الاقتصادي

السيارات الألمانية تتوسع في الصين وأميركا لمواجهة تباطؤ السوق الأوروبية

سيارات فولكس فاجن بأحد الأبراج في فولفسبورغ بألمانيا، حيث ارتفعت مبيعات الشركة خلال 2012 بعد قفزة في الطلب بالولايات المتحدة والصين ( أ ب)

سيارات فولكس فاجن بأحد الأبراج في فولفسبورغ بألمانيا، حيث ارتفعت مبيعات الشركة خلال 2012 بعد قفزة في الطلب بالولايات المتحدة والصين ( أ ب)

يؤكد إعلان شركة «فولكس فاجن» الأخير على استثمار نحو 50 مليار يورو (65 مليار دولار) في عمليات دولية على مدى السنوات الثلاث المقبلة، التوجه الذي تبنته شركات السيارات الألمانية الكبيرة، والذي يقضي بتقليص نشاطاتها في السوق الأوروبية المتعثرة، ما يعزز ريادتها على بقية شركات القارة.
كما تشير الخطة الاستثمارية التي يُخصص معظمها لزيادة نشاط «فولكس فاجن» خارج أوروبا، إلى الجهود التي تبذلها الشركة لاحتلال المرتبة الأولى كأكبر شركة في العالم على حساب «تويوتا» اليابانية. وتعكس كذلك، البرامج الاستثمارية الكبيرة الأخرى التي تطلقها شركات مثل «بي أم دبليو» و»ديملر» المتخصصة في صناعة «مرسيدس»، خارج حدود القارة في غضون السنوات القليلة المقبلة.
وساعدت المبيعات الخارجية في مناطق مثل أميركا الشمالية والصين، وبعض الأسواق الناشئة الأخرى، الشركات الألمانية بالفعل في التصدي لازمة الديون السيادية التي اجتاحت أوروبا في الآونة الأخيرة.
وتحقق شركات صناعة السيارات الألمانية تقدما سريعا في السوق الأميركية، لاسيما شركة «فولكس فاجن» والتي تحقق أفضل نتائج لها خلال ما يقرب من أربعة عقود، إضافة إلى شركات «أودي» و «بي إم دبليو» و «مرسيدس بنز» و«بورش».
ووفقا لبيانات اتحاد مصنعي السيارات الألماني فإن إجمالي حصة شركات صناعة السيارات الألمانية في السوق الأمريكية عام 2005 كان 5,1%. وقد ارتفع هذا الرقم الآن إلى 8,8%.
وفي حين احتفظت السيارات الألمانية طويلا بمكانة مهمة بالنسبة للسيارات باهظة الثمن في سوق الولايات المتحدة فإنها تشق طريقها الآن نحو شريحة الطبقة المتوسطة. وقد باعت «فولكس فاجن» 440 ألف سيارة تقريبا من سياراتها التي تحمل علامتها التجارية في السوق الأميركية العام الماضي بزيادة نسبتها 35% عن العام السابق. ومن بين ما تنتجه الشركة أيضا سيارات «أودي» و «بنتلي» و «لامبورجيني» و«بورش» و«سكودا». واستمر ارتفاع الطلب حتى ديسمبر مما أدى إلى زيادة المبيعات عام 2012 إلى ضعف المعدل الذي كان عليه منذ ثلاث سنوات.
كما أبلت «أودي» و «بورش» بلاء حسنا أيضا، فقد زادت مبيعاتهما بنحو 20% لتصل إلى 140 ألف و 35 ألف سيارة سنويا على الترتيب. وقد حققت «بي إم دبليو» ارتفاعا نسبته 14% بإجمالي مبيعات 348 ألف سيارة من بينها سيارات «ميني» الصغيرة بينما باعت منافستها «دايملر»-صانعة مرسيدس- 305 آلاف سيارة من بينها سيارات «سمارت» و«سبرينتر فان» بزيادة نسبتها 15% سنويا.
زيادة الاستثمارات
وبعيداً عن العودة إلى برامج خفض الإنفاق، قررت «فولكس فاجن» وفقاً للخطة الأخيرة، زيادة الاستثمارات إلى 16,7 مليار يورو سنوياً، أي بزيادة قدرها 4,2 مليار يورو عن ما كانت عليه في الخطة القديمة عند 12,5 مليار يورو.
وتجيء هذه الخطوة على النقيض من عمليات التقشف التي تنتهجها شركات أوروبية أخرى تفتقر للسيولة مثل «بيجو سيتروين» الفرنسية و«فيات» الإيطالية، التي لجأت إلى بيع الأصول أو تقليص الموديلات وتغيير التقنيات خلال السنة الحالية، ليدفع بها التراجع الكبير في المبيعات الأوروبية إلى حافة الهاوية.
ويقول مارتن وينتركورن، المدير التنفيذي لشركة (فولكس): «بصرف النظر عن البيئة الاقتصادية التي تبرز الكثير من التحديات، نسعى لزيادة معدل الاستثمارات أكثر من أي وقت مضى بغية تحقيق أهدافنا بعيدة المدى».
وتتضمن خطة «فولكس» إنفاق ما يقارب 25 مليار يورو على تحديث وزيادة سلسلة الموديلات، البالغ عددها 12 من «أودي»، إلى «بورش» و«سكودا». كما سيتم تخصيص نحو 14,5 مليار يورو لإنشاء مصنع سبق الإعلان عنه في المكسيك، ولزيادة السعة الإنتاجية في روسيا ومصنع «بورش» في مدينة ليبزيج الألمانية في العام المقبل لإنتاج سيارات رياضية أصغر حجماً يُعول عليها الاستحواذ على معظم المبيعات في أميركا والصين.
وذكرت الشركة أن شركاءها في الصين يعتزمون استثمار نحو 9,8 مليار يورو في مصانع وموديلات جديدة على مدى الفترة المقبلة حتى 2015، بالإضافة إلى 50 مليون يورو التي التزمت بها الشركة. ويرى المحللون أن جهود التوسع الكبيرة التي تبذلها الشركات الألمانية، لا تعينها على تقليل اعتمادها على أوروبا فحسب، بل تجعل لحاق الشركات الأوروبية الأخرى بركبها، أمراً بالغ الصعوبة لسنوات عديدة مقبلة.
السوق الصينية
وتستثمر «بي أم دبليو» التي فتحت مصنعاً آخر في الصين خلال العام الحالي، نحو 500 مليون يورو إضافية مع شريكها الصيني مؤسسة «بريليانس أوتوموتيف»، بغرض إنعاش وتيرة الإنتاج هناك. وفي غضون ذلك، تعمل الشركة على إنفاق نحو 900 مليون دولار لزيادة السعة الإنتاجية في مصنع سبارتنبيرج بولاية كارولينا الجنوبية في أميركا، بالإضافة إلى فراغها من الخطة القاضية بإنشاء مصنع في البرازيل بتكلفة قدرها نحو 260 مليون دولار.
أما «ديملر» التي توسعت في الصين بعد منافستيها الأخريتين «بي أم دبليو» و»أودي»، فوضعت خططاً في العام الماضي تستثمر بمقتضاها نحو 2 مليار يورو مع شريكتها الصينية مؤسسة «بكين أوتوموتيف»، ونحو 2,4 مليار دولار أخرى بغرض توسعة مصنعها في ألباما الأميركية.
ومن المؤكد مصاحبة بعض المخاطر لهذه الخطوات، حيث بدأت بوادر قوية من التراجع تسود سوق الصين للسيارات المعروفة بضخامتها، بينما تدل المؤشرات على توجه الاقتصاد العالمي نحو الدخول في دورة أخرى من الركود. وبالنسبة الكبيرة في وفرة الإنتاج، يقول المحللون إن شركات صناعة السيارات ربما تجد نفسها غارقة في فائض ضخم في حالة فشل الطلب في مجاراة ذلك الفائض.
وتتمثل المخاطرة الثانية في الرهان على النوع الخطأ من النمو. وفي الصين على سبيل المثال، ساعدت سيارات «سيدان» الفاخرة الكبيرة على جني معظم أرباح الشركات الألمانية هناك، في حين يتطلع العملاء الأثرياء دائماً إلى السيارات التي تتميز بخيارات أكثر، ذلك التحول الذي تأخرت «ديملر» في إدراكه ما عرَّض مبيعاتها للتراجع. وفي حين أنصب اهتمام شركات صناعة السيارات بقضية التوسع، من المتوقع أن يستمر سوق السيارات الفاخرة في الصين في نمو غير منتظر.
وتواجه «فيات» صعوبة في تنفيذ استراتيجية العودة التي تنادي بضرورة إنتاج المصانع الإيطالية التي لا تعمل بكامل طاقتها لموديلات راقية مثل فئة «ألفا روميو» و»مسراتي»، بغرض تصدير جزء كبير منها خارج أوروبا. لكن تتطلب الخطة التي تجيء في وقت تواجه فيه الشركة ضغوطات من الحكومة الإيطالية بالحفاظ على الوظائف، نجاح «فيات» في بيع عدد كبير من هذه الموديلات. وتواجه كذلك، صادرات السيارات من منطقة اليورو مخاطر تقلبات أسعار العملة التي تتحوط الشركة ضدها، من خلال إنتاج المزيد من السيارات الفاخرة في الأسواق المحلية.
الاستثمارات الخارجية
وشركات صناعة السيارات الألمانية لا تسعى حتى الآن لتعويض الاستثمارات الخارجية عبر خفض التكاليف المحلية. وأشارت «فولكس فاجن» في خطتها الأخيرة إلى استثمار نحو 23 مليار يورو من جملة 50 مليار يورو، في إنشاء مصانع داخل ألمانيا. كما أنفقت كل من «بي أم دبليو» و»ديملر» خلال السنوات القليلة الماضية مليارات اليورو في إنشاء مرافق جديدة للبحوث والتطوير وفي تحديث وتوسيع المصانع القائمة داخل البلاد.
وأعلنت مجموعة فولكس فاجن جروب الألمانية أكبر منتج سيارات في أوروبا مؤخرا أن مبيعاتها العالمية العام الماضي قفزت بنسبة 11,2% لتصل إلى 9,07 مليون سيارة.
وتعد المبيعات التي أعلنتها المجموعة الألمانية قبل انطلاق معرض أميركا الشمالية الدولي للسيارات في مدينة ديترويت الأميركية قياسية، وتعزز مكانتها كثالث أكبر منتج سيارات في العالم بعد تويوتا موتور كورب اليابانية وجنرال موتورز الأميركية. يأتي ذلك فيما بلغت مبيعات تويوتا العام الماضي 9,7 مليون سيارة، في حين بلغت مبيعات جنرال موتورز 9,2 مليون سيارة، وفقا للتقديرات حيث لم تعلن أي من الشركتين مبيعاتهما للعام الماضي.
وذكرت فولكس فاجن أنها تتوقع الوصول إلى المركز الأول كأكبر شركة سيارات في العالم من حيث المبيعات عام 2018. وقال مارتن فينتركورن رئيس مجلس إدارة فولكس إن أداء المجموعة «كان جيدا للغاية في ظل الظروف الصعبة» التي يمر بها الاقتصاد العالمي.
في الوقت نفسه أعلنت شركة بورش الألمانية للسيارات الرياضية الفارهة التابعة لمجموعة فولكس فاجن زيادة مبيعاتها خلال العام الماضي بنسبة 18,7%، مقارنة بمبيعاتها القياسية المسجلة في العام السابق. وذكرت الشركة قبل انطلاق فاعليات معرض أميركا الشمالية الدولي للسيارات أمس إن مبيعات العام الماضي بلغت 141 ألف سيارة، مقابل حوالي 119 ألف سيارة في 2011.
واعتبر ماتياس موللر رئيس بورش إن العام الماضي هو «أنجح عام في تاريخنا». كانت تبعية بورش قد انتقلت إلى مجموعة فولكس في أغسطس الماضي، بعد أن أصبحت الأخيرة صاحبة حصة الأغلبية في أسهم الأولى.
وفي الأسبوع الماضي أعلنت شركة آودي للسيارات الفارهة التابعة أيضاً لمجموعة فولكس زيادة مبيعاتها العام الماضي بنسبة 11,7% إلى 1,46 مليون سيارة. ورفضت فولكس الكشف عن توقعاتها بشأن مبيعات العام الحالي لكنها حذرت من أن استمرار الظروف الصعبة التي تواجهها، خاصة في أسواق غرب أوروبا، على خلفية أزمة ديون منطقة اليورو، سيكون لها تأثير على نتائجها. وقال فينتركورن إن «تحديات قاسية تنتظرنا».
وتنتج مجموعة فولكس فاجن سيارات فولكس وسيات وسكودا وآودي وبورش.

نقلاً عن: وول ستريت جورنال
ترجمة: حسونة الطيب