ألوان

طلاب المدارس.. يبحرون في التراث الإماراتي

استكشاف الطلاب لجماليات الحرف التراثية بالمهرجان (تصوير حميد شاهول)

استكشاف الطلاب لجماليات الحرف التراثية بالمهرجان (تصوير حميد شاهول)

حمد السعداوي (أبوظبي)

يواصل مهرجان «سلطان بن زايد التراثي» بمنطقة سويحان في أبوظبي، نجاحه في استقطاب جموع الجماهير من كل الفئات والشرائح العمرية، ومنهم طلاب مدارس أبوظبي، الذين يتوافدون يومياً على منطقة الوثبة حيث يقام المهرجان، للقيام برحلة فريدة في أعماق التاريخ الإماراتي يكتشفون فيها عوالم التراث الإماراتي ويطالعون إبداعات الخبراء التراثيين وأصحاب الحرف اليدوية وغيرهم من العاملين في المجال التراثي، الذين حرصوا على تقديم أفضل ما لديهم من فنون تراثية وقدرة على توصيل عادات وتقاليد وأفكار الأقدمين في إطار من الجاذبية والدهشة تستطيع أن تداعب عقول وأفئدة الطلاب الذين انتشروا في ساحات المهرجان، والذي يقام برعاية كريمة من سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس الدولة رئيس نادي تراث الإمارات، ليستمتعوا خلال الجولة بالتعرف إلى جوانب مهمة من تاريخ الآباء والأجداد.

السنع والمواجيب
يقول جاسم محمد العلوي، مشرف الوفود المدرسية بالمهرجان، إنه يتم استقبال نحو 250 طالباً بشكل يومي من أنحاء مختلفة من إمارة أبوظبي، وذلك بالتنسيق بين إدارة المهرجان ومجلس أبوظبي للتعليم إيماناً من المهرجان، بقيمة تعزيز التراث ومعانيه الثمينة في نفوس الأجيال الجديدة، الذين ستنتقل إليهم راية الوطن لاحقاً وعليهم استكمال مسيرة النجاح والتنمية التي نعيش أزهى عصورها، وفي الوقت ذاته التمسك بإرث الأقدمين، وهو ما تعمل عليه إدارة المهرجان منذ سنوات حين أصبحت زيارات المدارس جزءاً رئيساً ضمن فعاليات الحدث التراثي حين يقام في مثل هذا الوقت من كل عام.
ويتابع العلوي: «خلال هذه الزيارات المدرسية نقوم بتعريف الطلاب والطالبات إلى الكيفية التي كان يعيش بها أجدادنا، من خلال مشاهد متنوعة للحياة القديمة سواء في السوق الشعبي وفي مزاينة الإبل، ومسابقة الحلاب وغيرها من الفعاليات الرئيسة في المهرجان، حيث يتم استقبال الطلاب بشكل يومي من 3 أو 4 مدارس بحسب الخطة الموضوعة، واصطحابهم في جولة شاملة تعرّف الكثير منهم بمعالم التراث للمرة الأولى بشكل حي ومباشر أمامهم، سواء كان حرفاً نسائية أم حرفاً بحرية أم أكلات شعبية يتذوقون بعضاً منها داخل السوق الشعبي، حيث تقدم إليهم الأمهات أصنافاً من هذه المأكولات التي تكشف عن جوانب من المطبخ الإماراتي التقليدي، وفي الوقت ذاته تعرفهم بجزء يسير من كرم الضيافة وضرورة استقبال الضيف على أفضل ما يرام تبعاً لسنع ومواجيب أهل الإمارات».

تواصل مباشر
وحول قيمة التواصل المباشر مع هذه الأعداد اليومية من الطلاب في توصيل رسائل التراث وغرسها في نفوس النشء، يؤكد العلوي أن هناك مشاركة دائمة مع مجلس أبوظبي للتعليم، الذي يسهم بفاعلية في الأحداث التراثية المهمة كافة عبر ترتيب زيارات لطلاب المدارس حتى يتشربوا تراث الأقدمين بشكل مباشر وعبر ورش عملية في فضاءات المهرجانات التراثية، ومن هنا نلاحظ استيعاب الطلاب لهذه الرسائل التراثية عبر شغفهم بها وطرح أسئلة متنوعة عن الحرف وأنماط الحياة القديمة وبالطبع سترسخ هذه المعلومات القيمة في أذهانهم ويتعرفون إلى الحياة الصعبة التي واجهها أهل الإمارات قديماً وكيف استطاعوا التعامل بمهارة مع المكونات البسيطة للحياة المحيطة بهم، وبالتالي يجدر بالأجيال الجديدة استغلال الظروف المحيطة بهم والتي تحمل كل عناصر النجاح والدافعية للتميز، حتى يبذلوا أقصى ما لديهم في خدمة الوطن.

رحلة استكشافية
أما سعيد القبيسي، مسؤول عن الزوار في المهرجان، يقول: «إن مشاركة الفئات الطلابية بهذا الشكل اللافت، تمت بفضل الجهد المبذول من قبل مسؤولي مجلس أبوظبي للتعليم مع إدارة المهرجان، وجميعنا يفخر باستقبال أبنائنا الطلاب والطالبات في القرية التراثية والسوق الشعبي ومكونات المهرجان كافة، حيث كان يتم اصطحاب الطلاب في جولات تعريفية وشرح التراث لهم مع تقديم المشروبات والوجبات الغذائية وإطلاعهم على الاحتفالات المصاحبة والفعاليات المقامة على المسرح بشكل يومي ما يشجعهم على زيارة المهرجان مرة أخرى بصحبة ذويهم للاستمتاع بهذه الفعاليات المسائية بعد انتهاء اليوم الدراسي».
وشدد القبيسي على أهمية التعاون بين إدارة المهرجان ومجلس أبوظبي للتعليم وغيره من المؤسسات المجتمعية التي شاركت بقوة في المهرجان وكان لها دور كبير في إنجاحه وإثراء فعالياته بحيث تشمل كثيراً من ملامح الحياة في المجتمع الإماراتي قديماً وحديثاً.
كما أثنى على دور سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس الدولة رئيس نادي تراث الإمارات، الذي يوجه دوماً بتقديم كل إشكال الرعاية والدعم لكل ما يتعلق بالتراث الإماراتي وترسيخ قيمته خاصة لدى أبنائنا من الأجيال الجديدة، وهو ما أسهم في النجاح الملموس للمهرجان منذ انطلاقه في اليوم الأول، وهو ما نتمنى استمراره بحضور الزوار من كل الفئات والتغطية الفائقة لوسائل الإعلام التي لم تقصر هي الأخرى في تسليط الضوء على كل ما يتعلق بتراث الآباء والأجداد.
ومن المدارس التي جاء طلابها في تلك الرحلة الاستكشافية لتراث وتاريخ الإمارات، مدرسة فاطمة بنت مبارك بأبوظبي، حيث حضر 33 من طالبات الصفين الثامن والتاسع، أتين إلى المهرجان للمرة الأولى، بحسب المشرفة التي أوضحت، أن هذه الزيارة نجحت في تحقيق عدة أهداف أهمها تعريف الطالبات بشكل حي وعملي إلى نماذج من التراث الإماراتي، وربطهن بالهوية الوطنية، وتعزيز معاني الانتماء لديهن، والتكامل مع مناهج التعليم التي تسعى إلى غرس قيمة التراث وتاريخ الإمارات في نفوس الأجيال الجديدة، وتحقيق أسلوب التعلم من خلال الترفيه عبر الأجواء المبهجة في المهرجان، وفي الوقت ذاته حصول الطالبات على وجبة معرفية كبيرة خلال فترة بقائهن في ساحات المهرجان.

الهوية الوطنية
الطالبة دانا رشدي، تقول: «إن الفعاليات المتنوعة تبرز جوانب الهوية الوطنية الإماراتية، سواء الحرف التراثية المتنوعة والمرتبطة بأهل البحر أو غيرهم من سكان المناطق المختلفة في الإمارات، والحرف النسائية التي كان ولا يزال كثير من النساء يعملنها بأيديهن في المنازل حتى الآن، وتعتبر من الأشياء المميزة خلال هذه الزيارة حيث تعلمت كيفية عمل صابون المسك والعود وتحضير بعض المستحضرات التجميلية بأساليب بسيطة وغيرها من أشكال التراث الإماراتي العريق، ولذلك أنصح الطالبات سواء من أبناء الإمارات ومن الجنسيات الأخرى بزيارة المهرجان وعدم تفويته لما له من أهمية من التعلم والتعرف إلى مظاهر الكرم العربي الأصيل، وذلك من أجل الحفاظ على الموروث الشعبي وتعليمه للأجيال القادمة».

ذكرى جميلة
لولو قدري، أكدت من جانبها أن زيارة المهرجانات التراثية تعتبر من الأنشطة التي تشعرها بالبهجة لأنها تخرجها بعيداً عن إطار الشكل التقليدي للأماكن المغلقة الأخرى، وغيرها من الأساليب التي تعرض التاريخ بأسلوب يقل جاذبية عن أجواء المهرجانات المقامة في الهواء الطلق، التي تكون مصحوبة بالمرح في أغلب الأحوال، ونعتبرها ذكرى جميلة مع زميلاتنا ومعلماتنا، كما أننا خلال زيارتنا للمهرجان، استمتعنا بالدروس المفيدة عن الحياة في المجتمع الإماراتي القديم، والتي طالعناها بأعيننا وليس مجرد قراءات في الكتب، وهو ما يجعلنا نشكر مدرستنا التي نسقت هذه الزيارة مع إدارة المهرجان، الذين أحسنوا استقبالنا وقابلونا بالابتسام والترحيب منذ اللحظة الأولى التي جئنا فيها إلى سويحان، وهو ما يشجعني على تكرار الزيارة مع العائلة في عطلة نهاية الأسبوع.
أما رهف عبدالرحمن، فأشادت بالمعاملة الطيبة، وشعرت بأنهم يعاملونهن كبناتهن، ويحرصون على تعريفهن بالتراث بشكل مبسط ويسير، مشيرة إلى أن الأكلات الشعبية الإماراتية بمذاقها المميز كانت من أكثر الأشياء التي أعجبتها وسألت عن طريقة عمل بعضها وستعمل على تنفيذها في المنزل بمساعدة الوالدة.

دور المرأة قديماً
عبّرت رزان جبران، عن سعادتها بهذه الرحلة الجميلة، التي كشفت لها أشياء بديعة في التراث الإماراتي، وكيف أن المرأة كان لها دور كبير في المجتمع القديم وكانت تقوم بالعديد من الحرف الرئيسية وتنتج أدوات يستخدمها الجميع في حياتهم اليومية، وكانت تستطيع المواءمة بكفاءة عالية بين هذه المهام وواجباتها المنزلية، كربة أسرة مسؤولة عن كل ما يتعلق ببيتها خاصة في زمن كانت الموارد فيه قليلة، ولم تكن هناك أجهزة منزلية تساعد ربات البيوت في تأدية مهام المنزل مثلما نرى هذه الأيام، وهو ما يظهر للجميع كيف كانت نساء الإمارات قديما يقمن بدورهن على أكمل وجه وكان لهن دور كبير في مسيرة المجتمع الإماراتي.

زوار صغار
جلس أبناء العم، خالد سعيد الظاهري، وعبدالله حمد الظاهري (3 سنوات) إلى جانب إحدى الخبيرات التراثيات، التي أخذت تقدم لهما بأسلوب «الجدة الحنون» دروسا عملية في المشغولات والحرف التراثية، بعد ان استقبلتهما بحنان، وقامت بعمل بعض الخطوات في صناعة التلًي باستخدام الكاجوجة وبكرات الخيط الملونة، وقال سيف ناصر الغافري، خال الطفلين، الذي اصطحبهما في هذه الجولة الصباحية المدهشة بين تاريخ الآباء والأجداد، إن وجوده إلى جانب أطفال العائلة في مثل هذه الفعاليات التراثية واجب عليه، يقوم من خلاله بمساعدتهم على معرفة تراث وتاريخ بلدهم، وهو شيء يشعره بالفخر حين يرى الاهتمام في عيونهم بمعرفة الحياة القديمة لأهلنا، وبالتالي يشبون على حب هذا الماضي والعمل على الحفاظ عليه، وكذا التمسك بكافة أشكال الهوية الإماراتية من لباس وطني ولهجة محلية نعتز بها وبمفرداتها الجميلة، وكذلك نغرس فيهم القيم والعادات والتقاليد التي نشأ عليها الأقدمون وحملت كل معاني الاحترام وتقدير الغير وتقديم الخير للجميع سواء بالكلمة أو بالفعل كما تعودنا من آبائنا الذين ورثوا هذه الخصال الحميدة من السابقين.