ثقافة

هل نحتاج اليوم إلى الفلسفة؟

تفصيلة من لوحة إعدام سقراط (أرشيفية)

تفصيلة من لوحة إعدام سقراط (أرشيفية)

تحقيق - عبير زيتون

يحتفي العالم اليوم بـ «اليوم العالمي للفلسفة» الذي أقرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة - اليونسكو، في نوفمبر 2002، ترسيخاً لمكانة الفلسفة المتجددة في الثقافة الإنسانية، باعتبارها «أم العلوم» وقاطرة الفكر البشري في تطوره وانفتاحه وتساميه مع الاختلاف والتنوع، وتشجيعاً على إعادة إحياء لغة الحوار في عيدها السنوي للتفكير، وتبادل أسئلتها الوجودية من أجل مواجهة التحديات المعاصرة المطروحة أمام البشرية، بلغة العقل والمنطق والتحليل والانفتاح، بما يحقق قيم الفلسفة في إعلائها لقيم المساواة والتسامح واحترام الاختلاف بين الشعوب.
ومع اليوم العالمي للفلسفة نعيد طرح السؤال القديم الجديد: ما حاجتنا اليوم إلى الفلسفة وقد غابت عن الاهتمام والرعاية؟ وأي سؤال فلسفي علينا طرحه في واقعنا العربي المأزوم اليوم؟
يرى الكاتب الروائي علي أبو الريش أننا نعيش فراغاً مخيفاً يتسع بحجم غياب الفكر الفلسفي الذي أحدثه مسعى اللاهوتي، والذي دأب على تجفيف منابع الفلسفة، ليستولي هو على المصير البشري، ويأخذه إلى جاهزية الإجابة، الرابضة تحت السقوف الخفيضة للفكر.
ويعتقد أبو الريش أن الكائن البشري تحول إلى مسخ بعد أن سقط شهيد الفلسفة سقراط، ضحية عقلٍ رفضَ إنسانية الإنسان، ويقول: «أجهضت المثابرة، والاستنباط، بغية تجميد السؤال الأول، وهو (من أنا) عند نقطة الصفر، ولكي يصير الإنسان جثة هامدة، وبلا معنى».
أما الحاجة إلى الفلسفة فهي أكثر من ضرورية، لأنها المفتاح إلى باحة الوجود، وبها يرتشف الإنسان من العذوبة الكونية، عندما تتفتح الأرجاء الرحبة، وتصير واحة عشب قشيب ترتع عندها غزلان الفكرة، بحرية ومن دون أسلاك شائكة. فعندما يقول رجل دين أنه يعرف كل شيء، فإنه يقطع الطريق أمام النهر، كي يمضي إلى الحقل، وترتوي الأشجار، وتبرز الأزهار، وهذا ما ينافي الدين نفسه ويعارضه، لكون الدين هو دعوة إلى التفكير، والإبداع، والخلق (...) . ومن هنا تبدأ حاجتنا إلى الفلسفة، لأننا بحاجة إلى تنظيف المرآة من الغبار وإلى تنقية النهر من الطحالب.. نحن بحاجة إلى كتابة التاريخ بحبر القلب، ولسنا بحاجة إلى عقول ملطخة بوحل الرواسب، ولو استند الإنسان إلى قلب الفلسفة الصافي، الذي لا يتناقض مع جوهر الدين الحق، لما شهدنا كائناً بشرياً، يقتل ويغتصب ويشرد ويفتك بالأبرياء، باسم الدين.
وحول أي سؤال فلسفي علينا طرحه اليوم، يرى الكاتب والباحث العراقي د. رسول محمد رسول: أن السؤال الفلسفي الأكثر حرجاً هو «سؤال الإنسان» لا غير في راهن الحال، فأصحاب الشر الجذري لا يملون من تصدير الكراهية للإنسان بسُبل قميئة شتى، ولذلك ليس أمام الفلسفة المعاصرة سوى «سؤال الإنسان» الذي لا بد أن ترتقي به إلى جبهة الوعي، الإنسان في كينونته ووجوده، وفيما يعيش وما يمكن أن يعيش. إن سؤال الإنسان هو جوهر التفلسف المرغوب فيه.
وعن حاجتنا للفلسفة اليوم يرى د. رسول إنها حاجتنا إلى حريتنا، حاجتنا إلى العقل الأصيل فينا، هذا العقل الذي صارت قوى الشر غير الأخلاقية تسرقه منا بلا ملل.
أما د. زهير الخويلدي، كاتب وأستاذ جامعي تونسي، فيرى: أن الحياة المعاصرة تعاني الاغتراب والتسليع والرقمنة المفرطة، ولذلك نحتاج إلى فلسفة مركبة تكون قادرة على الاضطلاع بالواقع ما بعد الافتراضي، وانتشال الإنسان من السعادة الاستهلاكية والضغط النفسي، والاحتكار الاقتصادي، وتفجير مواطن القوة التي يختزنها في ذاته بغية التصدي إلى مضار الهيمنة الايديولوجية والمراقبة والمعاقبة، وتمكين الجسد الإنساني من إرادة الاقتدار حتى يقهر المرض والتهرّم.
ولتحقيق ذلك يرى د. خويلدي أن من اللازم اليوم الاهتمام بالمبادئ التربوية التي تعمل على تهذيب النوع البشري، وتدبير النسق القيمي الذي يحفظ الحياة في الكون من كل تبديد، والاشتغال على شروط الحكم الرشيد من أجل تفادي الفساد والتأخر.
وحول واقع الخطاب الفلسفي العربي اليوم يرى د. خويلدي «أن الفكر الفلسفي العربي اليوم يغلب عليه التكرار، والتقليد، والانتقاء، وبالتالي هم يكتفون اليوم باستنساخ بعضهم بعضاً، وبمحاكاة بعض المشاريع التي حققت بعض الشهرة على غرار: (التراث والحداثة) و (الأصالة والمعاصرة) و(تجديد الفكر الديني)، و(نقد العقل العربي) و(تاريخية الفكر الإسلامي) إلخ...، ولكن هذا الاتباع لا يتقدم ب (حضارة اقرأ) لأن ما يغيب عنهم هو الإبداع الخالص والتفلسف الأصيل.