الاقتصادي

الأعاصيــر.. تكلفة اقتصادية باهظة وخسائر لا تقوى عليها الدول

حسونة الطيب (أبوظبي)

يطلق لفظ الأعاصير على نسخ من الظاهرة الطبيعية في المحيط المتجمد الشمالي المعروفة باسم الأعاصير الحلزونية المدارية، التي تصل سرعتها لنحو 39 ميلاً في الساعة. وبما أن الأعاصير تعصف في أي وقت من الأوقات، يحتاج الباحثون وخبراء الأرصاد الجوية وعمال الطوارئ، لمعرفتها وتحديد كل منها، حتى يتسنى لهم مراقبتها ورصد حركتها والاستعداد لمواجهتها، ما يجعل إطلاق أسماء معينة عليها، من الأمور المهمة. وحددت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية 21 اسماً بالترتيب الأبجدي.
وربما يكون إعصار «هارفي» الذي ضرب ولاية تكساس الأميركية مؤخراً، أكثر الأعاصير تكلفة سواء في المال أو الأرواح في تاريخ البلاد، ويتطلب حساب الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الإعصار، شهوراً عدة، رغم أن هناك إجماعاً بأنه لن يؤثر بتلك الشدة على النمو العام للاقتصاد الأميركي، لكن من المؤكد أن تأثيراته على الأفراد كبيرة ومستمرة لبعض الوقت.
وتوقع الخبراء، أن إعصار «هارفي»، سيكون أكثر ظاهرة طبيعية شهدتها أميركا من حيث التكلفة التي تقدر بنحو 160 مليار دولار، وبإغلاق مراكز التكرير في خليج تكساس جراء الإعصار التي تقوم بتكرير ثلث النفط الأميركي تقريباً، بدأت أسعار الوقود في التصاعد، ليس على الصعيد المحلي فحسب، بل تجاوزت الحدود للدول المستوردة، كما تم إخلاء 10% من منصات النفط المأهولة بالعاملين في خليج المكسيك، حسب ما ورد عن مكتب السلامة والإنفاذ البيئي.
ونتيجة لتراجع طلب مرافق التكرير من خام النفط، بدأت الأسعار في الانخفاض، حيث يرى بعض خبراء القطاع أن عودتها لمستويات ما قبل الإعصار، ربما تتطلب فترة ليست بالقصيرة. ووفقاً لدويتشه بنك، شكلت مدينة هيوستن التي ضربها الإعصار، 21% من صادرات الكيماويات خلال الربع الثاني من العام الجاري.

الآثار الناجمة
ويقول بريت ريان، كبير الخبراء الاقتصاديين في أميركا، إن الآثار الناجمة عن هارفي ربما تتسبب في تراجع نمو الناتج المحلي الأميركي، بنسبة تصل إلى 20% خلال النصف الثاني من العام الحالي.
وتخطت آثار الإعصار، الخسائر المالية إلى ارتفاع معدل البطالة وغمر نحو نصف مليون سيارة تحت مياه الفيضانات، ما يعرض شركات التأمين لخسائر فادحة.
ورغم الأسماء ذات الطابع السلمي التي تلقب بها الأعاصير مثل، ساندي وكاترينا وريتا وميتش وأندرو وغيرها، إلا أنها تخلف آثاراً مدمرة وخسائر في الأرواح والممتلكات لا تقدر بثمن.
ويقول الباحثون الذين يحاولون فهم التكاليف الناتجة عن التغير المناخي، إن نشاطات الأعاصير المتصاعدة، ربما تكلف العالم ما يتراوح بين 3.9 إلى 15.5 تريليون دولار. وتعتمد الآثار الاقتصادية السنوية للأعاصير، على العديد من العوامل منها، موقع النشاط الاقتصادي وعدد الأعاصير وحدتها والمميزات الجغرافية للمنطقة المتضررة.
وعادة ما تخلف هذه الأعاصير وراءها نتائج تقود إلى نزوح السكان وارتفاع أسعار السكن وارتفاع مستوى البحر وغيرها، وبينما يزيد التغير المناخي من حدة وتكرار حدوث العواصف الساحلية المدمرة، ينبغي فهم التداعيات التي تخلفها مثل هذه الأعاصير ونوعية الأعاصير نفسها سواء كانت حلزونية مدارية أو عواصف.

تداعيات اقتصادية
ودار جدل طويل بين الخبراء الاقتصاديين استمر لعدة سنوات، حول ما إذا كانت الأعاصير تضر بالاقتصاد أم لا، وبينما لا يشك الناس العاديين في هذه الأضرار، يبرر الاقتصاديون تفسيراتهم بأربعة افتراضات: أن مثل هذه الكوارث، ربما تجر البلاد سنوات للوراء بصفة مستديمة، أو تعطل النمو لفترة مؤقتة لتعود البلد المتضررة لاحقاً لسكة النمو، أو ربما ينجم عنها نمواً أقوى بفضل تدفق الاستثمارات لإعادة بناء ما دمرته الفيضانات والأعاصير، أو ربما لا تقتصر على الدفع بعجلة النمو فحسب، لكن تتجاوزها للتخلص من البنية التحتية القديمة واستبدالها بأخرى حديثة.
لكن وفي حقيقة الأمر، توصل الباحثان سولومون هسيانج من جامعة كاليفورنيا البحثية في بيركلي وعامر جينا من جامعة كولومبيا، وبعد بحث أجرياه على 6712 من الأعاصير والعواصف في الفترة بين 1950 إلى 2008، إلى أن هذه الأعاصير ضارة بالنمو الاقتصادي لا محالة. ويقول جينا: «ليس هناك دمار بناء على الإطلاق، حيث تتعرض البلدان لهذه الكوارث لتظل آثارها باقية لعدة عقود».
وتوصل بحثهما، إلى أن مثل هذه الأعاصير، ربما لا يزيد تأثيرها عن التحديات الاقتصادية من صنع الإنسان. وعلى سبيل المثال، تتساوى العاصفة التي يمكن أن يتوقعها بلد ما مرة واحدة كل بضع سنوات، مع زيادة ضريبية بنسبة 1% من الناتج المحلي الإجمالي، كما تتساوى مع أزمة نقدية أو سياسية تضعف معها القيود التنفيذية. وفي حالة العاصفة المدمرة بالفعل التي تحدث مرة واحدة حول العالم كل عشر سنوات، يمكن قياس الخراب بأزمة مصرفية. أما العواصف الأسوأ، فيزيد معها حجم الخسائر وتطول معها سنوات التعافي.
ووفقاً للبحث، أن كل متر إضافي في الثانية من متوسط التعرض للرياح في السنة، يقود لخفض الناتج الاقتصادي للفرد بنحو 0.37% في غضون العشرين سنة التي تلي وقوع الكارثة، ما يعني عدم تعافي الاقتصادي على المدى القصير.

تأثير الأعاصير
وينعكس تأثير الأعاصير على المناخ والاقتصاد معاً. وينتج عن هبوب العواصف الحلزونية، ارتفاع الماء عن سطح البحر بنحو 15 قدماً لتندفع نحو الساحل وتدمر الإنشاءات وكل شيء قريب من الشاطئ، كما أنها السبب الرئيسي في وقوع الفيضانات. وتتسبب الأعاصير أيضاً، في هطول الأمطار الغزيرة، التي قد تستمر أحياناً حتى بعد انقضاء هذه العواصف، كما تصحبها كذلك، الرياح العاتية التي تجتاح كل شيء في طريقها تقريباً من سيارات ومنازل ومزارع وأشجار وغيرها.
أما تأثيرها على الاقتصاد، فمن المعروف أن كل كارثة تنتج عن ظاهرة طبيعية مثل، الأعاصير والفيضانات والنيران، تخلف دماراً واسعاً للممتلكات وسبل عيش الناس، الذين يجبرون على البقاء داخل منازلهم لفترة طويلة من الوقت، ما يعني تعطيل دورة العمل.
وفي سبيل الاستعداد لمواجهة مثل هذه الأزمات الطبيعية، تنفق الحكومات مليارات الدولارات والموارد، بالإضافة إلى أعمال الطوارئ وإعادة تجهيز البنية التحتية.
ومن بين هذه الأعاصير، إعصار «ساندي»، الذي تتسبب في انزلاقات أرضية في الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأميركية في أكتوبر 2012، مع خسائر مالية بنحو 68 مليار دولار وفي الأرواح بنحو 286 قتيلاً. وقبل هذا بشهرين، ضربت العاصفة «إسحاق»، ولاية لوزيانا الأميركية مخلفة 34 قتيلاً وخسائر مادية تقدر بنحو 2.35 مليار دولار.
وإعصار كاترينا الذي ضرب جزر الباهاما، كان الأكثر ضرراً وتكلفة في 2005 ومن بين أعنف خمسة أعاصير في تاريخ أميركا، حيث بلغت تكلفته المالية نحو 125 مليار دولار ونحو 1833 قتيلاً. أما إعصار «أندرو»، الذي سار بسرعة تجاوزت 150 ميلاً في الساعة، فقد أحدث خسائر فادحة في الأرواح تقدر بنحو 65 شخصاً وخسائر مالية وصلت إلى 25 مليار دولار في ولاية فلوريدا وجزر الباهاما في العام 1992.
وسجل موسم أعاصير المحيط الأطلسي في سنة 2005، رقماً قياسياً بلغ 28 عاصفة، بينها سبعة أعاصير كبيرة. وتقدر الخسائر الاقتصادية لهذه الأعاصير مجتمعة، بنحو 209 مليارات دولار، مساوية لسابع أكبر سنة في الخسائر ناجمة عن الكوارث الطبيعية.
وخارج الولايات المتحدة الأميركية، كانت عاصفة بوهولا، الأكثر دموية عندما اجتاحت شرق باكستان «بنغلاديش الآن» ومقاطعة غرب البنغال في الهند في 1970، مخلفة نحو 500 ألف قتيل، مات بعضهم جراء الأمراض التي تفشت بفعل الفيضانات.
يجدر بالذكر، أن موسم الأعاصير في المحيط الأطلسي ينشط في الفترة بين شهري أغسطس وأكتوبر، بعدد يتراوح بين خمسة إلى ستة أعاصير في السنة. وتنبع خطورة الأعاصير من الفيضانات التي تصاحبها، ويُعزى لها 90% من حالات الموت.

تأثيرات المناخ
وفي حين تنحصر الآثار التي تنعكس عن معظم الكوارث الطبيعية، على الأصعدة المحلية فقط، إلا أن لدى أسوئها، المقدرة على تغيير خريطة الكرة الأرضية. وعند اندلاع بركان «تامورا» في إندونيسيا في 1815، لفظ كميات كبيرة من الكبريت داخل الغلاف الجوي، لتنخفض درجة الحرارة في العالم بمقدار 2 درجة فهرنهايت لنحو سنتين بعد ذلك، كما تسبب الزلزال الذي تعرضت له اليابان في 2011، في تحول محور الكرة الأرضية، ما قاد لقصر ساعات النهار.
لا شك في أننا نعيش في اقتصاد عالمي إذا تأثر جزء منه طال ذلك التأثير الكل، وينعكس هذا كلما تعرضت منطقة من المناطق لكارثة طبيعية كبيرة. وفي الفترة بين 2005 و2015، شهد العالم متوسط كوارث طبيعية كبيرة، نحو 260 مصحوبة بخسائر اقتصادية قدرها 211 مليار دولار سنوياً، بجانب خسائر في الأرواح بلغت 76 ألفاً.