الملحق الثقافي

ريش الذاكــرة

أمل إسمـاعيل

على جناحيها علقت خيوط غربتي، وتركت هديلها يسافر بي حيث العير شدت رحالها إلى كل غريب دمٍ نسيبِ مسافة، أنشدها:
أيا جارتا إنا غريبان ها هنا
وكل غريب للغريب نسيبُ (1).
في تلك الزاوية من بيتنا كان الحمام يسكن مطمئناً إلى أهل بيت يتعهدونه بالرعاية والحب، من غرفة مطلة على أعشاشه، يتناهى إلى سمع تلك الفتاة خفق أجنحته المتناغمة مع دقات قلبها، تلك المولعة بتفقد أحواله وتعلم لغة هديله. أجل، كنتُ أنفق ساعات الظهيرة والمساء مراقبةً ذلك القفص الخشبي الملفوف بشبك حديدي ليّن، وقد اتخذ من البيوت الخشبية التي صنعها له أبي أعشاشا، أخبرتني أمي أن أعشاش طيور الحمام كانت في البلاد من جرار الفخار مكسورة الأطراف، فعوضاً عن التخلص منها كانت تُرَصّ إلى جانب بعضها بعضاً، بعد أن تُمسَحَ أطرافُها بعجينة الطين لتشكّل سطورا أفقية وأعمدة رأسية قبل أن تتحول لدى صاحبها إلى أبراج عالية جراء تكاثرها المطّرد.
مِثل أمّ حديثة العهد بمولودها، أهرعُ إلى صغار الحمام عندما تتناهى إلى سمعي استغاثتها، وسط ضحكات ساخرة ممن حولي، تذهلني أمومتها، رقتها وهي تعب الماء عباً بمنقارها الرقيق، عنفوانها وهي تدافع عن أملاكها، دلالها وهي تغازل بعضها بعضا، أجل، بدا لي أن خير ما أنفقت فيه وقتي حينها كان حبّ هذه الطيور، والتحليق مع حكاياتها.

جناحٌ.. وغصن زيتون
فوق خريطة العالم تتربع حمامة بيضاء تحمل غصن زيتون، ساقاها مخضبتان بطين البلاد التي عادت من بعد الطوفان (2)، ليستريح على بسيطتها أولئك الذين أنجاهم الله من القوم الظالمين. الحمامة نفسها التي تزين صدر أمي في قلادة، ويغلف جناحاها صفحات الجرائد كلما عنّ على القوم أن يذكروا الحرب أو يدعوا إلى الهدنة، بيضاء كندف القطن، زيتونها يضيء ولم تمْسَسْه نار. وكان أن أهديتُ أختي حمامة بيضاء مثلها، حررتها من بائع يرى في كل أسراه من الحمائم سبيلا للكسب لا الحرية. متوَّجةً على عرش البياض، ملكة لم أر في حلكة عينيها إلا ما يزيد ريشها نقاء. كانت نادرة المزايا، وكنتُ مفتونة بها، فنشرتُ سلالتها في مملكة الحمام، وأفسحت لها في بيوت الجيران ركناً، أن تتبادل أزواج الحمام كما تبادل الطواويش (3) حبات اللؤلؤ من قبل. بحرص وفخر، كنت أهدي من سلالتها كمن يزوج ابنته إلى أمير، ثم أنفق الساعات في زيارة قفصها يوميا متفقدة حالها بعد فراق ضناها الذي بالكاد أتم شهراً من عمره. أتعجب لانشغالها بعش جديد، وفراخ تضاهي السابقة نقاء وجمالا، تطعمها لبنا سائغا ثم تطلقها لحريتها المقيدة داخل القفص، مرة تلو أخرى. ليتني لا آسى على الفقد كما تفعل، أحمل غصن زيتون في فمي، وأبحث عن موطئ لقدميّ، ليطير الحمام ويحط الحمام.

أجنحة جبران المتكسرة
هل كنا سنحتاج إلى تعلم القراءة والكتابة لو أن الله وهبنا أجنحة! الغيمة ستظل غيمة دون حاجة إلى حرف الغين معتصراً حليبها، والشمس ستشرق، سواء نقشنا ثلاث نقاط على جبهتها، أو تركناها تصارع حرارتها. بين بيت الحمام ومدرستي وبيتي، التقيت أجنحة جبران، تلك التي كسّرها الحب، كما كان خالي يُكَسّر عظام الحمام بين أسنانه المستعارة - التي كان يخيفني بها عندما يقتلعها من بين فكيه أحيانا - متلذذاً بالتهام فراخها، يخرج من بين أسنانه عظمة ما: «عظام الحمام مجوفة؛ لكي تمنحها خفة وزن تساعدها على الطيران عاليا، وتمنح عجوزا مثلي قدرة على طحنها بين أسنان طقم مستعار». وقبل أن أفرد جناحي عن آخرهما، تعلمت ترديد جملة «سلمى جبران» كلما ألمّ بي خطب: «اللهم شدد جميع الأجنحة المتكسرة»، وبينما وقفتُ لوداع بيت الحمام الذي قرر والدي إزالته: «وقفنا للوداع وقد وقف بيننا الحب واليأس شبحين هائلين هذا باسط جناحيه فوق رأسينا، وذاك قابض بأظافره على عنقينا هذا يبكي مرتاعاً وذاك يضحك ساخراً؛ (...) أطبقتُ جفني وهمست ببطء:«أشفق يارب وشدد جميع الأجنحة المتكسرة». (...) بلغت غرفتي وارتميت على فراشي كطائر رماه الصياد فسقط بين السياج والسهم في قلبه. وظلّت عاقلتي تتراوح بين يقظة مخيفة ونوم مزعج وروحي في داخلي تردد في الحالتين:«أشفق يا رب وشدد جميع الأجنحة المتكسرة»(4).

ريشة ومسافات لعينة
قيل لي بأن الحمام لا يخون، ولا يسرق، ولا يغش، ولا يقتل، يتبادل الحب قُبلا ومشاكسات بريئة، لكنهم كذبوا على أنفسهم، وصدقوا منقارا واحدا عاد من الطوفان متناسين تلك الأمم التي ستأتي من بعده مثلنا معجونة بخيرها وشرها. آمنت بالأشياء كما رأيتها، ثم اختبرتها، وليس عليّ أن أخدع تلك الطفلة التي ولِدَتْ على الفطرة (5). كَأنْ يَقدِم إلى بيت الحمام ذكرٌ جديد حالك السواد، فيدخل في عراك مع ذكر آخر، فيصرعه ويستولي على عشه وامرأته. هكذا؛ يلوي الأقوى رقبة غريمه ثم يغمس منقاره في الماء ثم الطين، لتنتهي المعركة وينزوي الخاسر بعيدا مقسما ألا يطير بعدها ولا يأكل إلى أن يضمر ريشه ويفقد التماعه ويموت كمداً وحسرة. أما تلك الزوجة الأصيلة، فلا تنفك تزوره وتتفقد حاله إلى أن يصير تراباً، وتصير إلى غريمه.
يحدث ذلك ثانية وثالثة، فأتساءل عن شريعة الحَمام التي تحكم للأقوى، للمسيطر الذي يهيمن على أي عش يشاء، وأي أنثى يميل إليها قلبه. يطير الحمام ويحط الحمام، فيهبط في بيتنا ذكرٌ غريب، أُقنِع أبي في إبقائه بين حماماتنا ضيفا عزيزا لعل هناك من يفقده، يبيت الغريب بيننا، يتناول طعامنا، يعبّ من مائنا، فننسى انتظارنا، ليتزوج من حماماتنا، ثم يسرق القش من أعشاش الآخرين ليؤثث عشه، ثم يكسر بيضهم قبل أن يفقس كي يحظى وحده بالذرية، ثم يتزوج حَمامتين عوضا عن الوفاء لواحدة، ثم أبكي وأطلب من أبي أن يخرج ذلك«اليهودي» من بيت الحمام قبل أن يأتي على من صمد منهم!
يطير الحمام ويحط الحمام، وأقرر أن أمنحهم جوازات سفر تعترف بهم داخل حدود بيتنا؛ لأنني لا أملك واحدا! فتحصل تلك الحمامة العجوز التي نفاها أبي عدة مرات وعادت إلينا - رغم طول المسافة - على جواز سفر ديبلوماسي أحمر يفتديك مهما حلّقت عاليا، وذلك الذي لجأ إلينا متعباً ممزق الأجنحة على وثيقة سفر«للاجئين من الحَمام» زرقاء كسماء شاسعة يصعب عليك اجتيازها، أما أولئك الذين يولدون في بيت الحمام فيحصلون على الجنسية الباذخة في ثوبها الجلدي الأسود تلقائيا!
كبرت أكثر، فعلمت أن جوازات سفري كانت معطّلةً إلا من الذاكرة، بينما يملك أي حيوان أليف جواز سفر صالحاً للاستعمال كيفما شاء ووقتما أراد صاحبه.

التي افتدت بجناحيها الغار
كانت حمامة، مجرد حمامة أمرها ربها أن تعشش أمام الغار، وحين فعلت، أكرمها الله بأن جعل ذريتها تسكن الحرم المكيّ، وحصنها من الأذى. يطير الحمام ويحط الحمام، فتبتسم له الوجوه الخاشعة المتضرعة، ترى في أجنحتها السكينة والخير، وأجد فيها الدهشة، حميمة قريبة، وادعة مطمئنة إلى أمانها، فلا يد تمد إليها بالشر إلا وتفتدي بها كبشا (6)، ولا خير يأتيها إلا له ثوابه الجزيل. دعت أمي ربها أن يأتيها بحمامة من حمامات الحرم تستقرّ على كفّي، فما كادت تنتهي من دعائها إلا ورأينا واحدة تهرول مسرعة كأن خطبا مسها، ثم تحدق في عيني وكفي كأنها تتحقق من ملامحي، ثم تثب إلى كفي وتطمئن إلى تحقق الرجاء، قبل أن تبسط جناحيها وتحلق عالياً، فلا تبتعد إلا وقد أصبحت وحدي في غار.

جناحان يعلمانك الكذب
صغاراً نكذب، كباراً نصدق كذباتنا وخيباتنا، أما أولئك الذين نعرفهم فهم كشّاشو الحمام، سارقو الأجنحة شاهدو الزور، وخشيت أن أصبح مثلهم، فهجرتُ الحمام خوفا من مثولي في بلاط المحكمة يوما أمام قاضٍ يرى الريش على رأسي فيقصيني من ميزان العدالة (7). كنا نربي الحمام تزجية للوقت وبَرَكةً للمكان – مثلما يفعل معظم أهل الخليج – أمي التي كانت تؤمِنُ بتلك العين الحاسدة التي تهاجم أهل البيت فيفتديها الحمام فيمرض أو يموت، تبكي مع كل جناحٍ يسقط، ثم تمسح دمعتها وتنسى نجاتها، وتختار فرخا أو أكثر فتشد عنقه وتجري سكينها على جلدته المطرزة بالزغب، قبل أن تغمسه في الماء المغلي لتبدأ نتفه وتفريغ أحشائه، ثم تحشوها بالأرز والبصل، فتطبخها ثم تطعمها لمن تشاء من أبنائها، وعندما كان يحين دوري، كنت أتملص من التهام حمامة كاملة - كارتكاب قط منزلي لجريمة غادرة - كذلك القط الذي هاجم حماماتنا عندما سمحنا لها بالنوم خارج بيتها، وأخذ يقتنصها واحدة واحدة، ليلة تلو ليلة، إلى أن فزعت فهاجرت جميعها سطح بيتنا، كما هاجرنا من قبل تحت وقع القذائف والرصاص ومخالب الخيانة.

رسائل لمّا تصل
علقت يوماً رسالة في رِجل حمامة، وألقمتُ زجاجة رسالة أخرى ثم ألقيتها في البحر، أطلقتُ الحمامة في السماء وتأملتُ زجاجتي وهي تسبحُ مع الموج بعيدا، لم تعُد الحمامة، وابتلعَ البحرُ الرسالة. تعجبتُ كيف لا يكون كل الحمام زاجلا، ثم ما لبثت أن أدركت أن للحمام أنواعا كالبشر، تبوح بسرّك لأحدهم فلا يلبث أن يفشيه على ملأ من الناس، ينتفُ ريشكَ أمامهم فتعرى، ويقضم البرد أطرافَكَ فتشْقى، كذلك الحمام، منه«شمسي»، و«قلاّب»، و«قطيفي»، يسحرُكَ الأول بذيله المفروش كأشعة الشمس، ويغويك الثاني بشقلباته البهلوانية في الهواء فتتبعه إلى عشه، ويتحين الثالث أوقات الرياح ليحلق فيها تاركا الدهشة لمن غمس ريشه في طين الأرض.
كنتُ أظن أننا نشتري الحمام من باعة السوق لتربيته للمتعة وراحة البال، لكنني عندما سافرت وجدت صغار حمام تلقّم الفول والحمص حتى تكاد حويصلاتها تنفجر، حمامات بأجنحة لم يهاجرها الزغب الأصفر، صوتها الرقيق يفضح طفولتها المتأخرة، مجهزة لتنتهي إلى مائدة طعام لا إلى سماء شاسعة محملة بالرسائل والأخبار. وفي ركن قصي آخر، وجدت مزاداً لحمام من نوع مختلف، يختال في مشيته ويتسابق المزايدون للظفر به، شتان بينه وبين الأول ! تلك أمم وشعوب أمثالنا، فيها من نال من دنياه حظاً وافراً هيأ له حياة مترفة، بينما غرق الآخر في أوحال الحاجة وملذات الناس الصغرى. يا ترى، لو أنني طير حمام فأي نوع تراني كنت؟ وهل كان مقدرا لي أن أوصل رسالة، أم أنتهي إلى مائدة أحدهم! وما يدريني، لعلي انتهيت إلى مائدة وعشاءٍ أخير!

......................................
هوامش

(1) امرؤ القيس.
(2) ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير من طريق علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أنه قال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم: لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة، فحدثنا عنها قال: فانطلق بهم حتى أتى إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب بكفه وقال أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا كعب حام بن نوح قال: وضرب الكثيب بعصاه، وقال: قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب، فقال له عيسى عليه السلام هكذا هلكت؟ قال: لا بل مت وأنا شاب، ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثم شِبْت.
قال: حدثنا عن سفينة نوح قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات: فطبقة فيها الدواب والوحش وطبقة فيها الإنس وطبقة فيها الطير، فلما كثر أرواث الدواب أوحى الله عز و جل إلى نوح عليه السلام أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث. ولما وقع الفأر يخرز السفينة بقرضه أوحى الله عز و جل إلى نوح عليه السلام: أن أضرب بين عيني الأسد فخرج من منخره سنور وسنورة فأقبلا على الفأر. فقال له عيسى: كيف علم نوح عليه السلام أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت.
قال: ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجلها فعلم أن البلاد قد غرقت فطوقها الخضرة التي في عنقها ودعا لها أن تكون في أنس وأمان، فمن ثم تألف البيوت. قال: فقالوا: يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلينا فيجلس معنا ويحدثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟ قال: فقال له: عد بإذن الله فعاد ترابا. (البداية والنهاية، لابن كثير، المجلد الأول، ص87).
(3) الطواش: تاجر اللؤلؤ في الخليج قديماً.
(4) الأجنحة المتكسرة، لجبران خليل جبران، (بتصرف).
(5) السلام لكِ يا مريم، الحمامة الحسنة، التي ولدِت لنا، أنتِ زهرة، البخور التي، أينعت من، أصل يسَّى. عصا هرون، التي أزهرت، بغير غرس ولا سقي، هي مثال لكِ.
(كتاب الإبصلمودية السنوية - تسبحة نصف الليل القبطية) ثيوطوكية الأحد (التذاكية) - القطعة السابعة (أ) (لحن شيري ني ماريا /‏‏‏ السلام لك يا مريم).
(6)»لا يجوز قتل حمام الحرم سواء للمحرم أو غيره، ومن قتله فعليه فدية مقدارها شاة. ولا يجوز إفساد بيض حمام الحرم، وعليه الفداء إذا أفسده«. وذلك بإجماع الفقهاء عملا بأثر الصحابة – رضي الله عنهم.
(7) قال ابن قدامة:«اللاعب بالحمام يطيرها، لا شهادة له، وهذا قول أصحاب الرأي [الحنفية]، وكان شريح لا يجيز شهادة صاحب حمَام؛ وذلك لأنه سفه ودناءة وقلة مروءة، ويتضمن أذى الجيران بطيره، وإشرافه على دورهم، ورميه إياها بالحجارة، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يتبع حماماً، فقال: (شيطان يتبع شيطانة) – رواه أبو داود (4940) وهو في «صحيح الجامع» (3724).
وإن اتخذ الحمام لطلب فراخها، أو لحمل الكتب، أو للأنس بها من غير أذى يتعدى إلى الناس، لم ترد شهادته. المغني (10 /‏‏‏ 172، 173)

النفس البيضاء.. حمامة
ترى الكنسية أن النفس البشرية الممتلئة من الروح القدس تشبّه بالحمامة، وذلك لما ورد في إنجيل متى (16:3) أن يوحننا المعمدان «رأى روح الله نازلا مثل حمامة وآتيا عليه»، وكذلك ورد في إنجيل مامرقس «رأى السموات قد انشقت، والروح مثل حمامة نازلة عليه» (10:1)، وإنجيل لوقا: «نزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة» (22:3).
ويتضح ذلك في سفر النشيد إذ يقول الرب لهذه النفس «يا حمامتي، يا كاملتي». وكذلك يرمز إلى الناس الروحيين بصفة الحمامة، ويرمز هديلها إلى تسبيح الروح، ورفرفتها ترتبط بقصة الخليقة، وقد قيل في البدء في سفر التكوين: «وروح الله يرفرف على وجه المياه» (2:1).

يطير الحمام.. يحطّ الحمام
يطير الحمام
يحطّ الحمام
- أعدّي لي الأرض كي أستريح
فإني أحبّك حتى التعب...
صباحك فاكهةٌ للأغاني
وهذا المساء ذهب
ونحن لنا حين يدخل ظلٌّ إلى ظلّه في الرخام
وأشبه نفسي حين أعلّق نفسي
على عنقٍ لا تعانق غير الغمام
وأنت الهواء الذي يتعرّى أمامي
كدمع العنب
وأنت بداية عائلة الموج حين تشبّث بالبرّ
حين اغترب
وإني أحبّك، أنت بداية روحي، وأنت الختام
يطير الحمام
يحطّ الحمام
****
أراك، فأنجو من الموت. جسمك مرفأ
بعشر زنابق بيضاء، عشر أنامل تمضي السماء
إلى أزرقٍ ضاع منها
وأمسك هذا البهاء الرخاميّ، أمسك رائحةً للحليب المخبّأ
في خوختين على مرمر، ثم أعبد من يمنح البرّ والبحر ملجأ
على ضفّة الملح والعسل الأوّلين، سأشرب خرّوب ليلك
ثم أنام
على حنطةٍ تكسر الحقل، تكسر حتى الشهيق فيصدأ
أراك، فأنجو من الموت. جسمك مرفأ
فكيف تشرّدني الأرض في الأرض
كيف ينام المنام
يطير الحمام
يحطّ الحمام.
................................
محمود درويش

رسول الحرب والسلام
للحمام الزاجل عند العرب تاريخ عريق، إذ يذكر الجاحظ اهتمام العرب بتربيته وحفظ أنسابه في دفاتر كأنساب العرب، بل اعتمد بريد العباسيين على الحمام الزاجل نظراً لاتساع أطراف الدولة العباسية وكثرة فتوحاتها، خلافاً للأمويين الذين اعتمدوا في بريدهم على الخيول والبغال وتبادل الإشارات بالنيران والدخان والمرايا والطبول. ويذكر الحميري في كتابه (الروض العاطر) تنافس خلفاء بني العباس في اقتناء الحمام والعناية به وتوسيع دوره وتحسين نسله، وتنظيم سجلات حركته، وتخصيص مربين له يتقاضون رواتب عالية، حيث وصل ثمن الطائر منه في عهدهم إلى سبعمائة دينار. وبالإضافة إلى القوافل العربية التي كانت تحمل عدداً من أزواج الحمام أثناء رحلاتها لإيصال أخبارها إلى الأقطار، استخدمت الإمبراطورية الفارسية الحمام الزاجل في نقل أسماء الفائزين في أول دورة للألعاب الأولمبية، وكذلك طال استخدام الحمام الزاجل الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى اعتماد غرفة للحمام الزاجل في الجيش الأميركي منذ عام 1978م أسوة بالجيش الألماني، حيث أثبت الحمام نجاحه في الحروب بنسبة 99% في إيصال رسائل مشفرة وإبقاء فيالق الجيوش على اتصال ببعضها بعضا.

مزادات الحمام
لطيور الحمام نحو 200 نوع من سلالات مختلفة، لكن مزاداتها تقتصر على 15 نوعاً منها، ويخضع تقييم مسابقات جمال طيور الحمام إلى 100 علامة تقسم حسب جسم الطائر وذيله وعينيه وطريقة وقوفه. ونظم أول معرض للطيور عام 1998 في استراحة الخيال بإمارة الشارقة.