تقارير

زيمبابوي.. لماذا تأخر التغيير؟

أصبح قبول رئيس مثل روبرت موجابي لأكثر من 37 عاماً في زيمبابوي مسألة غير مقبولة اجتماعياً ولا سياسياً، حتى أن زعيم المحاربين القدامى في حركة تحرير زيمبابوي (زانو- زابو)، أعلن، وهو في سن متقدمة بدوره، أنه لا مجال لاستمرار روبرت موجابي في السلطة.
وكان موجابي يعتمد على هذه القوة السياسية الاجتماعية للمحاربين القدامى كظهير له في المجتمع، كما كان شباب حزب «زانو»، المنظم كميلشيا مدربة بجوار القوات المسلحة، درعاً ثانية يعتمد عليها.
ولكن هذه الأطراف المؤثرة من حول الرئيس فوجئت بالصراعات التافهة بين الزوجة الشابة لموجابي ونائبه وقائد جيشه الذي نحاه مؤخراً، تمهيداً لأن تكون هي النائبة التي تعد لتولي الرئاسة. وفي مثل هذه الأجواء يسود عادة فساد كبير بين تيسير السرقة وشراء الذمم وتراخيص الأراضي والعقارات.. الخ، ويصبح الفساد أداة توقف النمو أو التنمية المخطط لها، فتنهار أعمدة المجتمعات.
وهذا ما حدث مع كبر سن موجابي، وقد أعلن الجيش في تبرير الانقلاب الأخير أن الانتفاضة العسكرية إنما تستهدف فقط «المجرمين المحيطين بالرئيس»، على رغم أن المرشح لفترة الانتقال على الأقل «إيمرسون مانجا جيرا» يطلق عليه البعض وصف «الكروكودايل» (التمساح)، ومن ثم يستمر القلق على إمكانيات التغيير.
والسؤال: لماذا تمضي إجراءات الانقلاب بهذا التدرج الملحوظ: نفي الجيش أنه انقلاب، وانتظار لقرار الحزب الحاكم ومكتبه السياسي لعزل موجابي، ثم الظهور به في الجامعة على رغم حالة التحفظ عليه في منزله لإعلان أمنه، وأتردد الحديث عن صفقات ليستمر موجابي حتى ديسمبر على الأقل، موعد مؤتمر الحزب؟
لم يكن موجابي رجلاً بسيطاً، كما كان يحب أن يبدو أحياناً «أرعن» في علاقاته النسائية، أو تصريحاته السياسية. كان يملك العديد من «أوراق اللعبة» في المنطقة الجنوبية من القارة السمراء... أولها أن نظام جنوب أفريقيا الرأسمالي الكبير لا يسمح بوقوع انقلابات عسكرية في البلدان المحيطة به، مثلما حدث في تدخله في ليسوتو وموزمبيق، وحماية النظام في الكونغو..الخ. كما أن جنوب أفريقيا أيضاً ذات تأثير كبير على منطقة «سادك» كلها، وعلى المستوى العالمي، سواء مع الغرب أو مع الشرق ضمن منظمة «البريكس»، هذا فضلًا عن انفرادها بسوق زيمبابوي.
وهذا المارد الجنوبي فيه أيضاً أكبر الثروات التعدينية، التي تسيطر عليها شركات دولية كبرى لا تقبل بالاضطرابات. كما تتوفر له أراضٍ زراعية مفروض أن تُنقل لأهل البلاد، ولم يتم ذلك إلا في أضيق الحدود. وهذان العنصران (المعادن والأرض) متوفران أيضاً في زيمبابوي، فعندها أكبر مخزون عالمي من الماس الآن في «مارنجا»، وأكبر احتياطي من البلاتينيوم، ولا حرج في أن تعلن بعض المصادر أن عائد الماس يختفي تلقائياً في جيوب الفاسدين.
أما الأرض التي وُعد بدفع المستوطنين للتخلي عنها خلال عشر سنوات من استقلال زيمبابوي (1980) فلم يحدث ذلك، ليظل 70% من أجود الأراضي في أيديهم حتى الآن، بينما كان موجابي يعتمد على دعم الفلاحين ومنطقتهم «الشونا» مقابل منافسيه.
ولكن موجابي لم يكن يملك إلا المناورة بذكاء مع جنوب أفريقيا التي تحمي الموقف الآن من الفوضى. فقد كان يهدد دائماً بإعلان «ثورة الأرض» و«التأميم» لشركات التعدين لإرهاب جنوب أفريقيا من احتمال نشوب ثورة من أجل أراضيها الشاسعة ضد 5 ملايين مستوطن يسيطرون على شركات التعدين ويتحكمون -في هدوء- في رقاب ملايين العمال رغم إضراباتهم المستمرة..
كما يخيف موجابي أيضاً جنوب أفريقيا، باحتمال فتح الحدود وتهجير عماله وفقرائه إليها (هناك الآن حوالي 3 ملايين عامل).
ولكل ذلك يطمئن موجابي إلى التغيير الآمن رغم امتلاء الشوارع والميادين بمن يطالبون بطرده فوراً، منتظراً وساطة جنوب أفريقيا، وعدم قدرة الجيش على إعلان انقلاب لن يقبله الاتحاد الإفريقي، كما لن تدعمه أيضاً جنوب أفريقيا ودول المنطقة الأخرى... ولكن عوامل أخرى ينتظرها الموقف وذات تأثير كبير محتمل: تحرك المعارضة الكامنة في حزب «زابو»، أو حركة التغيير الديمقراطي التي عاد زعيمها للبلاد وكان رئيساً للوزراء في فترة ما صغيرة عام 2008، قبل فيها موجابي بعض التغيير، فضلاً عن مساومات الجيش مع موجابي قبل رحيله.
والمتوقع إذن تأمين خروج موجابي إلى منفى في جنوب أفريقيا، واستلام نائب الرئيس لعملية نقل السلطة، ولو إلى رئيس مدني من الشخصيات السياسية حتى تجرى انتخابات ويأتي نظام آخر. وستظل المخاوف قائمة من كوادر الحزب التي استفادت كثيراً من فترة موجابي، ومن جيش استطاع أن يصفي كوادر جيش التحرير، ويَبقى الفاسدون بقوتهم الرأسمالية محيطين بأي نظام قادم... ولكل‏? ?ذلك? ?يقف? ?العالم? ?في? ?حالة? ?ترقب? ?لتحولات الموقف في زيمبابوي.

* رئيس مركز البحوث العربية والأفريقية- القاهرة