صحيفة الاتحاد

دنيا

قسوة الآباء والأمهات.. «آفة العصر»

حماية الأطفال من العنف مسؤولية اجتماعية (الصور من المصدر)

حماية الأطفال من العنف مسؤولية اجتماعية (الصور من المصدر)

أشرف جمعة (أبوظبي)

من يحمي الطفل من الإهانة أمام الناس، في الشارع في الحدائق في مراكز التسوق أو أمام سور المدرسة؟.. من يحميه من الضرب المبرح وهو لا حول له ولا قوة ؟ فهو أسير أب صاحب رأي نافذ فيه، أو أم صاحبة حق في أن تفعل به ما تشاء، ولا يملك هذا الصغير الغض سوى الإذعان لسيل الشتائم التي توجه إليه بغتة في زحمة الأماكن، ولا يجني غير الخزي والشعور بالضعف والاستكانة.

مشاهد نراها بشكل متكرر في حياتنا، وبرغم أنها تؤذي النفوس، لا يدري أحدنا كيف يتصرف، حين يرى طفلاً يتعرض للمهانة أمام الناس، لكن التفكير يروح نحو طلب الشرطة أو توبيخ الأب الجاهل أو الأم المتمادية في تصرفاتها المشينة ضد فلذات الأكباد.. وإذا كانت هذه الأحداث متكررة بشكل عنيف ضد الأطفال، فأين دور التوعية؟.. وكيف نحمي هذه الفئة التي تحتاج إلى رعاية واهتمام وإدراك بأن التهذيب بالعقل لا بالسخرية والمهانة.

عقاب أليم

علي الطنيجي استاء كثيراً من بعض التصرفات غير المسؤولة من بعض الآباء والأمهات، أثناء توجيه أطفالهم، حيث إنه تفاجأ ذات مرة وهو يسير مع مجموعة من أصدقائه، ببكاء طفل تحول شيئاً فشيئاً إلى صراخ، من كثرة الضرب الذي ناله من والده في أحد مراكز التسوق وهو ما دعاه للاقتراب بطريقة ودية من الطفل لتخليصه من هذا العقاب الأليم، خصوصاً أن عمره لا يتجاوز العاشرة، وفي أثناء ذلك عبر والده عن انزعاجه من تدخله لكنه خاطبه بهدوء، وطلب منه أن يتعامل مع هذا الصغير بشيء من الرحمة، لكن فوجئ برد الأب الذي بين له أنه ابنه ويفعل به ما يشاء، فكانت هذه الكلمات صادمة بالنسبة له، وتساءل إلى هذا الحد تبلغ القسوة ببعض الآباء؟

أمام المارة

وتقول علياء آل ثاني إنها في أثناء انتظار خروج طفلها بعد انتهاء اليوم الدراسي وجدت أماً تنهال على طفلها ضرباً أمام المارة وأولياء الأمور، وكان الطفل ينظر حوله وزملاؤه يشاهدونه في هذا الموقف وتنتابه مشاعر أليمة ممزوجة ببكاء شديد، فتوجهت نحو هذه الأم وأخبرتها أنها تتصرف بشكل مشين وتؤذي مشاعر الطفل بهذا السلوك، لكن الأم صدتها وقالت لها «أنا حرة» في التعامل مع ابني وبالطريقة التي تناسبني.

وتؤكد علياء أنها لم تتركها وأوضحت لها أن هذا التصرف لا يصح، وأنها إذا تمادت فإنها ستتصل بالشرطة، وهنا تعاملت أم الطفل بلين معها ووعدتها بأن تعاقبه في البيت وليس أمام الناس، فطلبت منها أن يكون العقاب بأي وسيلة غير الضرب والعنف، وإلا من سيحمي الطفل منها؟

كدمات وصراخ

في مشهد آخر، يروي سعيد المرزوقي أنه في أثناء وجوده في إحدى الصالات الرياضية لممارسة بعض التمارين، تفاجأ برجل يطلب من طفله ممارسة بعض التمارين الخفيفة، وكلما أخطأ، انهال عليه بالسباب وألقى منشفة العرق في وجهه، فظل يراقب ما يحدث إلى أن أخطأ الطفل مرة أخرى، فتوجه إليه والده وضربه بعنف، وكان من الواضح أنه أصيب ببعض الكدمات وهو يصرخ ولا يعرف من يغيثه من والده.

ويشير المرزوقي إلى أنه تدخل لإنقاذ الطفل ودخل في مشادة كلامية مع والده الذي شعر بالخزي من تصرفه، موضحاً أنه أخبره بأن الذئاب لا تفعل هكذا بأبنائها، وأن هذا الطفل الصغير الضعيف لا يملك لنفسه شيئاً، وأنه يجب أن يتعامل معه بحب وأبوة صادقة بدلاً من أن يمارس عليه ما كان يتعرض له في طفولته، ويذكر أن الرجل أخذ طفله وانصرف على الفور.

الحوار سريع المفعول في علاج الأخطاء

يقول الدكتور جاسم المرزوقي، استشاري العلاج النفسي: تربية الأطفال مسؤولية كبيرة، ويجب أن تخضع إلى أساليب صحيحة في البيت والمدرسة، ومن الطبيعي أن يتعرض الأطفال للتأنيب، لكن يجب أن يكون ذلك بعيداً عن العصيبة والضرب والمبرح واتخاذ أساليب غير تربوية في العقاب حتى لا يترتب على ذلك تنشئة اجتماعية هشة، لافتاً إلى أن بعض أولياء الأمور يقعون تحت ضغط نفسي بسبب تصرفات أبنائهم يدفعهم إلى التعامل معهم بشيء من القسوة أمام الآخرين وهو ما يدل على أنهم لا يمتلكون المهارات التربوية اللازمة للتعامل مع المواقف الطارئة مما يترك ندوباً في شخصية الطفل لا تمحي مع مرور الأيام والسنين، خصوصاً إذ كان العقاب غير مبرر أو أكبر بكثير من خطأ صغير لا يحتمل كل هذا التأنيب.

ويذكر المرزوقي أنه من الأفضل ألا يندفع الآباء نحو ضرب أبنائهم أمام الناس سواء في الحدائق أمام أبواب المدارس، وفي المراكز التجارية، أوفي أي مكان حتى داخل البيت ،إذ إن جلسات الحوار قد يكون لها مفعول السحر في تصويب الأخطاء بحنو ومحبة حتى يتم تدعيم شخصية الطفل بدلاً من هدمها بالكلية، خصوصاً أن الضرب والعنف اللفظي والتوبيخ أمام الناس قد ينتج عن شخصية غير سوية تسيطر عليها العزلة وتدني الذات، ويرى أنه من المفيد أن يلجأ أفراد المجتمع للمؤسسات المعنية، وأن يتم عمل حملات توعوية في المدارس والأماكن الإرشادية وعبر وسائل الإعلام، كما أن روح القانون يجب أن تمثل عامل ضغط على الآباء والأمهات الذي ينتهجون أساليب تربوية غير سليمة لكي يتربى الطفل على أسس إنسانية وأخلاقية.

الإهانة تضعف ثقة الطفل في نفسه

تقول خبير شؤون الأسرة والتربية تهاني التري: إن تعرض الطفل للضرب والإهانة أمام الآخرين يضعف ثقته في ذاته، بما ينعكس على بشكل سلبي عليه في المستقبل، حيث يظل ساكناً في مخيلة الطفل ويؤثر بدرجة كبيرة في بناء شخصيته وتشكيل علاقته بالآخرين ومع والديه في المستقبل نتيجة لما ترسخ في ذهنه من مشاهد العنف المبالغ فيه التي تصل إلى حد القسوة

وتذكر أن العنف ضد الأطفال أمام الآخرين، وبوجه عام يفقدهم عملية التقدير للذات وعدم القدرة على مواجهة العنف الذي قد يوجه إليهم في الكبر، ما يجعلهم أفراداً غير قادرين على مواجهته بأسلوب مناسب دون خوف أو رهبة وإذعان يجعل الآخرين يصفونهم بالجبن والاستكانة

وترى أنه عدم التعامل مع الأطفال بأسلوب تربوي سليم قد يتسبب أيضاً في أن يكونوا أفراداً يتملكهم العدوان، ما يتطلب الوقوف بقوة في وجه أي ظاهرة تمثل عنفاً ضدهم عبر التوعوية المجتمعية وتوعية الأسر بضرورة اكتساب الأساليب التربوية السليمة، والعمل على تثقيف الآباء والأمهات عبر محاضرات وندوات تتم من قبل المؤسسات المعنية.