ألوان

ارتباط العمل الخيري بالسياسة.. مرفوض

بعض التبرعات تذهب لتمويل العمليات الإرهابية (أرشيفية)

بعض التبرعات تذهب لتمويل العمليات الإرهابية (أرشيفية)

حسام محمد (القاهرة)

رسخ الإسلام أساليب العمل الخيري من زكاة وصدقات والوقف وغيرها، بهدف خلق حالة من حالات التكافل التي تساهم في ترسيخ أسمى معاني السلام الاجتماعي فلا يحقد الفقير على الغني ولا ينبذ الغني الفقير، وقد حرصت الشريعة الإسلامية على ترغيب المسلم في المساهمة في العمل الخيري لتحقيق الخير ونشر التكافل والتّضامن، وفي الماضي كان المسلم يتوجه بصدقته أو زكاته مباشرة إلى المحتاجين ولكن مع توسع المجتمعات وزيادة عدد المسلمين ظهرت المؤسسات والجمعيات الخيرية التي تقوم بجمع صدقات وزكوات أموال المسلمين لصرفها في مصارفها الشرعية، ولكن للأسف إنحازت بعض تلك الجمعيات إلى بعض الأحزاب السياسية ما جعل هذه الأموال تذهب لمصارف غير شرعية، والأدهى أن بعض تلك الأموال وصل إلى الجماعات المتطرفة التي تتبنى أفكاراً تتنافي مع الفكر الإسلامي الصحيح.

استغلال خاطئ

بداية، يقول الدكتور أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: الواقع يؤكد أن المسلمين لو أخرجوا زكاة مالهم لما بقى فقير واحد في الأمة، شريطة أن يتم استغلال تلك الأموال بطريقة صحيحة، فما بالك إذا نجح المسلمون في توجيه كل صدقاتهم وتبرعاتهم الخيرية في إطار منظم لخدمة فقراء المسلمين وقتها سنكون أعدنا الدور المفقود للعمل الخيري ورسخنا لمفهومه الحقيقي ذلك المفهوم الإيماني الذي يمثل تجسيدا للفهم الصحيح لروح الإيمان التي عبر عنها الشارع الحكيم في كثير من أيات القرآن الكريم، حيث يقول الله تعالى في سورة النساء: (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)، «سورة النساء: الآية 114»، بل إن الإسلام يعتبر من لا يشارك في العمل الخيري كالمكذب بالدين: «أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ»، «سورة الماعون: 1-3»، وهكذا فإن الإسلام جعل الإنفاق في الخير ومساعدة المحتاجين وعدم البخل وعدم اكتنازه المال من الواجبات الحتمية على كل مسلم.

والعمل الخيري قيمة إنسانية كبرى تتمثل في العطاء والبذل بكل أشكاله فهو سلوك حضاري حي لا يمكنه النمو سوى في المجتمعات التي تنعم بمستويات متقدمة من الثقافة والوعي والمسؤولية فهو يلعب دورا مهما وإيجابيا في تطوير المجتمعات وتنميتها فمن خلال المؤسسات التطوعية الخيرية يتاح لكافة الأفراد الفرصة للمساهمة في البناء الاجتماعي والاقتصادي، لكن حينما يتلوث بالعمل الحزبي أو السياسي يفقد جوهره وقد بدأ بعض تلك الأموال يضل طريقه، فإما أنها تصل للجماعات الإرهابية التي تستغلها أسوأ استغلال فتنفقها على أتباعها بما يرسخ لأفكار تلك الجماعات المتطرفة، أو تصل لناس لا تستحقها، وقد رأينا ذلك في الأموال التي تصل لجماعة الإخوان الإرهابية أو غيرها من الجماعات الإرهابية، وهكذا تسبب مثل هذا الأمر في تشويه العمل الخيري الإسلامي، وقد رأينا كيف أصبح الكثير من دول العالم تربط بين هذا العمل والتطرف والتشدد والإرهاب، حتى إن بعض الموسرين بدؤوا يتراجعون عن ضخ تبرعاتهم في العمل الخيري خوفا من وصول تلك الأموال لجماعات التطرف وفي النهاية فإن الضحية سيكون الفقير.

أوامر وتعاليم

الدكتور محمد الشحات الجندي أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية، يقول: إن قيام المسلم المقتدر بالمشاركة في العمل الخيري بمختلف فروعه، إنما ينفذ تعاليم القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، وهو ما سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعون من بعدهم، فكان النبي يحث على العمل الخيري، ولهذا فإنه يعد من فرائض وسنن الإسلام على كل مسلم ومسلمة، فهو يؤدي إلى رضا الله عز وجل، كما إنه يؤدي إلى التكافل والتعاضد بين المسلمين، وعن أسماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنفقي، ولا تحصي فيحصي الله عليك. ولا توعي فيوعي الله عليك»، باختصار، فإن العمل الخيري جزء من رسالة الإسلام العالمية وجزء من التكوين العقائدي للمسلم ولا بد أن نعي أن العمل الخيري الإسلامي كان سبب اعتناق الكثير من غير المسلمين لهذا الدين العظيم بعد أن رأوا فيه تعبيراً واضحاً عن روح الإسلام السمحة.

يضيف د. الجندي: العمل الخيري هو عمل إنساني لإشاعة التكاتف بين أبناء الأمة لهذا فلابد أن يتنزه عن الهوى، فلا يجوز أن يزكي الإنسان أو يتصدق وفق أهوائه السياسية أو الحزبية، بل يكون هدفه هو رفع المعاناة عن الفقراء أياً كانوا وفي نفس الوقت لا يكون للأهواء أي تدخل في تبرعه أو صدقته، وكذلك على الجهات التي تتلقى أموال المتبرعين أو المزكين أن يراعوا تعاليم الإسلام التي تحكم كيفية صرف تلك التبرعات في مصارفها الشرعية ولا تستغلها في أية أمور أخرى، فالانحياز لفئة بعينها أو إدخال السياسة في العمل الخيري يعطل مسيرته ويحول بين تقديم خدمات فعلية تصب في صالح الفقراء بطريقة مجردة وخالية من الأهواء، وفي نفس الوقت تحمي زكوات وصدقات وتبرعات المسلمين من الصب في صالح الجماعات المتطرفة، فالعمل الخيري الإسلامي إنساني الطبع ولابد أن يبقى كذلك يهتم برفع المعاناة عن كاهل الفقير والمحتاج والملهوف.

المصارف الشرعية

يقول الدكتور محمد كمال إمام عضو هيئة كبار العلماء: للإسلام مقاصد عظيمة من عمل الخير أهمها نشر السلم في المجتمع ومحاربة الفقر كذلك، فإن العمل الخيري يدعم روح الأخوة والتراحم والتعاطف وقديماً كانت الدولة الإسلامية تقوم بدورها في جمع وتصريف أموال الزكاة في مصارفها الشرعية عن طريق بيت مال المسلمين، وكان يقوم على هذه المؤسسات المهمة علماء موثوق في علمهم ونزاهتهم ولكن مع مرور الزمن وتولي ما يعرف باسم الجمعيات الخيرية دور بيت المال في تصريف زكوات وصدقات المسلمين، فإن بعض الجمعيات حادت عن الطريق ووجهت تلك التبرعات إلى مصارف بعيدة عن المصارف الشرعية لها، وهكذا عرفت بعض التبرعات الطريق للوصول للجماعات المتطرفة، ووجد البعض الآخر الطريق لأشخاص بعينهم بسبب أفكارهم السياسية، ولهذا فقد وجدنا في الفترة الأخيرة بعض الموسرين يتراجعون عن التصدق والتبرع بسبب خوفهم من عدم وصول أموالهم لمستحقيها، لهذا فقد آن الأوان أن تقوم المؤسسات الرسمية في العالم الإسلامي بالعمل على القيام بدور أساسي في جمع وتنظيم توجيه تلك التبرعات حتى تصل للمستحقين وعلى الجانب الآخر يجب أن يقوم علماء الدين بتقوية دور الوازع الديني لدى كل مسلم خاصة الأثرياء منهم كوسيلة قادرة على تصحيح صورة العمل الخيري وأهميته كركن أصيل من أركان الإسلام.

لا للمصارف غير الشرعية

يشير د. محمد كمال إمام، قائلاً: «لا بد أن يعي كل مسلم أهمية معرفة كيف تصرف زكاة ماله وصدقاته، ويجب أن يعرف أن وصول تلك التبرعات أو الصدقات إلى الجماعات الإرهابية المتطرفة أو غيرها من المصارف غير الشرعية هو مخالف للهدي النبوي الشريف، فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن وطلب منه أن يجمع الصدقات من الأغنياء ويصرفها على فقراء اليمن، ولهذا يجب على الدولة المسلمة معرفة أين تذهب تبرعات موسريها، بحيث يتم التأكد من صرفها في الطريق الشرعي الصحيح».