تقارير

النفايات الفضائية.. صيدٌ لليابانيين!

هناك الكثير من البوادر التي تشير إلى أن الولايات المتحدة هي الآن بصدد تأسيس عدة شركات فضائية جديدة، وهي تنتظر الآن طرح مشروع قانون يحظى بتأييد مجلس النواب بالإضافة لأمر رئاسي تنفيذي يقضيان بإعادة إحياء «المجلس الوطني للفضاء». وأصبح الفضاء يحتل المزيد من الاهتمام في النقاشات السياسية والأمنية الأميركية، وبالتوازي مع هذه الاهتمامات الفضائية، تزايدت حدة التنافس في أسواق تطوير الصناعات الفضائية وباتت الشركات الرائدة في قطاع الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، وأهمها شركتا «سبيس إكس» و«ون ويب»، اللتان اشتعل التنافس بينهما في مجال رسم الخطط المقبلة لإطلاق ألوف الأقمار الصناعية ذات المدارات المنخفضة، بهدف تزويد سكان الأرض بخدمات الإنترنت بأقل تكلفة ممكنة وحلّ مشكلة محدودية القدرة على دخول لشبكة الإنترنت.
وتكمن إحدى أهم العوائق والمشكلات أمام تحقيق هذا التطور الفضائي العظيم، في صعوبة إدارة مشكلة النفايات الفضائية متمثلة في القطع المعدنية المتناثرة وبقايا الصواريخ والأقمار الصناعية منتهية الصلاحية. وقدرت وكالة الفضاء الأوروبية أن هناك أكثر من 150 مليون جسم معدني هائم في الفضاء من التي تزيد أطوالها عن ملليمتر واحد، وأن 750 ألفاً منها يزيد طوله عن سنتيمتر، تتحرك جميعاً بسرعة تفوق سرعة رصاصة البندقية. وسبق للمحطة الفضائية الدولية ISS أن تعرضت لأخطار الاصطدام بهذه الأجسام عدة مرات منذ تجميعها في مدارها حول الأرض. وفي مايو 2016، اصطدم جسم صغير بالمحطة وأدى ذلك إلى حدوث كسر صغير في إحدى النوافذ الزجاجية. ولا يقتصر خطر هذه الأجسام على إلحاق الأضرار بسفن الفضاء والأقمار الصناعية الموجودة بالفعل على مداراتها حول الأرض، بل يؤثر كذلك سلباً على الخطط المستقبلية لاستثمار الصناعة الفضائية.
ويتوقع أن تتزايد النفايات والأجسام الفضائية بشكل كبير في المستقبل القريب لسببين: يكمن الأول في أن التنافس المتزايد على التطبيقات الفضائية سوف يخلق المزيد من الأطراف المهتمة بإطلاق الأقمار الصناعية وعربات الفضاء خلال العامين المقبلين، وفي النهاية سوف يتجمع عدد كبير من الأجسام في الفضاء المجاور للأرض وخاصة في المدار المزدحم الأكثر قرباً من كوكبنا. ويكمن الثاني فيما اتضح من خلال الاصطدام الذي حدث عام 2009 بين قمر صناعي تجاري أميركي وآخر عسكري روسي، وأدى إلى تطاير آلاف القطع والشظايا في مدار حول الأرض. وتوصل علماء من وكالة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) إلى سيناريو تمثيلي يثبت أن تزايد انتشار النفايات الفضائية المعدنية سوف يؤدي إلى إغلاق مدار أو أكثر من التي تستخدم في التطبيقات الفضائية أو ما يعرف باسم «متلازمة كيسلير». وتذكر إحصائية صادرة عن وكالة متخصصة أن الصين وحدها تسببت في إطلاق أكثر من 150 ألف قطعة معدنية في الفضاء المحيط بالأرض عام 2007 عندما عمدت إلى تدمير أحد أقمارها الصناعية المتخصصة ببحوث الأرصاد الجوية أثناء إجراء اختبار لصاروخ مضاد للأقمار الصناعية.
وتستوحي الإدارة الفعالة لمشكلة النفايات الفضائية فكرتها من ضرورة التخلص المتواصل من القطع المعدنية المنتشرة في مداراتها حول الأرض. وتكمن المشكلة في أن إطلاق الأقمار الصناعية إلى الفضاء يحظى بالكثير من الاهتمام، بخلاف إزالة النفايات الفضائية التي لا يترتب عنها أي عائد مادي أو تجاري. وتكفلت بهذه المهمة كل من وكالة الفضاء الأوروبية ووكالة الفضاء الأميركية «ناسا» عبر تطوير التكنولوجيات والأساليب المناسبة لتحقيق «الإزالة الفعالة للقطع المعدنية» من الفضاء المحيط بالأرض. ويتحدث عالم متخصص بمعالجة مشكلة النفايات الفضائية يدعى «كريستوفر دانييل جونسون» عن ثلاث تكنولوجيات مختلفة ومقترحة للتخلص من القطع المعدنية الهائمة حول الأرض، هي: الدفع، السحب، والتحطيم عن بعد. وفي تكنولوجيا الدفع يتم التقاط القطع المعدنية وتجميعها بطرق معينة مثل استخدام الأذرع. وتشتمل تكنولوجيا السحب على تجميع القطع المعدنية في الغلاف الجوي للأرض وحرقها، وتعتمد تكنولوجيا التحطيم من دون لمس على توجيه أشعة ليزر أو حزم الإشعاعات الأيونية المناسبة نحو القطع المعدنية أثناء حركتها على مدارها وتوجيهها نحو الغلاف الجوي لتحترق بأوكسيجين الهواء.
ومن الوكالات البحثية والشركات العديدة المتخصصة بتطوير هذه التكنولوجيات في العالم، تنفرد اليابان بتطوير التكنولوجيات الثلاث المذكورة. وكمثال عن ذلك أن شركة «أستروسكيل» Astroscale التي أسسها عدد من رجال الأعمال اليابانيين في سنغافورة، أصبحت الآن أول شركة خاصة في العالم متخصصة بمعالجة النفايات الفضائية. وتعمل هذه الشركة على تطوير تقنيات جديدة لالتقاط القطع المعدنية الهائمة في الفضاء باستخدام «لواقط» متصلة بمحطة الفضاء الدولية، وتقول مصادر الشركة بأنها قادرة على التكفل بمهمة جمع النفايات الفضائية.
ومن ناحية أخرى تنشغل «الوكالة اليابانية للكشوف الفضائية» بتطوير «تكنولوجيا الحبال الخاصة» التي تشبه مبدأ صيد الأسماك بالشباك، لكنها مصممة لالتقاط وتجميع القطع المعدنية السائبة في الفضاء. وقام خبراء يابانيون باختبار هذه الطريقة في شهر فبراير 2017، إلا أنها فشلت، لكنهم عازمون على إعادة النظر فيها حتى تحقق النجاح المؤمل منها. ويتولى معهد «رايكين» الياباني للبحوث، بالتعاون مع عدة جامعات مهمة، تطوير أجهزة ليزر قادرة على دفع القطع المعدنية الهائمة في الفضاء وإجبارها على الدخول في الغلاف الجوي والاحتراق بأوكسيجين الهواء.

*خبيرة يابانية لدى شركة «واشنطن كوريه» الاستشارية في ميريلاند
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»