الملحق الثقافي

المدينة.. امتداد مادي للخيال

محمد نور الدين أفاية


من المعروف أن أغلب المفكرين والفلاسفة الذين عبَّروا عن تبرم ما من الوقائع العامة التي عاشوا فيها، واقترحوا عوالم مغايرة يسودها العدل والمساواة والأخلاق والتعايش، ربطوا بين أساليب ترتيب الفضاء المديني بمشروع مجتمعي، حتى وإن استندت تصوراتهم إلى رؤى طوباوية وخيالية. اقترن استشراف مجتمعات بديلة دوما باقتراح قواعد لمدن «فاضلة»، إلا أن الفرق بين «المدينة الفاضلة» و«المدينة الواقعية» هو أن الأولى نتاج رؤية طوباوية، بوصفها رؤية لا تعتمد على مكان، بل رؤية اللامكان ذاته، في حين أن المدينة كما يتم بناؤها على الأرض والواقع، فإنها امتداد مادي لخيال الإنسان، وترجمة لحاجاته ولرغباته في الحركة والاستقرار بهذه الطريقة أو تلك.
وإذا كانت المدينة، بمعناها الكلاسيكي، تشير إلى تجمع من المساكن في شكل أزقة وأحياء، فإن هذا المعنى بقدر ما هو وصفي، يوحي بتكتل أناس فيما بينهم في إطار فضاءات متجاورة. غير أن أغلب الاجتهادات النظرية التي جعلت من المدينة موضوعا للتفكير والبحث، تلتقي حول مفهوم المركز، أي أن المدينة، كيفما كانت أشكال ترتيبها ومرجعياتها الثقافية، يكون لها مركز يساعد على اللقاء، وعلى التبادل بين الناس، وتسندها أطراف تمنحها معاني ودعائم إضافية، كما قد تكون مكونات هذه الأطراف عناصر تشويش على نظام المركز.

فرجة خاصة
يستجيب تنظيم المدينة لإيقاع تحركات الناس، لمستوى الحركة الاقتصادية، للحاجات الاجتماعية والثقافية، على اعتبار أن النسيج العام داخلها يولد لدى كل فرد أو مجموعة قدرة على المشاركة في العلاقات العامة، أو عدم المشاركة بالنسبة للفئات الهامشية. لذلك فإن كيفية ترتيب المركز المديني والإيقاع الذي يميزه، حسب المجتمعات والثقافات، يجعل منه - أي من مشهد المركز- فرجة خاصة. فالمدينة الإسلامية، مثلاً، تعطي للمركز، فضلاً عن شروط الحياة، كل دلالات الفرجة، من ألوان وأصوات وحركات ومشاهد. نجد حول المركز، في غالب الأحيان، أسواق الحرفيين والتجار، كما يتوافر على أهم المؤسسات الضرورية للحياة الروحية والمادية، حيث المسجد، والكتاب القرآني، والحمّام، والسوق... إلخ.
ولذلك فالتفكير في المدينة والتمدّن وفي ما هو «حضري» يتطلب تفكيراً أولياً حول الحياة التي نتطلّع إليها، أو نريد أن نحياها. ومن ثمّ لا ينفصل فعل التفكير في المدينة عن الحاجة إلى التزام مسافة نقدية إزاء المجتمع الذي نعيش فيه. هذا علماً بأن الاهتمام بالمدينة يستدعي درجة من التواضع، بحكم أن المدينة أو المسألة الحضرية والتمدّن موضوعات مركّبة، بحكم كونها تحيل على مختلف المستويات الاجتماعية والسياسية والوظيفية والثقافية والإيكولوجية والتكنولوجية.
سيجد المهتمّ بهذا الموضوع نظريات منها ما ينتمي للأدب الطوباوي، ومنها من انطلق صاحبها في النظر إلى المدينة من تصور هندسي ومعماري متطلّعاً إلى ترجمته أو إسقاطه على الأبعاد الجسدية والثقافية للأشخاص. ولذلك يتعين التساؤل عن موقع الجسد داخل الفضاء المديني. أي أن الإنسان، كما كان يقول أرسطو، جَسَد وروح، باعتبار أن الروح توجه الجسدي بإعطائه وجهاً إنسانياً أو صفة إنسانية. والعكس صحيح، أي أن الروح، من حيث كونها مفتوحة على العالم بوساطة الجسد فإنها تتأثر بمعطيات العالم الذي يتحرك داخله الجسد. لكنه، بفضل توافر الجدية المناسبة، يتحول التصور إلى وجود عيني. ولا شك في أن بعض المدن الإماراتية، لا سيما «دبي» وأبو ظبي، ينطبق عليها هذا الشرط. كما أن مدينة «برازيليا» (الذي صمَّمها وتخيّلها «أوسكار نايميير»)، تمثل نموذجاً لتصور بدا، في البداية، مجرّداً وطوباوياً ولكنه، استناداً إلى عقل عملي وعلى نزوع إرادي، تجسّد في واقع يرتب ويؤطر الحياة والأجساد. الأمر نفسه يمكن أن يقال عن التجربة السوفييتية، في بداية القرن العشرين، التي خلقت مدناً إسمنتية تستجيب لصرامة نمط العيش الذي اختاره النظام السياسي. فالمدن الصناعية، حتى في البلدان الرأسمالية، وكيفيات بنائها جاءت استجابة لضرورات تنظيم حركات أجساد العاملين للاقتصاد على طاقاتهم من أجل استثمارها داخل البنيات الإنتاجية.
الأبعاد البصرية للمدينة
تحيل المدينة، كما أي فضاء أو مكان، أولاً وقبل كل شيء، على الأبعاد الجسدية للأشخاص. وهو ما يستلزم التساؤل عن موقع الجسد داخل الفضاء المديني. من هنا نفهم إلى أي مدى تعمل المدينة على توجيه الإنسان، سواء باعتباره كائناً اجتماعياً أو مستهلكاً أو آلة راغبة أو فناناً أو عاملاً أو عاطلاً.. من هنا انتبه بعض السياسيين المتشبعين، حقّا، بقيم حقوق الإنسان، إلى أهمية الاستثمار في توفير الشروط الضرورية للعيش الكريم للمواطنين، والسعي إلى إسعادهم، حين فكروا في «أنسنة» أحواض عيش الناس؛ لأنه بذلك تتغذّى الروح وينشط الوعي وتصقل الأذواق.
لا شك في أن الجسد يوجد في وضعيات مختلفة في المدينة. فهناك الأجساد المندمجة التي تشعر بدرجات عالية بالانتماء للمكان، على عكس الأجساد المُستبعدة، أو المنبوذة أو تلك التي استولى عليها الشعور بضياع الهوية أو بعدم الاعتراف من طرف الأجيال التي تتناوب على الفضاءات، القديمة والجديدة. كما أن المدينة تعرض على الجسد فرجة تتجدد مظاهرها وشخوصها وألوانها، وأشكالها، حسب الفترات والثقافات. من هنا الأهمية الكبرى للأبعاد البصرية للمدينة، فضلاً عما تقترحه على الناس من وروائح، وأشياء للمس، وأصوات للسمع، ومؤثرات متنوعة تستنفر الحواس.
ليست المدينة عبارة عن أبنية، أو مجرد عملية ترتيب المكان لتأطير تحركات الإنسان؛ لأنها، كما يعتبر «أوليفيي مونجان»، خليط بين ما هو ذهني وما هو مبني، ما هو متخيل وما هو فيزيقي. ولَّد هذا الخلط تداخلاً في الأشكال والتمظهرات، وطرق تدبير الفضاء والناس والرموز، وتعبيرات الخيال، بل وفي أنماط المشاركة السياسية في المدينة. ذلك أن النموذج الذي كان يرى في المدينة عبارة عن تجمعات سكنية مندمجة، يتعرض، يوماً بعد يوم، إلى التراجع والهشاشة. فـ«هيجان» حركية التحضر يدفع القيّمين على شؤون المدينة إلى مراعاة فعل التشتت والتفجر، وتعدد أنماط التحضر في المدينة الواحدة مما جعل الباحثين والمهتمين بالتحولات المجالية والثقافية والسياسية للمدينة يلاحظون أن العولمة تدفع، بالتدريج، إلى تراجع المدن ونمو وتمدد ما هو حضري، حيث يتشابك المدني والقروي، المحلي والوطني والدولي، ويتداخل النزوع إلى التجذر والميل إلى الانفتاح، كما هو الشأن في استدماج عناصر الخيال في مقتضيات البناء. فالمدينة، منظور إليها من زاوية صيرورتها الحضرية، تتقدم إلى الإدراك والرؤية باعتبارها كيانًا متعدد الأشكال والأصوات والحركات، تنتج الفضاءات والرموز. وتتمثل التجربة الحضرية، كما يرى «أوليفيي مونجان»، في الفضاءات العمومية التي تؤطر الأجساد، وتسمح لها بالظهور، وتحدد إيقاع حركاتها. كما أن المدينة مجال معروض على الناس للنظر، كالسينما تماما حيث تؤطر الأجساد وتتقدم إلى الإدراك والتلقي، ضمن بروتوكولها الخاص.
ولدت الثقافة الحديثة ثورات كبيرة على أكثر من صعيد، لاسيما في مجالات الإبداع والذوق والتواصل، واحتلت المرأة مكانة مميزة في كثيرٍ من مستويات التغيير داخل هذه المجالات. ويرى الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني «جورج سيمل» أنه إضافة إلى الثقافة الحديثة والمرأة فإن المدينة تشكل إطاراً حاسماً لقياس حداثة مجتمع ما. ففيها تتفجر تعبيرات الثقافة، وتحصل اللقاءات والتبادلات، وداخل فضاءاتها تنبع الظواهر الجديدة وتنتج الممارسات الثقافية، وتتبلور مبادئ التحضر والتمدن والديمقراطية، وتنتظم المشاركة.
لم تعد المدينة في العالم مسرحاً للتغيرات الاجتماعية - العنيفة أحيانا- فقط، بل صارت مجالاً رئيساً يعبر داخله الإنسان عن ذاته في مختلف تموضعاتها وأحوالها. إنها تمثل، بالفعل، رهاناً اجتماعياً وثقافياً شائكاً، لاسيما أن الهواجس الأمنية تؤكد الغياب المثير، في أغلب الحالات العربية، لمشروع متكامل يهم المدينة باعتبارها كياناً بشرياً يتم التعبير فيه عن المتخيل الجمعي، ومجالاً تتمظهر فيه مختلف الإرادات، وتتواجد فيه الأفكار والحجج والمشاريع، وأحواض عيش يشعر فيها الإنسان بإنسانيته وبطمأنينته.