دنيا

هدى الغصن .. أول مديرة تنفيذية في تاريخ أرامكو

الغصن تدشن إحدى ناقلات النفط التابعة لشركة فيلا البحرية المملوكة من أرامكو (الصور من المصدر)

الغصن تدشن إحدى ناقلات النفط التابعة لشركة فيلا البحرية المملوكة من أرامكو (الصور من المصدر)

لسنوات وعقود طويلة كانت أغلب وظائف القطاعين العام والخاص في المملكة العربية السعودية الشقيقة محتكرة من قبل الرجال، كما هو معلوم، على الرغم من انتظام الإناث في التعليم الرسمي بمختلف مراحله منذ مطلع الستينيات، بل وتخصصهن أكاديمياً في العديد من حقول العلم والمعرفة مع تحقيقهن لدرجات عالية من الكفاءة.. ولسنوات طويلة أيضاً كان ما يقف بالمرصاد للمرأة السعودية لمنعها من اقتحام مجالات العمل المختلفة هو الفتاوى الدينية المغلفة بالخوف من تغربها واختلاطها بغير المحارم، ناهيك عما قيل بأن المرأة لم تـُخلق من أجل العمل، وإنما من أجل البقاء داخل منزلها لتربية أطفالها والاعتناء ببعلها.

وحدها شركة الزيت العربية الأميركية «أرامكو السعودية حالياً» لم تلتفت لهذه المبررات، فتجاوزتها وشرعت في توظيف النساء، الأمر الذي جعل التوظيف في أرامكو حلم وأمنية كل سعودية.. كيف لا، وقد تنامى إلى أسماعهن أنها توفر لموظفاتها رواتب مجزية، معطوفة على الترقيات والحوافز، والابتعاث الخارجي، بل تؤمن لهن فرص ممارسة الرياضات وقيادة السيارة ومشاهدة السينما ضمن مجمعها الإداري والسكني.

في هذا السياق كتب محمد السماعيل في جريدة اليوم «30-7-2017» «شرعت «أرامكو السعودية» منذ مطلع الستينيات بالاهتمام بالمرأة السعودية وبتوظيفها، كما منحت فرصاً لكثير من السيدات ليشغلن وظائف كانت - في السابق - لمستشارين أجانب، فوظفتهن، حتى أصبح لديها 1000 سيدة عام 2004، يشكلن نسبة 2% من الكادر العامل في أرامكو «ارتفع العدد خلال العقد الماضي إلى أكثر من 4400 سيدة طبقاً لما ورد في حوار منشور بصحيفة الرياض في 20-3-2016» واستمرت الشركة بهذا النهج، حتى إنها أطلقت منذ فترة وجيزة العديد من المشاريع الداعمة لتوظيف النساء، وأنشأت أول مجمع نسائي لخدمات تسيير الأعمال الذي سيوفر 21 ألف فرصة عمل خلال 10 سنوات».

خدمة الوطن

ومثلما أثبت المواطنون الذين التحقوا بالشركة مع بواكير اكتشاف النفط عام 1938 قدرات مميزة في استيعاب الأعمال المهنية والمكتبية، ثم إنهاء مقررات أرامكو الخاصة بالتأهيل للابتعاث الخارجي، فالعودة مجدداً لخدمة الوطن «أفضل وأبرز مثال المهندس علي إبراهيم النعيمي الذي بدأ العمل مع أرامكو ساعياً سنة 1945، ثم تدرج في الوظائف الميدانية والمكتبية إلى أن صار مديراً تنفيذياً أعلى للشركة قبل أن يعين وزيراً للبترول والثروة المعدنية عام 1995».. فإن المواطنات حققن تفوقاً مماثلاً، مما جعل بعضهن يصلن إلى مناصب قيادية في الشركة.

طبقاً لأدبيات أرامكو، ولما كتبه ميرزا الخويلدي في صحيفة الشرق الأوسط «25-5-2009»، فإن أول امرأة سعودية طلبت التوظف بالشركة كانت السيدة «نجاة الحسيني»، عام 1964، ولما لم تكن لدى الشركة سوابق في توظيف السعوديات آنذاك، وكي لا تدخل في إشكالات، فقد طلبت إذناً خاصاً لقبولها، وهو ما تمكن والدها إبراهيم الحسيني من الحصول عليه.

النجاح والتميز

وهكذا توظفت الحسيني في أرامكو «حتى تاريخه كان كل موظفات الشركة الأجنبيات يعملن في قطاعي السكرتاريا والصحة حصراً» وأوكلت إليها مسؤولية إدارة الصحة الوقائية التي كان من ضمن مهامها حماية المجتمع المحلي من الأوبئة المعدية ونشر الوعي في أرياف القطيف والأحساء التي كانت مصدر الجيل الأعظم من موظفي وعمال أرامكو في تلك الحقبة.. ولعل ما ساعد الحسيني على التميز مؤهلاتها الدراسية، حيث كانت قد درست الابتدائية باللغتين العربية والفرنسية في دمشق، ثم الثانوية في مدرسة «ماري ماونت» للراهبات في روما، ثم التحقت بجامعة دمشق وتخرجت منها بنجاح عام 1962 في تخصص آداب اللغة قبل العودة.

وإذا كانت الحسيني، التي توفيت عام 2009 في إنجلترا، قد دخلت التاريخ كأول سعودية في أرامكو العملاقة، وكذلك كأول مبتعثة من قبلها إلى الجامعة الأميركية في بيروت للتخصص في الطب الوقائي وعلوم التمريض واللقاحات والرعاية الصحية، فإنها أيضاً الفتاة التي شكلت قدوة للعديد من مواطناتها الطموحات للانخراط مع أرامكو والاستفادة من بعثاتها.. من هؤلاء من أتت على ذكرهن وسيرتهن العلمية والعملية فضيلة الجفال في صحيفة الحياة «14-5-2006».

الخبرات العملية

أولهن «آمال علي العوامي» التي تعتبر أولى مهندسات البترول السعوديات اللاتي التحقن بأرامكو عام 1979 وحصلن على شهادة البكالوريوس من الولايات المتحدة عام 1984؛ وثانيتهن ابنة عمها «فاطمة حسين العوامي» التي التحقت بأرامكو عام 1980 وحصلت على بعثة إلى الولايات المتحدة لدراسة الهندسة الكيميائية، لتعود وتتنقل بين أقسام مختلفة من أجل كسب المزيد من الخبرات العملية، قبل أن تسند لها مهمة دراسة الحقول ومكامن الآبار النفطية، وثالثتهن «هبة ضياء الدين» التي ابتعثتها أرامكو إلى الولايات المتحدة فتخرجت عام 1991 في تخصص مزدوج «الهندسة الكهربائية والأجهزة الطبية»، وعادت لتعمل ضمن فرق تقييم وفحص الدراسات الخاصة بالحقول النفطية وما يستجد حولها من معلومات، ولتمثل بلادها أيضاً في المؤتمرات والمعارض، ورابعتهن الجيوفيزيائية أميرة المصطفى التي ابتعثتها أرامكو للدراسة الجامعية في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة فتخرجت عام 1980 في تخصص الفيزياء، وعادت لتعمل في التنقيب.

من السعوديات اللواتي شغلن مناصب قيادية أيضاً في شركة أرامكو الكاتبة والشاعرة الدكتورة ثريا العريض، ابنة شاعر البحرين الأكبر المرحوم إبراهيم العريض، التي تعتبر أول سيدة حاصلة على درجة الدكتوراه تلتحق بالشركة، فقد نالت هذه الدرجة الرفيعة بامتياز عام 1975 من جامعة نورث كارولينا الأميركية في تخصص الإدارة والتخطيط التربوي، والتحقت بقسم العلاقات العامة في أرامكو عام 1980، وتمكنت من إثبات جدارتها فوصلت لمنصب مستشارة للتخطيط، علاوة على منحها عضوية المجموعة الاستشارية لشؤون أرامكو السعودية.

وظيفة رفيعة

ومنهن أيضاً السيدة نائلة الموصلي التي تعتبر أول سعودية في أرامكو تحصل على درجة الماجستير في هندسة البترول، إذ نالت هذه الدرجة من جامعة تولسا في ولاية أوكلاهوما التي ابتعثتها أرامكو إليها، قبل أن تعود وتواصل مسيرتها وتصبح في عام 1985 أول مديرة فيها مسؤولة عن هندسة المكامن النفطية.

غير أن في تاريخ أرامكو أيضاً من تـُوصف اليوم بأول سيدة سعودية تشغل منصب مدير تنفيذي في الشركة، ألا وهي «هدى محمد الغصن» المدير التنفيذي للموارد البشرية في أرامكو السعودية، فما قصتها؟ وكيف وصلت إلى هذه المكانة الرفيعة؟ وكيف تتعامل مع مسؤولية إدارة برامج الموارد البشرية وتنميتها وتطويرها لأكثر من 62 ألف موظف من 80 جنسية مختلفة؟

ولدت الغصن لعائلة سعودية في البصرة، حيث كان يقيم والداها اللذان حرصاً منذ نعومة أظفارها على أن يغرسا بداخلها مبادئ الثقة والاجتهاد والاعتماد على الذات في الاختيار، فنشأت صلبة العود، قادرة على مواجهة التحديات، تتملكها آمال وأحلام عريضة للارتقاء بنفسها. وفي هذا السياق قالت في حوار مع صحيفة الرياض «20-3-2016» إن شغفها منذ صغرها كان حل الألغاز والمسائل الصعبة من تلك التي تشكل تحدياً، فكانت لا تستسلم وتواصل التفكير إلى أن تنتصر، وأضافت: «كما أني كنت شغوفة بمساعدة الآخرين في التغلب على الصعوبات وفي تحقيق أهدافهم، وهذا الشغف دائماً ما يمدُّني بالسعادة والرضى الداخلي»، حيث إن النجاح «لمجرد التفوق على الآخرين أو الشهرة أو لجمع المال» في مفهوم الغصن، نجاح ناقص وسعادته لا تدوم.

توظيف

درست الغصن المرحلة الابتدائية في الكويت التي انتقل إليها والداها، ثم انتقلت معهما إلى الرياض، حيث أكملت باقي مراحل تعليمها بما فيها المرحلة الجامعية التي قضتها بجامعة الملك سعود طالبة في كلية الآداب، وفي عام 1980 تخرجت من الجامعة المذكورة حاملة درجة ليسانس آداب اللغة الإنجليزية التي عادة ما يُوظف أصحابها في التدريس، غير أن الغصن آثرت البحث عن وظيفة تلبي رغباتها وأحلامها.

وذات يوم وقع نظرها على إعلان عن وجود وظائف للسعوديين والسعوديات في أرامكو السعودية، فتقدمت، وبعد أسبوعين تلقت نبأ قبولها، وكان ذلك سنة 1981، التاريخ الذي بدأت منه رحلتها المهنية مع أكبر منتج للنفط في العالم .. مع الشركة العملاقة التي قدرت مجلة إكسبلوريشن Exploration قيمتها بعشرة تريليونات دولار.

في بادئ الأمر تم تعيينها في دائرة الخدمات الطبية، ثم ما لبث أن تمت ترقيتها لتصبح مستشارة لرئيسة برامج التدريب في الدائرة نفسها، غير أن الغصن الطموحة، قررت في عام 1984 أن تحصل من أرامكو على إجازة لمدة سنتين كي تواصل تعليمها العالي. وهكذا سافرت إلى الولايات المتحدة لدراسة تخصص جديد هو الإدارة المالية، فنالت درجة الماجستير من الجامعة الأميركية في واشنطون عام 1986.

وفي تلك السنة عادت للعمل ضمن دائرة الخدمات الطبية، لكن تخصصها الجديد ودرجتها العلمية أتاحا لها الانتقال عام 1989 إلى الهيئة الاستشارية للنائب الأعلى للرئيس للعلاقات الصناعية، ومن خلال هذا القسم ساهمت في إعداد الدراسات والتحليلات الخاصة بتخطيط المنشآت، والمالية، والخدمات المجتمعية، وأسواق العمل، والعلاقات الصناعية، وسياسات الموارد البشرية، وأنظمة الرواتب والأجور، وآثار تكلفة المعيشة على نظام الرواتب، وغيرها، بل إن عملها وجهدها في هذا القسم أتاحا لها فرصة الانخراط في عدة برامج للقيادة والإدارة في عدد من الجامعات العالمية.

سلم النجاح

وعليه نرى أن الغصن صعدت سلم النجاح خطوة خطوة ووفق رؤية وعزيمة صلبة، فحققت مع أرامكو مسيرة مهنية ناجحة تُوِّجت عام 2012 بتعيينها مديرة تنفيذية لعلاقات الموظفين والتدريب «تغير مسمى وظيفتها لاحقاً إلى المدير التنفيذي لإدارة الموارد البشرية»، لتكون بذلك أول امرأة تتبوأ هذا المنصب في تاريخ أرامكو، علماً بأنها كانت قبل هذا التعيين المديرة العامة للتدريب والتنمية، أي المسؤولة عن تصميم وتنفيذ برامج التعليم المؤسسي وبرامج التدريب والتنمية لمختلف أقسام القوى العاملة في المناصب الصناعية والإدارية والمهنية والقيادية.

في حوار لها مع مجلة بزنس Business (28/&rlm&rlm10/&rlm&rlm2015) وصفت الغصن رحلتها المهنية بأنها «لم تكن سهلة على الإطلاق» لأن الطريق كان طويلاً وشاقاً ومليئاً بالتحديات، وأضافت: «لقد عملت بجدية وتفانٍ وإخلاص في جميع المهام الوظيفية التي شغلتها، وكنتُ منضبطة وملتزمة في عملي، وقد اكتسبت خبرة وتجربة فريدتين من خلال عملي لأكثر من 34 عاماً في هذه الشركة الرائدة في وظائف مختلفة مما أتاح لي فهماً عميقاً لأعمالها».

في الحوار نفسه أكدت أن ما حققته من نجاحات لم يكن ممكناً «من دون الدعم المستمر من فريق عمل ديناميكي وموهوب ومن موظفين مخلصين»، كما أكدت على دور المرحومة والدتها في حصولها على تعليم جيد لأنها كانت مؤمنة بأن العلم سلاح المستقبل، ناهيك عن دور أمها في بناء شخصيتها المستقلة الواثقة والمسؤولة، ودورها في غرس روح الابتكار والمخيلة الواسعة وتطوير ملكة التفكير التحليلي والنقدي لديها. ووصفت الغصن والدتها بأنها كانت «قارئة جيدة، وكانت ذات نظرة بعيدة وثاقبة».

أما عن الموارد البشرية التي تقود إدارتها في أرامكو فتصف عملية تطويرها بالعامل الأساس في تقدم وازدهار المجتمعات، قائلة: «تُقاس الثروة الحقيقية لأي شركة أو دولة بمدى استغلالها بشكل إيجابي ومنتج للثروة البشرية، مما يؤدي لتقدم وازدهار هذه الشركات أو الدول».

ولم تنسَ الغصن أن تقف مطولاً أمام تجربة أرامكو في توظيف النساء السعوديات اللاتي كانت هي واحدة منهن، فوصفتها بالتجربة الفريدة لأنها نجحت رغم كل العوائق الثقافية والاجتماعية المعروفة من تلك التي تحد من طموحات المرأة أو تدفنها، فقالت: «اعتمدنا في أرامكو السعودية أسلوباً تدريجياً في إدخال المرأة إلى القوى العاملة في الشركة، فقمنا باختيار النساء اللواتي يملكنَ كفاءة عالية ولديهن الصفات الشخصية لمواجهة التحديات، كما قمنا مؤخراً بعرض برامج لتطوير المرأة على الغرفة التجارية و18 جامعة على مستوى المملكة وبدأنا بتقديم برامج التعليم الخاصة بالعلوم وتقنية المعلومات والهندسة والرياضيات».

طبقاً لموقع «العربية نت» حصلت الغصن في عام 2014 على المركز الرابع كأقوى امرأة عربية في مجال الإدارة التنفيذية ضمن تصنيف «فوربس»، وحلت في عام 2015 في المركز السابع كأقوى امرأة عربية في مجال الطاقة ضمن تصنيف «أرابيان بيزنس». من المهام التي تشغلها الغصن خلاف إدارتها للموارد البشرية في أرامكو، عضوية عدد من المجالس الإدارية التي منها: مجلس إدارة شركة فيلا البحرية العالمية المحدودة، مجلس إدارة شركة ينبع أرامكو سينوبك للتكرير، شركة أرامكو السعودية للتطوير، شركة جونز هوبكنز أرامكو للرعاية الصحية، شركة أرامكو السعودية لإدارة الاستثمارات، شركة أرامكو آسيا السعودية، والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، هذا إضافة لرئاستها لمجلس أمناء الجمعية العربية لإدارة الموارد البشرية، وعضويتها في المجلس الاستشاري لمركز القيادة في الشركة السعودية للكهرباء، والمجلس الاستشاري للمرأة.

شهادات بحق الغصن

بحثت عن شهادات بحق الغصن ممن عملوا معها عن قرب، فلم أجد أفضل من شهادتين: الأولى من مرؤوستها شيخة الثقفي التي قالت عنها، «هدى تتميز بالذكاء الحاد، والتنظيم الشديد، والنظر للأمور بطريقة إستراتيجية، مع القدرة العالية على التركيز. فهي تهتم بأولويات المرحلة والمحصل النهائي لكل خطوة، ودائما تركز على ما يخدم الأهداف الاستراتيجية»، مضيفة «لديها «كاريزما» عالية في شخصيتها تتطلب من أي شخص يلتقيها أن يحترمها، سواء كان هذا الشخص موظفاً لديها أو رئيساً».

أما الشهادة الثانية، فكانت من محمد السلمي مدير الموارد البشرية في أرامكو، والذي وصفها بالقائدة الحكيمة المخلصة شديدة الانضباط في عملها، والتي تستشير غيرها، وتملك الرؤية المستقبلية الواضحة لما تسعى إليه، مضيفاً أنها «تحاول أن تنسق ما بين الاحتياجات الداخلية للشركة والوضع الاقتصادي العالمي خارج المملكة وداخلها، ولديها الإيمان الكبير بالقدرات الشبابية السعودية على إتمام العمل متى ما سنحت لهم الفرص التعليمية والوظيفية».