الملحق الثقافي

الرواية.. المفكِّرة

 أن تكتب هو أن تمنح شكلا للزمن (الصور أرشيفية)

أن تكتب هو أن تمنح شكلا للزمن (الصور أرشيفية)

أمّ الزين بنشيخة المسكيني*

لقد صارت الرواية منذ ثمانينيات القرن العشرين، إلى ضرب من البراديغم الاستثنائي للتفكير بما يحدث للبشر وما لا يحدث، بعد نهاية التاريخ وسقوط العالم في قحط الجغرافيا وخرائطها الخبيثة. لذلك شهدت ساحة الأدب حركة كثيفة تحوّلت فيها الكتابة إلى ضرب من المستودع الكبير لأحلام الشعوب وآلامهم، لخيباتهم وأوهامهم.. لأفراحهم الصغيرة وبقايا أيّامهم.. ولقد انتبه المفكّرون منذ لوكاتش وبنيامين وسارتر وبلانشو لأهميّة هذا المنعرج الأدبي للفكر المعاصر فالتحقوا بالرواية يتوسّلون خيوطا وبروقا وحدوسا لمنح العالم فرصة أخرى لاستعادة القدرة على الحياة من جديد. وهو ما جعلهم يتّخذون من أدب شكسبير وبلزاك وفلوبار وكافكا وبروست وفاليري وجونات.. ودوستفسكي.. حقلا رمزيا لولادة تجارب معنى جديدة قادرة على إنقاذ العالم من السقوط في الفراغ، فراغ هشاشة الأفراد وتصحّر الروح واكتئاب الأنفس في حضارة صار فيه الفرح مناسبة نادرة بين البشر.
والمثير ههنا هو ذاك النحو من المعاصرة الجمالية التي يعيشها كتّاب الرواية العربية مع الأدب العالمي ممثّلا في تجارب اعتبرها الفلاسفة براديغماتية بامتياز.
بم تحلم الكتابة المعاصرة؟ وأيّ عالم التقى به الفكر المعاصر صلب الرواية الحديثة؟ وأيّ شكل من التخييل الروائيّ قد يعتمل ضمن الأدب كي يكون أدبا يُفكّر؟

مراحل
في الحقيقة يمكننا أن نميّز بين ثلاثة نماذج مختلفة من فلسفة الأدب المعاصرة: الأولى تبدأ مع لوكاتش وتنتهي مع سارتر وهي فلسفة راهنت على الرواية التاريخية (لوكاتش) وعلى الأدب الملتزم مع سارتر. الثانية تبدأ مع المنعرج التأويلي للفلسفة المعاصرة مثلما دشّنه هيدغر واستأنفه غادامير في ألمانيا وريكور في فرنسا. وهو تقليد يقوم على فنّ الفهم بوصفه وفق عبارات الفقرة 31 من كتاب «الكينونة والزمان» لهيدغر» ينطوي على نمط كينونة الدزايين بوصفه مستطاع الكينونة».
ثالثا النموذج المابعد حديث القائم على مفهوم الفضاء الأدبي الذي افترعه بلانشو سنة 1955 واستأنفه على أنحاء شتّى كل من دولوز بالكتابة المضادّة لأوديب، ودريدا بالانتثار الذي يكتب آثار الغياب، ورنسيار الذي يجعل من الأدب فضاء تدرّب على الديمقراطية من خلال المساواة بين الجُمل.
سوف نقتصر في هذا المقال على التعريف بنماذج ثلاثة من فلسفة الرواية المعاصرة: هي نموذج «الفضاء الأدبي» القائم على قراءة الأدب بما هو كتابة للكارثة (بلانشو). وثانيا الهويّة السرديّة التي افترعها ريكور بما هي تمنح شكلا للزمن. وأخيرا الأدب بما هو تحرير للحياة كلّما تمّ اعتقالها (جيل دولوز).

(1)
أن تكتب هو أن تكون صدى لما لا يمكنه أن يكفّ عن الكلام: ما بين الفنّ للفنّ والفنّ الملتزم قرّر بلانشو أن يخترع دربا أدبيا ثالثا هو درب أدب الاستثناء. فبين القراءة الماركسية للرواية التاريخية (1920) للوكاتش و الأدب الملتزم لسارتر (1948) يفترع بلانشو تقليد «كتابة الكارثة «(1980) كتجريب أدبي فلسفي يولد صلبه فضاء أدبي استثنائي هو فضاء «توحّد الأثر». انّ بلانشو ههنا يفكّر أمام الكارثة: كارثة المركزية الغربية أي المحرقة اليهودية والحربين العالميّتين وخطّة الاستعمار. إنّ الأمر يتعلّق بفضاء سياسي فظيع حتّم على الفيلسوف الكاتب أن يغيّر من أدوات تحليله لما يحدث. ثمّة فضاء أدبي بدلا عن الرواية الواقعية التاريخية المصاحبة للفكر الماركسي. ما هي عناصر هذا الفضاء الأدبي الجديد؟
يقول بلانشو مفتتحا كتابه «الفضاء الأدبي»: كلّ فنّ إنّما يولد من ضرب من التوحّد». إنّ ما يقصده بلانشو من هذا المفهوم إنّما هو «توحّد الأثر». وهو توحّد يقصي بالضرورة تجربة الانعزال الزائفة للفرد الليبيرالي. وعليه فالتوحّد هو موقف ابداعي وليس موقفا انفعاليا للنرجسية الليبيرالية. وضمن هذا التوحّد يعبّر الأثر الأدبي عن الكينونة نفسها أو فعل الكون. إنّ الأثر إذن لا يعبّر عن مقاصد الكاتب ولا عن وعيه أو مكبوتاته الشخصية كما هو سائد في التحليل النفسي. فالأثر الأدبي وفق تعريف بلانشو له «هو فقط..لا شيء غير فعل الكينونة». ذلك أنّ الكاتب الذي يكتب ما ينفكّ يُطرح جانبا أو هو يُطرد ويغيّب لأنّه هو نفسه غير قادر على وضع نهاية لأثره. ورغم ذلك فالأثر الأدبي رغم توحّده ليس خارج لعبة التواصل ذلك أنّ القارئ نفسه يدخل هو الآخر ضمن توحّد الأثر. أمّا عن الكاتب فهو أيضا ينتمي الى لعبة التوحّد هذه. انّه لا يقرأ أثره أبدا لذلك سيظلّ الأثر دوما بمثابة السرّ الغامض لمن يكتبه لأّنه قد انفصل عنه بعدُ. يقول بلانشو: «لا أحد كتب الأثر بوسعه أن يحيا وأن يبقى حذوه». وهنا يصرّح بلانشو عن أهمّ أطروحات الفضاء الأدبي أي «غياب الكاتب». ذلك أنّ من يكتب يظل دوما صدى للعملية الابداعية وهو بذلك يكفّ عن أن يكون شخصا. لم يعد ثمّة كوجيطو للإبداع لأنّه «أن تكتب معناه أن تكون صدى لما لا يمكنه أن يكفّ عن الكلام».

(2)
«أن تكتب هو أن تمنح شكلا للزمن».. تلك هي أطروحة كتاب ريكور الضخم بأجزائه الثلاثة «الزمن والسرد» (1983-1985). وهنا علينا الإشارة بدءا إلى أنّ ريكور ينتمي إلى تقليد اعتبار الأثر الأدبي نصّا وليس فضاء. وذلك في معنى أنّ المرور من الفضاء إلى النصّ هو مرور من المكان إلى الزمان. فالفضاء مفتوح على فضاءات أخرى سوسيولوجية وألسنية وسياسية، في حين أنّ الزمان هو تجربة تأويلية تاريخية. فحين نقول أنّنا إزاء نصّ معناه ثمّة تأويل وثمّة أفق معنى وثمّة هويّة سردية. لكن حينما نتكلّم عن فضاء أدبي معناه أنّنا نتكلّم عن كينونة من نوع استثنائي وعن غياب الكاتب عن كارثة نكتبها بقلق اللغة. إنّ الأمر لا يتعلّق بالأثر الأدبي فحسب، بل بالسرد بما هو حقل لغوي يضمّ كلّ الأفعال اللغوية من قبيل الرواية والشعر والمسرح والفيلم أيضا. ويفهم السرد ههنا بوصفه خطابا يحمل بما هو مكتوب تاريخا لم يعد بعدُ هو تاريخ كاتبه. والسرد نصّ في معنى أنّه يشترع أمامه عالما هو عالم النصّ نفسه الذي يجد في الزمان مناظرا له. وهذا يعني أنّه ثمّة علاقة حميمة بين السرد والزمن في معنى أنّنا لا نسرد في كلّ مرّة غير تجربة زمنيّة حيّة عاشتها الذات. وهنا يشدّد ريكور على الهويّة السردية بوصفها قدرة تخييلية على التقاط لحظات خيالية تثري علاقتنا بالزمن وتشكّله معا. يتعلّق الأمر إذن بالعودة الى السرد لا من أجل تحويل نظرية النصّ الى نظرية تابعة للألسنية أو السيميوطيقا، بل من أجل إقحام السرد ضمن حقل التجربة العملية. وذلك انطلاقا من تأويل لحقل الفعل البشري بوصفه نصّا. ممّ يجعل الهويّة السرديّة حقلا عابرا للاختصاصات حيث يلتقي السارد بالألسني والمؤرّخ والسيميوطيقي والمؤوّل معا. أمّا عمل القراءة فيعيد تشكيل الحقل العملي. انّ القارئ هو الشخص الحقيقي الذي يضع العالم الممكن للنصّ في تقاطع مع العالم الواقعي.

(3)
أن تكتب هو أن تحرّر الحياة حيثما يتمّ اعتقالها:
إنّنا نشهد مع الفيلسوف الفرنسي المعاصر جيل دولوز على منعرج سياسي في فلسفة الأدب يتجلّى أوّلا مع قراءة «لبروست والعلامات» (1964) ثمّ مع كتابة حول «كافكا والأدب الصغير» (1975) كي نعثر على تعبيرته القصوى في كتاب «أوديب المضادّ» (1972)، ثمّ أخيرا ضمن كتاب «النقد والعيادة» (1993). ههنا ثمّة نظرية كاملة في الكتابة الأدبية تجد أهمّ معالمها في ما يلي: يتعلّق الأمر بالخروج من زمن الكينونة إلى زمن الصيرورة، ومن الهويّة السردية إلى تحرير الحياة من وصاية الأصل والوجه والجذر. وهنا يتبلور معنى جديدا للكتابة خارج سقف الذاكرة: أن نكتب لا يعني أن نمنح اللغة شكلا ما، إنّما يتنزّل الأدب من جهة ما لا شكل له لأنّه في حالة عدم اكتمال دائمة. فالكتابة بهكذا معنى شأن من شؤون الصيرورة. لكن أن تصير لا يعني ان تدرك شكلا ما إنّما يعني أن تدرك موضع جوار حذو صيرورة أخرى. نحن نكتب من أجل الحيوان الذي يتقن الموت أو «نحن نكتب من أجل العجول التي يقع ذبحها» على حدّ عبارة يستقيها دولوز من موريتز. لذلك تدرك اللغة في الأدب كل المنعطفات المؤنّثة والحيوانية والذريّة. يقول دولوز: «ليس ثمّة من خطّ مستقيم لا في الأشياء ولا في اللغة «.
ولأنّك لست شخصا ولا فردا ذا مكبوتات وعقد عدوانية، ولأنّك لم تعد كوجيطو الوعي التعيس الذي يجلد نفسه في اليوم ألف مرّة، فأن تكتب لا يعني أن تعترف بخطاياك ولا أن تقصّ ذكرياتك الخاصّة ولا أشكال خياناتك أو عشقك أو أسفارك أو نزواتك أو أحلام لأنّه ليس ثمّة من أوديب وراء الكتابة، وليس ثمّة من لاهوت فيما تكتب.
إنّنا لا نكتب لأنّنا مرضى بل نكتب لأنّنا أصحّاء تماما. وعليه فإنّ الأدب هو شكل من العافية أو الصحّة من أجل «اختراع شعب ينقصنا». لكن هذا الشعب سوف يأتي من رحم الصيرورة المبدعة، شعب تناديه الكتابة من مكان قصيّ ومن أعماق مغمورة.. انّه ذاك الشعب الذي لا يريد أن يحكم العالم بل يريد أن يحرّر الحياة. إنّ الأدب بهذا المعنى هو مرور إلى الحياة عبر اللغة.
هكذا يقع تحرير الكتابة من التحليل النفسي القائم على عقدة أوديب. إنّ ما يقترحه جيل دولوز هو التفكير بأوديب مضادّ لإشكالية الأصل والهوية والذاكرة والوجه والوجهية وكل ما يمثّل جهازا لسلطة ما: من الكوجيطو الى جهاز الدولة إلى الرأسمالية كجهاز أوْدَبة (من أوديب) كبيرة قائمة على الثنائيات والأغلبيات. ذلك أنّ أوديب في تأويل دولوز - ضدّ فرويد - هو بمثابة رمز للرأسمالي لأنّه فردي، ولأنّه يعاني من رغباته، وهو ارتكاسي لأنّه عدمي تسكنه الإحباطات والمكبوتات وهو خطّاء ومذنب دائما. وتبعا لذلك لقد عوّض التحليل النفسي، في اعتبار دولوز، طقس الاعتراف المسيحي بأريكة العيادة النفسية، في حين أنّ الأدب صحّة كبرى وعنفوان حياة ومكنات رغبة تخترع الحياة كلما يقع اعتقالها.

معاصرة جمالية
هناك نوع من المعاصرة الجمالية التي يعيشها كتّاب الرواية العربية مع الأدب العالمي، ممثّلاً في تجارب اعتبرها الفلاسفة براديغماتية بامتياز. فلا أحد من الذين يكتبون اليوم في لغة الضاد أدباً يكتب إلاّ وهو قد قرأ سلفاً شكسبير وفلوبار وكافكا وبروست وفاليري وجونات وكونديرا ونيكوس كازنزاكي وباولو كويلو وغارسيا ماركيز وأمبرتو إيكو.. كلّ هذه الأسماء الكونية هي إنما أتقنت حراسة عالمنا، الذي لا نملك غيره، من الانحدار نحو العدم، وهي تستأنف مقاومة كلّ أشكال الدمار الأحمق لسياسات هدر الدماء وسرقة العقول والقلوب وبيع أحلام البشر.
..............................................
* جامعة تونس