الملحق الثقافي

الإبداع بعيون امرأة

من أعمال زهرة زيراوي (الصور أرشيفية)

من أعمال زهرة زيراوي (الصور أرشيفية)

د- لطيفة لبصير

الإبداع بعيون امرأة، وهذه المرأة ليست سوى المبدعة المغربية/&rlm&rlm العربية والفنانة التشكيلية زهرة زيراوي التي رحلت مؤخراً عن عالمنا، مخلفة أثرا كبيرا لدى الأوساط الثقافية، سواء في المغرب أو العالم العربي أو الأجنبي. كان صالونها الثقافي محجاً للعديد من المبدعين من مختلف المشارب، دأبت عليه منذ بداية التسعينيات، وأزهرته بأفكار انتقلت إلى أعمال مشتركة وإلى جمعيات أصلت من خلالها ذلك التواصل بين المغرب وبلجيكا، منتصرة لفكرة أساسية كبرى تتلخص في أن الفن والإبداع ينتصران للإنسان فينا، وأن الشعوب حين تزول لا نقف سوى على هذه اليد التي تمنح الأمل بدل الدم.

كانت الكتب الأخيرة التي أبدعتها رفقة أصوات من مختلف بلدان العالم تحمل هذه العناوين: «نحو الأمل»، و«الثقافة جسر بين الشعوب»، وكانت تسعى عبرها إلى ترويج ثقافة التسامح والجسور التي تمتد بأذرع تعانق بعضها عوض القتل والإرهاب.

ضوء خاص

أبدعت المبدعة زهرة زيراوي في العديد من الأجناس الأدبية والفنية، وكأنها كانت تتنقل بين عدة غرف، لكل غرفة ضوؤها الخاص، كما أصدرت العديد من الأعمال الأدبية، منها في القصة القصيرة:«الذي كان»،«نصف يوم يكفي...»، «مجرد حكاية»، «حنين»، ومنها في الشعر: «ليس إلا»، و«لأني»، وأصدرت رواية واحدة هي آخر أعمالها الإبداعية تحمل عنوان «الفردوس البعيد»، كما أنها فنانة تشكيلية لها العديد من الأعمال الفنية المتنوعة.

حين نتأمل إبداعاتها المختلفة، نشعر بأننا أمام مبدعة لا تكتفي بجنس وحيد، وكأن الجنس الإبداعي الواحد الأوحد لا يكتفي بذاته من أجل التعبير عن الحياة والعالم، فالعالم بالنسبة لها ينبغي أن يرى بمختلف الألوان والأشكال. فاللوحة غير القصيدة، كما أن القصة القصيرة هي غير الشعر، وهذه العلاقة بين الأدب والفنون الأخرى تشبه ما عرف به رونيه ويليك وأوستين وارين في كتابهما «نظرية الأدب» بقولهما: «إن علينا أن نرى مجمل الأنشطة الإنسانية على أنها نظام جامع يضم حلقات ذاتية التطور، لكل منها معاييرها الخاصة بها التي لا تتفق بالضرورة مع معايير ما يجاورها من الحلقات». وفق هذا التعريف نرى أن الفنون تلقي الضوء على بعضها، ذلك لأن لكل عالم فرشاة خاصة به، وبالرغم من ذلك تحضر الألوان في كتابة المبدعة زهرة زيراوي، فالعديد من الألوان تنتقل إلى النص مخلفة أثراً فنياً للصباغة داخل المكتوب، وكأنها تدخل في سياق آخر يختلف عن اللوحة التي ترى، في مجموعتها القصصية «مجرد حكاية» نشعر بأننا أمام كتابة ترسم اللوحة من خلال اللغة، تقول:«نصفها الأيمن فقط باتجاه النافذة. رأسها ينحني قليلا باتجاه الأمام. يدها اليسرى تمسك بيدها اليمنى. يمضي الضوء رفيعا بجانب من شعرها الأمامي، وجانب من وجهها وصدرها وباطن ساقها من ناحية اليمين فيحدث ظلا لجسدها الذي يرتسم على أرض الغرفة من ناحية اليسار، ظلال جسدها ترسم امرأة ملكية على الأرض.

عيناها باتجاه الأمام.

ترفع وجهها يتساقط الروب على ساعديها، يبدو لونه الوردي فاتحا أكثر من باقي الروب، فردة الشبشب الأحمر تبدو تحت الضوء أكثر نصاعة من الفردة اليسرى عند ساقيها المنفرجتين بزاوية حادة عتمة لظل حذر.»

من خلال هذا المقطع تنقل لنا الصورة إلى أذهاننا عبر المكتوب، وكأنها تحملها بوساطة اللغة لتعبر عنها بشكل مغاير تماما للوحة، فالمقطع ينقل لنا الوضعية التي تتخذها المرأة وشكلها الخارجي وحركتها داخل الغرفة ليضيف إليه سياقا آخر يمنحه النص الذي يتابع ما يمكن أن تقف عنده اللوحة، ذلك أن ما هو بصري يمنح معنى آخر غير المعنى الذي يشتغل عليه المكتوب، ولذا فإن هذا الإشكال يطرح دوما في نظريات التلقي، فهذه الأخيرة تراهن على التلقي الجمالي المختلف لعمل إبداعي، فالعمل الفني هو غير العمل المكتوب رغم أنهما يتواشجان لينتجا معنى متقارباً، إلا أن لكل منهما عالماً جمالياً خاصاً به.

«عمل الفن»

يحدد الناقد جيرار جنيت في كتابه «عمل الفن» أن هناك اختلافا بين الأعمال الفنية والأدبية رغم أنهما يلتقيان في التعبير الجمالي، ولكن لكل عالمه الخاص، وصيغة وجودية تختلف في المواد التي يعتمد عليها. فاللوحة والمنحوتة إلى غيرها من المواد المرئية تدرك إدراكا جماليا مختلفا عن النص الأدبي، ذلك أننا لا نتلقى أبدا بنفس الطريقة اختلاف هذه المواد، لذا فالذوق الجمالي يختلف من عمل لآخر، وبالنسبة للمبدعة زهرة زيراوي فكانت تؤمن أن شيئا ما يضيفه العمل الصباغي للعمل الأدبي، لأنه ينقل كل الأشياء التي تعبر عنها إلى فن يمنح جمال البصر وجمال الذوق الذي يمكن أن يصل إليه حتى غير المتعلم.

وتتفق المبدعة زهرة زيراوي مع تجديد الأفكار والرؤى، فهي دؤوبة في البحث عن أشكال جديدة سواء في الكتابة أو الفن، ولذا تخلت على العديد من التعقيدات الدرامية في كتابتها القصصية لتحل محلها الحبكة الهادئة، وهي بذلك تراهن على مغامرة الكتابة لكي تصبح الكتابة هي أساس التجربة، فحين تستهل الكاتبة إحدى قصصها، بتمهيد غير اعتيادي مثلا في قصتها «السيد» من مجموعتها القصصية «حنين»، فهي تراهن بذلك على التخلي عن الاستهلالات الكلاسيكية التي تفرش للقارىء العديد من التفاصيل التي كان يتحدث فيها السارد الذي يثرثر كثيرا للحكي عن كل شيء، تقول في مطلع النص:

«ماذا لو كانت لديه ثلاثمائة درهم؟

سيأخذ القطار «الأوردينير» إلى قريته بثلاثين درهما.. ولن يكلفه زواجه من ابنة عمه أكثر من مائة درهم، ستبقى لديه مائة وسبعون درهما، يشتري نقالة خشبية بمائة درهم، أما سبعون درهما الباقية، فستكفيه لاقتناء خضراوات من السوق العام. هكذا يبدأ حياته التجارية».

ففي مثل هذا المقطع الاستهلالي، نجد ذلك الإحساس بالسيد الفقير الذي يحلم، وهو في نفس الآن يحث متلقيه على الحلم معه بأبسط الأحلام التي تبدو بسيطة للغاية ومع ذلك، فهي متعذرة الوقوع بسبب التعقيدات المجتمعية والفوارق الطبقية، لكن الجمال في المطلع هو هذا الحلم الذي يترك المتعاطف في تناغم قوي مع الشخصية وكأنه يؤثر عليه بشكل «لاواعي»، وهذا هو شكل من أشكال التأثير على المتلقي وتحويله من وضع لآخر.

وتراهن المبدعة أيضا على أشكل جديدة في الفن، فلطالما أنجزت وجوها نسائية غريبة غير موجودة في الواقع، أما أنها وجوه تود الظهور وداخلها يعاني من ثقوب سوداء تحيل على ذاكرة بعيدة هي التي تتحكم في مصيرها الآن، أو أن وجها لامرأة واحدة يصير وجوها متعددة بحكم الأوضاع المحيطة بها، والذي يجعل وجهها لا ينفك يتحول ويتجسد في العديد من الوجوه الأخرى، أو المرأة الحصان، وهي امرأة نصفها آدمي ونصفها الآخر حصان، وهي بذلك تود أن تكون مالكة لعالم الأنوثة ولعالم الجموح، إضافة للعديد من الأشكال المتوترة التي لم تتخذ جوابا قارا في شكلها الخارجي، وهي بذلك تراهن كما كانت تقول دوما على الرغبة في ارتياد معان مختلفة ليس بالضرورة أن توافق المجتمع في كل الأشكال المطروقة، معللة بذلك أعمال بيكاسو وسلفادور دالي وماجريت إلى غيرهم من الفنانين الذين غيروا الثوابت الفنية وقاموا بخلخلة الرؤية الفنية المعهودة.

وتعتبر هذه النظرة هامة جدا بالنسبة لمنظري الفن الحديث أيضا، ففي كتابه «تطبيق الفن» يرى أنتوني تابيس أن المجتمع حين يجد نفسه في توافق تام مع الأشكال الفنية، فإن هذه الأشكال الفنية، الأكثر إقناعا قد تفقد مصداقيتها. فبدون صدمة، لن يكون هناك فن، وإذا لم يستطع شكلاً فنياً بأن يفقد بوصلة المشاهد، وأن يحطم له طريقته في التفكير فإنه ليس شكلا فنيا اليوم، ولذا فإن المبدعة اللصيقة دوما بالفن الذي تعتبره ضوءا في مسارها الإبداعي ككل، نقلته أيضا إلى روايتها «الفردوس البعيد» وقد كان آخر أعمالها الإبداعية، وليس غريبا أن يكون اسم بطلته «نجمة»، وهو اسم دال على الضوء الذي يشع ويترك أثر النور والحلم. فالبطلة هي أيضا ترسم وتعيش أوضاعا متعبة في تربيتها بين أم بعيدة عن حضنها والدادة التي تعطف عليها وتمنحها الحب، في حين كانت تنتظره من حضن والدتها، إلى أن تكبر وتصبح أستاذة وفنانة توجه الآخرين تجاه عوالم النور والمحبة ناشدة السلام الروحي والمعنوي في الفن الذي يعتبر مثل علامة توجه طريق الإنسانية وتقضي على الشر الذي استوطن النفوس، منتصرة لفكرة أساسية تكمن في حرية الفرد في أن يعيش عالما حالما يتجلى عبر العمل الصباغي، وأيضا حتى في اختياراته العشقية. فالبطلة تختار زوجا أصغر منها بتسع سنوات، رغم معارضة الأم، لكنها تفكر في أن تمضي باختيارها الذاتي إلى أقصى مدى حتى لو كان هذا الاختيار خاطئا، لأنها وحدها التي تمتلك تقرير مصيرها الخاص.

«الفردوس البعيد»

في عملها الروائي «الفردوس البعيد» تخلق ساردة هذه الرواية سيرة خاصة لـ«نجمة» بطلة الرواية بمعية سير غيرية لشخوص أخرى، وتعتبر هذه السير بمثابة إعادة بناء لكل الذي عبر في حياة الشخصية، وكان القدر الشخصي يتساوق مع الحرية الفردية في تحديد مصير الكائن في مواجهة العالم، مع روايته الأسرية الخاصة المليئة بالاضطرابات، ذلك أن أمها مرت بالعديد من الترحيلات والتهجيرات حين كانت تعيش في سوريا، فخلفت هذه الأوضاع جميعها أثرا بالغا في نفسيتها المرتبكة والحالمة على الدوام، ولا عجب أن تؤثر هذه الأوضاع في شخصية الابنة لأنها تفتقد إلى عالم مستقر وهادئ، فمن الطبيعي جدا أن نجد ذلك الخليط من المشاعر وعدم استقرارها في شكل قار ومنسجم، فهي على الدوام ضاجة بالزمن وبالمحيط، ساعية إلى خلق شخصيات أخرى تستعيد من خلالها توازنها النفسي، وهذا مؤشر قوي على أن الإبداع هو نفسه وليد لحظات القلق والارتحال.

تمتلك بطلة الفردوس البعيد عالما يحلم ولا تنفك تبعثه للآخرين الذين يحيطون بها، بل تعمل على تحميلهم هذا الإرث الذي يصوغ عالما آخر، انطلاقاً من هذه الطاقة التي لا تنتهي من الأعمال الإبداعية، فتحول عوالم نجمة إلى نور قادم، ولذا أمكن اعتبار أعمال زهرة زيراوي وكأنها تصب في نفس الخانة التي ترى العالم بألوان مختلفة تشبه تقلباته هو الآخر. جسدت أعمال زهرة زيراوي حضور الإنسان بكل تحولاته داخل الإبداع، ورغم أنها في كثير من الأحيان تشتغل على المرأة جسدا وروحا، إلا أننا لا نشعر بأن هذه المرأة هي بصدد صراع مع الرجل، ولكنها تخوض صراعا مع ذاتها لكي تحقق كينونتها الخاصة بمعية الرجل، فهي تحضر بشخصية تريد الانعتاق من كل ما يشدها إلى الخلف، وفي لوحاتها تمثل لكل العذابات التي تعانيها المرأة منذ الساعة الأولى للولادة، بحيث جسدت لوحات الخلق والعناق والولادة عوالم خاصة بها، وأضافت إليها وجوها نسائية غير واضحة الملامح، ولكنها تصارع من أجل أن تصعد إلى العالم وإلى فوضاه، ولذا فإن أهم ما يمكن أن نستخلصه من عوالم هذه المرأة، هو أن الحضور النسائي ينبغي أن يكون من خلال اليد التي تبدع وتقاوم وتناضل وتتداخل إنسانيا مع كل الآخرين، وهذا الذي يجعل منها علامة مميزة في الثقافة العربية والأجنبية لكونها ضوءاً مختلفاً لا يبحث سوى عن مد جسور الأمل.