الاقتصادي

بين المنافسة وحماية المستهلك

رغم الاختلاف الجوهري بين مفهوم المنافسة ومفهوم حماية المستهلك، إلا أنهما يلتقيان في كثير من المجالات التي تجعل اقترانهما ممكناً من النواحي العملية.
فالمنافسة وحسب تعريفها بقانونها الاتحادي 4/‏2012 هي «مزاولة الأنشطة الاقتصادية وفقاً لآليات السوق دون تأثير أو تقييد لتلك الآليات يلحق آثاراً ضارة بالتجارة والتنمية». ولا عجب أن يهدف قانون المنافسة إلى توفير بيئة محفزة للمنشآت من أجل تعزيز الفاعلية والتنافسية ومصلحة المستهلك وتحقيق تنمية مستدامة بالدولة.
من الواضح أن المنافسة النزيهة تساهم في حماية المستهلك، وخاصة من جشع بعض التجار، وتساعد على تحقيق أسعار عادلة للسلع والخدمات.
ومن الملاحظ عالمياً عند الجهات الرقابية والإشرافية أن العديد من دول العالم مثل أستراليا وأيرلندا والدنمارك قد قرنت دوائر المنافسة وحماية المستهلك في إطار إداري ورقابي وإشرافي واحد.
أما على الصعيد المحلي بدولة الإمارات العربية المتحدة، فإن إدارة المنافسة وحماية المستهلك في وزارة الاقتصاد تشرف على التنسيق والتصدي لكل أشكال الأنشطة والممارسات المخالفة للقانون ومبادئ المنافسة النزيهة وخاصة الهيمنة الاقتصادية بالأسواق، بالإضافة إلى تصديها للممارسات التجارية غير المشروعة، وهي وحسب صلاحياتها تراقب على حركة الأسعار فيما يساهم في حماية المستهلك.
وبشكل عام، تلتقي المنافسة في عدد من مفاهيمها وتطبيقاتها مع المفاهيم والتطبيقات المتعلقة بحماية المستهلك، ولعل موضوع أسعار السلع والخدمات من أكثر نقاط الالتقاء.
ففي مسألة ما يسمى «الوضع المهيمن» في موضوع المنافسة، وهو الوضع الذي يمكن أية منشأة بنفسها أو بالاشتراك مع المنشآت الأخرى من التحكم والتأثير على السوق المعنية، فإن ارتفاع الأسعار بشكل غير مبرر هو الهاجس الأكبر ليس فقط لإمكانية إضراره بالمستهلك، بل أيضاً لخرقه واختراقه لآليات السوق، حيث قد تؤدي الهيمنة إلى افتعال الزيادة والخفض بالأسعار، وكذلك التواطؤ في العطاءات وعروض المزايدات والمناقصات والحد من حرية تدفق السلع والخدمات أو إخفائها أو تقاسم الأسواق على أسس جغرافية أو اتخاذ إجراءات لعرقلة دخول منشآت إلى السوق أو إقصائها، وكل ذلك له تأثير بشكل مباشر أو غير مباشر على أسعار السلع والخدمات.
بينما ومن ناحية أخرى، فإن حماية المستهلك تقتضي الرقابة على الأسعار واتخاذ الإجراءات والتدابير لوقف الزيادات غير المبررة بها، ومكافحة الاحتكار.
وورد في أدبيات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية لسنة 2012 أن كلاً من سياسات حماية المستهلكين وسياسات المنافسة يعزز رفاه المستهلكين. وكلاهما يتناول هذا الهدف من منظور مختلف، وكثيراً ما يتداعم الجانبان وإن كان ثمة اختلافات مهمة في كيفية التنفيذ لدى هذين النوعين من السياسات.
وورد أيضاً أن تقوم التشريعات المتعلقة بحماية المستهلكين على استنتاج مفاده أن العلاقة بين المستهلكين والشركات التي يتعاملون معها غالباً ما تكون غير متكافئة من حيث الوضع الاقتصادي والمستوى التعليمي والقدرة على المساومة.
ولذلك فإن قانون حماية المستهلكين النموذجي يسعى إلى الحيلولة دون وقوع خسائر على مستوى رفاه المستهلكين بسبب هذا الموقف الأضعف. وتتباين سبل تحقيق هذا الهدف تبايناً كبيراً بين البلدان المختلفة. ونحن نؤكد بأنه ما من شك بأن عموم التشريعات والممارسات المتعلقة بحماية المستهلكين هي أكثر تنوعاً من التشريعات والممارسات المتعلقة بالمنافسة، وذلك بسبب طبيعة كل موضوع. ففي دولة الإمارات العربية المتحدة، وعلى سبيل المثال، لا تقتصر تشريعات وممارسات حماية المستهلك على ما يتعلق بالأسعار والاحتكار والتضخم، بل إنها تشمل أموراً كثيرة أخرى مثل التصدي للسلع المغشوشة والفاسدة، ومكافحة التضليل في العقود، والاسترداد (استرجاع السلع المعيبة)، والتعويض، والصلح في المنازعات، وغير ذلك.
وأخيراً، فإن الإشراف والرقابة الحكومية على كل ما يتعلق بموضوعيْ المنافسة وحماية المستهلك هي تكاملية وليست منفصلة وكلها تسعى بالنهاية لمحاولة المساهمة في إسعاد المستهلك.

مدير إدارة المنافسة وحماية المستهلك بوزارة الاقتصاد