عربي ودولي

غدا في وجهات نظر.. نخبة مثقفة عميقة

يرى منصور النقيدان أننا لو نظرنا إلى سنوات مضت ودرسنا حالة كل واحد من دعاة الفتنة، لأمكننا أن نستخلص درساً مفيداً يمكنه أن ينسج رؤية ثاقبة، حاضراً ومستقبلاً لتلافي أخطاء الماضي، لقد تسببت اللامبالاة، والشراكة المؤقتة، والتوظيف السياسي والتحالف الهش مع الثعابين، إضافة إلى استغلال إعجاب بعض أصحاب النفوذ أو علماء المؤسسة الدينية الرسمية، ببعض الدعاة أو الوعاظ، لحسن بيان، وطلاقة حديث، وهالة شخصية فطرية أو مصطنعة، ممزوجة بتملق ومداهنة؛ لقد تسببت هذه العوامل وغيرها في أن تبني هذه الشخصيات السياسية شبكة علاقات اجتماعية ومالية وسياسية معقدة متغلغلة في شرايين مجتمع متدين أصلاً، عرضة للتلاعب به، وأن تبني علاقات خارجية ممتدة، تتعاظم مع الوقت يستحيل تتبعها، وتشكل أزمة كبيرة وعبئاً يكلف التخلص منه الكثير، ليس أقلها سمعة البلاد، وتشويه صورتها. كل ذلك لأن شخصاً مغموراً ربما كان قدره أن يبقى مؤذناً أو إماماً في مسجد ناءٍ في أطراف المدينة، أو منشداً في الأعراس، أومأذون أنكحة، فتحت له الأبواب قبل سنوات قليلة وعلى حين غفلة أو تغافل.

"الإخوان المسلمون" والسروريون والسلفيون

يقول عبدالله بن بجاد العتيبي: عانى كثيرون بعد ما كان يعرف بـ "الربيع العربي" من ضبابية الرؤية وغموض الأحداث والتباسات الوعي، والأمر لا يزداد مع الأيام لمن اختار التفكير بالقلب لا بالعقل إلا غموضاً والتباساً.
من ضمن المعطيات الجديدة الدخول القويّ للتيارات الإسلامية على المشهد السياسي، بل فوزها بأكثرية الأصوات التي تقنع الواهمين بأن الديمقراطية هي "صناديق الاقتراع" فحسب، وقد ثبت حينذاك أن كثيراً ممن يسمون مثقفين أو إعلاميين لا يعلمون شيئاً عن طبيعة خطاب وتاريخ هذه التيارات وطبيعة الجوامع والفوارق بينها، وقد تراجع بعضهم، وطوّر بعضهم معارفه، وبقيت بقية على عمائها الذي اختارته وغيها الذي تحسبه رشداً.
اليوم، وبعد إسقاط حكم جماعة "الإخوان المسلمين" والموقف الذي أعلن عنه حزب "النور" السلفي يجب توضيح الصورة أكثر لمن لا يمتلك خلفية كافيةٍ للمعرفة والفهم وغير المتخصص بشكلٍ عامٍ.

جماعة "الإخوان المسلمين"، هي جماعة سياسية تستغل الدين لخدمة أهدافها السياسية، وتستغل مفاهيمه ومصطلحاته لتصل للسلطة أو تزيد من الاستحواذ عليها، وهي أخطر جماعات الإسلام السياسي وأكثرها مكراً وأشدها كيداً، أما "السلفية" فهي تيارات متعددة الأصل فيها الاهتمام بالعقيدة والابتعاد عن السياسة، ولكنها تطوّرت لاحقاً وبالتماس مع جماعة "الإخوان المسلمين" وخطابهم فأخرجت عدة توجهات من أهمها "السلفية الجهادية" التي تتبنى العنف صراحةً تحت مسميات "الجهاد" مثل تنظيم "القاعدة"، و"السلفية السياسية"، والتي تندرج تحتها تيارات وأحزاب خلطت بين المحتوى العقدي للسلفية والمحتوى السياسي لجماعة "الإخوان المسلمين"، ومن ذلك تيار "السرورية" نسبةً لمحمد سرور زين العابدين، والتيارات التابعة لعبدالرحمن عبدالخالق، وبعض تلاميذ محمد قطب السعوديين والخليجيين ومن تبعهم في باقي البلدان العربية.

روحاني نحو المواءمة والتوافق الداخلي

حسب د. سلطان محمد النعيمي لم يتبقّ سوى أيام قليلة ليتسلم حسن روحاني مقاليد السلطة التنفيذية بوصفه رئيساً جديداً لإيران بعد فترتين قضاهما نجاد تكللتا بنجاح وإنجازات قل مثيلها من وجهة نظر مؤيديه، إلى درجة أن قيل إن عودة نجاد الثانية ستكون متزامنة مع عودة المهدي المنتظر، وبين وجهة نظر أخرى تنفست الصعداء بفوز روحاني أملاً أن يكون قد ولَّى زمن الراديكالية والتخبط الإداري ومعاداة الخارج.

لقد جاء روحاني بشعار لحكومته متمثل في حكومة التدبير والأمل ليضفي طابع الاعتدال والوسطية، متعهداً بأن تكون حكومته مزيجاً من الأطياف السياسية ومستعينة بالخبرات. فإيران كما يرى روحاني بحاجة للوئام والانسجام والاتحاد لتحقيق تطلعات الشعب الإيراني.

والسؤال هنا كيف يمكن لروحاني أن يقود سفينة حكومته وسط أمواج متلاطمة من التباينات الداخلية، وبين عواصف هوجاء جالبة معها العقوبات الاقتصادية الواحدة تلو الأخرى؟

أميركا... الداخل أولاً!

استنتج د. عبد الله خليفة الشايجي أنه على رغم الدور، والحضور البارز الذي كان يصل إلى حد وصف الولايات المتحدة بأنها شرطي العالم ورجل الإطفاء، ومن يأمر وينهى، ويسقط أنظمة ويدعم أخرى، ويشن حروباً فعلية أو باردة، وينفق على الدفاع والأمن نصف الإنفاق العالمي.. إلا أن أعداد مراكز الدراسات، والباحثين، والمتخصصين في الشأن الأميركي، في البلاد العربية تبقى محدودة وقليلة. وبالتالي يستمر الجهل المركب وعدم فهم مكونات النظام الأميركي، ما يزيد من ضبابية الصورة والمشهد، ويضخم من دور أميركا، ويغذي نظرية المؤامرة.. وبالتالي يزيد ذلك من سوء الفهم، ويدفع بالتحليل الخاطئ لأي موقف أو تدخل أميركي، أو حتى عدم تدخل.

ويبقى الغريب مع مركزية الدور الأميركي، وغير الواضح هو: لماذا هذه القلة في عدد الباحثين والمتخصصين؟ ولماذا يبقى فهم أميركا ونظامها ودورها مبهماً! أحاول على المستوى الشخصي تسليط الضوء، وتفكيك آليات صناعة القرار الأميركي من دور الرئاسة، والكونجرس، واللوبيات.. وصولاً إلى الحسابات الخاطئة، والمغامرات الأميركية في الشؤون الخارجية.. وكذلك الأسباب التي تراجع فيها الحضور والدور الأميركي الذي لم تعد له هالة الاحترام والرهبة كما كان قبل سنوات. ونرى ذلك واضحاً في الغياب والتخبط الأميركي في التعامل مع «الربيع العربي»، وعملية السلام في الشرق الأوسط، وسوريا، وإيران، ومصر... ولماذا حدث ذلك؟

انحرافات الديمقراطية

حسب د.السيد ولد أباه، كشفت «ثورة 30 يونيو» في مصر عن تعقيد المسار الانتقالي للديمقراطية في البلدان العربية، وفجرت نقاشاً نظرياً وإيديولوجياً واسعاً حول إشكالات الشرعية وعلاقتها بمسلك تدبير الحقل السياسي ونظام الحريات العامة.

ولقد عنّ لي الرجوع لأدبيات الفكر السياسي الغربي في القرن التاسع عشر، في فرنسا وأميركا على الأخص، للمقارنة مع الحالة العربية الراهنة، فذهلت بأوجه التقارب والتشابه رغم اختلاف السياقات والأزمنة.

ومن دون الخوض في التفاصيل التي تهم المختصين من مؤرخين وعلماء سياسة واجتماع، أود الإشارة إلى ثلاثة أوجه من الحوار الفكري والسياسي حول أزمات الانتقال الديمقراطي، اعتقد أنها مفيدة في استكناه وتوجيه المسار العربي المتعثر، مشيرين هنا إلى ما أطلق عليه «روزنفالون» مقولة «أمراض الديمقراطية» الناتجة عن توتراتها الداخلية.

أما الوجه الأول، فيتعلق بالصدام بين الجانب الإجرائي المسطري في الديمقراطية وجانبها المفهومي القيمي. وبالرجوع للتجربة الغربية، يتبين أن الثوار الفرنسيين والأميركان المتشبعين بالتقليد "الأنواري" في نسختيه الفلسفية والليبرالية (الانجليزية) كانوا دوماً متخوفين من التفاف الطبقة السياسية على الأهداف والقيم التغييرية الراديكالية التي قادت حركتهم التاريخية. ومن هنا يمكن القول إن الجانب التمثيلي من حيث هو مجرد تعبير عن الموازين القائمة لم يكن آلية مقبولة لدى الثوار الذين كان ميلهم للتجربة الدستورية الإنجليزية التي تصورت النظام البرلماني في صيغة مجلس تداولي يفرز النخبة القيادية الطلائعية المؤهلة معرفياً وقيمياً لاحتضان ديناميكية التنوير والدفاع عنها.

إطاحة الأسد... بالضغط على «حزب الله»

يرى جوناثان ستيفينسون أن الأزمة السورية عرّضت مبدأ الرئيس الأميركي باراك أوباما في مجال السياسة الخارجية، والمسمى «الواقعية المستنيرة»، لأشق اختباراته. فتدخل أوباما العسكري المباشر في تلك الأزمة، يمكن أن يزج بالولايات المتحدة في حرب أخرى مفتوحة النهايات في الشرق الأوسط، كما أن عدم القيام بشيء سيعني إخفاقه في الوفاء بالتزامات الولايات المتحدة الإنسانية، وإلحاق الضرر بمصالحها الإقليمية في آن معاً.

لكن العائق الوحيد للتوصل لصفقة سياسية بصدد تلك الأزمة، يتمثل في العناد الوحشي للرئيس السوري. ورغم ذلك فثمة خيار يمكن للولايات المتحدة اتخاذه للضغط على الأسد. فأقوى حافز يمكن أن يدفع الأسد للتوصل لتسوية مقبولة، في نظري، هو فقدان الدعم الذي يقدمه له «حزب الله» اللبناني المدعوم من إيران، والذي يتصاعد الغضب ضده في بلده حالياً بسبب تدخله لجانب النظام السوري. ويمكن للولايات المتحدة استغلال هذه الفرصة، حتى لو كانت تعني التفاوض مع إيران، لكبح جماح وكيلها اللبناني في المنطقة.

و«حزب الله» يمثل ورقة الأسد الرابحة؛ فبدون العون الذي قدمه آلاف المقاتلين التابعين له، ما تمكنت قوات النظام السوري من استعادة مدينة القصير ذات الأهمية الاستراتيجية في مطلع يونيو الماضي، ولوجدت صعوبات جمة في السيطرة على دمشق وغيرها من المناطق الرئيسية.

ومن ناحيته ينظر الحزب إلى سوريا باعتبارها قناة مرور شحنات الأسلحة القادمة إليه من راعيه الإيراني، والذي يرى من الأفضل له أن تحكم سوريا من قبل حليف لطهران مثل الأسد، من أن تحكم من قبل متمردين سنّة مناوئين لها.

التدخل في سوريا: مصلحة مشتركة

يقول كارل ليفين، وهو سيناتور ديمقراطي عن ولاية ميتشجان، وأونجس كينج
سيناتور مستقل عن ولاية ماين: كأعضاء في لجنة الاستخبارات والخدمات المسلحة بمجلس الشيوخ الأميركي، كنا على علم بما يجري في سوريا من فظائع وآلام حتى قبل زيارتنا الأخيرة للمنطقة. لكن قراءة التقارير من واشنطن تختلف كثيراً عن لقاء بعض من مئات الآلاف من المدنيين الذين اضطروا للفرار من منازلهم والبحث عن ملاذ آمن خارج الحدود. فخلال اجتماعاتنا مع هؤلاء سمعنا قصصاً مروعة عن المأساة التي يقاسيها السوريون، وكيف أن أطفالهم ما زالوا يرتجفون عند سماع أصوات مرتفعة، لما تذكرهم به من عنف عاشوه خلال رحلة الفرار. لذا نعتقد أن على الولايات المتحدة أن تتعاون مع شركائها وحلفائها لوقف إراقة الدماء ومساعدة الشعب السوري على تجاوز محنته الراهنة. وفي هذا السياق يتعين إقامة تحالف دولي يعزز القدرات العسكرية والسياسية لمعارضي الأسد، على أن يكونوا من المعتدلين، وذلك بتوفير العتاد والتدريب، بل يتعين على قوى التحالف وضع خطوات ملموسة للضغط عسكرياً على الأسد، بما فيها شن ضربات جوية على مواقع الصواريخ والطيران وباقي الأسلحة الثقيلة التي يستخدمها النظام لدك المدن والأحياء... هذه الخطوات ستنعش الأمل في إقناع الأسد وداعميه بأن الحل السياسي هو المخرج الوحيد من الأزمة، وأن الاستمرار في الحرب والخيار العسكري لن يؤدي سوى إلى مزيد من الدمار والخراب.

وبالطبع لا أحد، سواء من جهة الحلفاء أو المعارضة السورية نفسها، يريد من أمريكا إرسال جنود إلى سوريا، فذلك لن يساعد المعارضة، كما لن يقبل به الشعب الأميركي. ولا يعني ذلك أننا نستسهل التحديات الكبرى المطروحة أمام الانخراط الأميركي في الأزمة السورية، فوجود قوى مناهضة للأسد لها ارتباطات بتنظيم «القاعدة» يدفعنا لتوخي الحذر وإجراء فحص دقيق للقوى التي تستحق الدعم والمساندة. لكن مهما بلغت هذه الأخطار من جسامة، تبقى كلفة عدم التحرك أكبر بكثير؛ فبقاء نظام الأسد المتحالف مع «حزب الله» وإيران سيدعم قدراتهما في المنطقة ويشجعهما على التجرؤ على أميركا وحلفائها، الأمر الذي لا يصب في مصلحتنا. فلو أن نظام الأسد انتهك جميع الخطوط الحمراء وداس الإجماع الدولي بشأن الأسلحة الكيماوية وأقدم على استخدامها دون عواقب، فذلك يعني أن الولايات المتحدة والعديد من الدول الأخرى ستكون أقل أمناً، هذا ناهيك عن التأثيرات السلبية لما يجري في سوريا على دول الجوار وتنامي التوتر بين السكان الأكراد والحكومتين التركية والعراقية.