخذها أثناء التصوير. كانت أياماً غنية رغم قصرها، وبالمناسبة كنتُ قد بدأت مونتاج الفيلم في فرنسا قبل وفاته وكنتُ قد قمت بزيارته في المستشفى قبل السفر وتوديعه».
وحول خصوصية التجربة التي قدمها الراحل في مجال إنتاج الفن المفاهيمي وكيفية اقتراب الفيلم من شخصية الفنان وطقوسه، ومن أي زاوية قاربت إنتاجه الفني، قالت الغانم: «في الحقيقة حسن له قيمة عالمية لأنه المؤسس الحقيقي للتيار الحداثي المتعلق بالفن التشكيلي في هذه المنطقة كلها. لا أحد يشبه حسن، لا هنا، ولا في أي مكان آخر في المنطقة؛ على الأقل لم يكن هناك أحد يشبهه في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات. هذه القيمة الكبيرة لهذا الفنان هي واقع فعلي وليست خطاباً دعائياً».
ووصفته بالمثقف الراقي جداً حين يتعلق الأمر بالثقافة، وحكيم في نظرته الحياتية حين يتعلق الأمر بتوجهه الفلسفي، وحائك حين ترتبط المسألة بصنعته، مضيفة: «كان هذا أكبر التحديات؛ كيف يمكن تسليط الضوء على هذا العالم القائم بأسره من خلال فيلم غير روائي وبصورة يجب أن تشبهه».
وقالت الغانم: «لقد وضعني هو أيضاً في تحد مهول حين طلب مني شيئاً خاصاً ستدركونه حين تشاهدون الفيلم، انتظروا مشاهدة الفيلم في مهرجان دبي السينمائي وستكون هناك الأجوبة كاملة وواضحة عن هذا السؤال».
وعن الميزة أو البصمة الروحية المختلفة التي يقدمها هذا الفيلم مقارنة بأفلامها التسجيلية السابقة، أشارت الغانم إلى أن ما يميز الفيلم أنه عن فنان استثنائي، ولغة الفيلم مختلفة، وكذلك أسلوبه وبناؤه وشكله. فهو يقترب من الشخصي ويذهب إلى البصري الفني وإلى عناصر الفنان وأدواته بصورة شخصية جداً، لكنها أيضاً منفتحة على الآخر. إنه يسجل بوح حسن شريف الأخير عن الحياة والفن والأصدقاء والعناء والعتب والسخرية. وتمنت الغانم في نهاية حديثها أن يرى الجمهور في الفيلم ما يليق بحسن شريف، قائلة: «لقد قمت بما كان في مقدوري، والحكم سيكون للنقاد والمشاهدين ومحبي حسن وأصدقائه. أتمنى أن يأتي الجميع كي يكونوا إلى جانب حسن شريف».

بسلاسة.. وبلا عوائق مادية
أشادت الغانم أثناء الحوار بالدعم المادي والمعنوي الكبير الذي تلقاه مشروع الفيلم من الشيخة حور القاسمي رئيس مؤسسة الشارقة للفنون، ومن هدى إبراهيم الخميس مؤسسة مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، وقالت إن هذا الدعم كان له بالغ الأثر في إنتاج الفيلم، مضيفة أنه عادة ما تكون الظروف الإنتاجية هي دائماً العائق، ولكن مع هذا الفيلم بالذات كان كل شيء يسير بسلاسة ونظام وتفهم من جميع الأصدقاء والمهنيين والداعمين.