الملحق الثقافي

عبدالله البردوني درس الشريعة وأصبح محامي المطلقات

البردوني

البردوني

يحول نزاع بين ورثة البردوني حول بيته دون نشر بعض الكتب التي لم تصدر، ولهذا يطالب عدد من الأدباء اليمنيين المؤسسات الرسمية بإيجاد حل للنزاع القائم من خلال تحويل البيت إلى متحف لآثار الراحل وتعويض أسرته عنها· والمتأمل لسيرة البردوني وكفاحه يخلص إلى أنه من الصعب قهر اسمه بالغياب، وأن أية محاولة في هذا الجانب ستأتي متأخرة بعد أن صارهذا الشاعر ضميراً حيّاً لتاريخ بلده الثقافي، ورمزاً كفاحياً في تغلّبه على الفقر وقهره للعمى·
الفقر والعمى
إذا ما زرت قرية (البردون) في محافظة ذمار اليمنية وشاهدت آثار العيش الفقير على وجوه وأجساد وملابس الأطفال سيخطر في بالك اسم عبدالله البردوني الذي ولد في هذه القرية عام 1929 وعاش طفولة أشدّ بؤساً وألماً·
في هذه القرية النائية والفقيرة تلقى البردوني أول الدروس في حفظ القرآن والحروف الأبجدية، كما تلقى أولى المكابدات المادية والمعنوية، فبعد أن أصابه العمى وهو في الخامسة أو السادسة من عمره صار من الصعب عليه أن يذهب إلى المعلامة (الكتّاب) لتحصيل دروسه، حيث كانت أصابع قدميه تنزف بالدم من آثار اصطدامها بالأحجار والنتؤات، ولم يفلح الخيط الأحمر التي كانت تربطه أمه على أصابعه (كحرز) أن يوقف هذا الاصطدام·
تذكّر البردوني في حوار أجريته معه قبل رحيله، ونشر في مجلة ''العربي''، أنهم كانوا يقولون له حين يمضي في الطريق: ''احتكم·· احتكم''، وهي كلمة يقولها بعض الكهول للكهل الذي أصيب بالعمى، أما هو فلم يكن يعترف بالعمى أصلاً لكي (يحتكم)، وقد غادر قريته إلى مدينة ذمار وحاول فيها التوفيق بين تحصيله لدروس (المدرسة الشمسية) والعمل في أي مجال يحصل عليه، حتى أنه عمل كخادم لأحد الشيوخ العجزة، وكان أحياناً يقوم بمساعدة معلمي المدينة التقليديين بتلقين بعض التلاميذ الآيات المقررة للحفظ· وعلى الرغم أنه ظل يعاني الفقر وبقي شهراً في جوع قاتل، فإنه حافظ على مواصلة دروسه في (المدرسة الشمسية) والتي أهلته تعاليمها في الفقه والشريعة والأدب أن يصبح وكيل شريعة (محاميا)·
نصير المرأة
وأدى تعاطفه مع حقوق المرأة الشرعية إلى أن يصبح أبرز المدافعين عن النساء في المحاكم وبالذات المطلقات، واللواتي يتعرضن لاغتصاب الإرث من أخوتهن، حتى عرف حينها بمحامي المطلقات·
والبردوني الذي تزوج مرتين ولم ينجب أطفالاً، عمل بعدها في الإذاعة وكتب كثيراً للصحافة وألف العديد من الكتب في القضايا الثقافية والسياسية، وكان قد أشتهر كشاعر له صوته المميز وقضيته الخاصة، التي هي قضية كل ناس وطنه في تطلعهم إلى حياة أفضل، وتوالت قصائده ودواوينه فصدر له اثنا عشر ديواناً قي حياته· وحظي بتقدير ثقافي عربي واسع حيث كان أحد نجوم المهرجانات الأدبية العربية طوال السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن العشرين· وعرف بوجهته المميزة في كتابة تاريخ اليمن السياسي الحديث حيث تناوله من زوايا أغضبت المعنيين، وكان دائم المشاكسة في طرحه للقضايا الأدبية معتقداً أن الجدل محفزاً للإبداع·
ورغم قصائده وآرائه السياسية الصاخبة لم ينتم البردوني إلى أي حزب سياسي، مع أنه، كان قريباً من اليسار، لكنه اليسار اليسير، كما قال، وليس يسار اليسار· وعلى خلاف الكثيرين من كتّاب القصيدة العمودية واكب البردوني التجارب الشعرية الحديثة فقرأها وقدّمها وكتب عنها، كما كان مطّلعا على ما ينجز أدبياً، فلا يستغرب من أقترب منه إذا هو تحدث عن شخصية من شخصيات روايات نجيب محفوظ أو روايات حنا مينه ومحمد شكري، أو عن قصيدة بعينها لأدونيس، أو عن شعر وديع سعادة، أو عن فيرجينيا وولف وفرنسوا ساجان وسارتر· أمضى البردوني حياته وكأنه في كفاح لقهر العمى والفقر على الصعيد الشخصي أو الإنساني، فهو إذ أنشد النور بديلاً للعمى الإنساني، وغنى الحياة بدلاً عن الفقر كان يضع اسمه في مواجهة الغياب·