ثقافة

سرعة الأحداث حوّلت العلاقة بين الإعلام والثقافة من الحميمية إلى السلبية

جانب من الجلسة الرمضانية في نادي دبي للصحافة (من المصدر)

جانب من الجلسة الرمضانية في نادي دبي للصحافة (من المصدر)

جهاد هديب (دبي) - أقام نادي دبي للصحافة في قاعة الملتقى بمركز دبي التجاري العالمي مساء الخميس الماضي الجلسة الرمضانية الحوارية «الإعلام الثقافي في الإمارات هل يواكب القفزة الثقافية فيها؟» بمشاركة: بلال البدور وكيل وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، نائب رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم، والدكتور صلاح القاسم، المستشار في هيئة دبي للثقافة والفنون (دبي للثقافة) عضو مجلس إدارة الندوة، وجمال الشحي، رئيس مجلس إدارة جمعية الناشرين الإماراتيين وكاتب المقالة الأسبوعية في «الاتحاد»، وعلي آل سلّوم الإعلامي والناشط في التواصل الاجتماعي عبر المواقع والصحافة الإلكترونية، والشاعر يوسف أبو لوز رئيس القسم الثقافي في جريدة «الخليج». وقد أدار الجلسة الإعلامي سعيد حمدان الكاتب في جريدة «الاتحاد».
وبدءا فإن الفكرة التي تمحورت حولها الجلسة بحسب رقاع الدعوة التي وزّعها النادي تمثلت بالحديث عن «دور ومسؤوليات الإعلامي الوطني لمواكبة القفزة الثقافية الحاصلة في دولة الإمارات مع وجود أكثر من مائتي جنسية تعيش على أرضها. الأمر الذي فرض تحديات ومسؤوليات كبرى على أدوات الفكر والإعلام والثقافة؛ ويثير تساؤلات حول الدور الذي يجب أن تلعبه المؤسسات الإعلامية في تحصين الهوية الوطنية وتمكينها من جهة، والسماح بالانفتاح على الثقافات الأخرى والاستفادة منها من جهة أخرى». وكذلك فإن التنوع في الأجيال والاختلاف في الأفكار بين المشاركين والمداخلين والمحاورين قد انعكس على الجلسة وطبعها بطابعه، فبرز الاختلاف في وجهات النظر والافتراق في النظر إلى الثقافة ودورها الاجتماعي بناء على أفكار ومعارف لدى المشاركين وليس على أوراق عمل جرى إعدادها سلفا.
هاجس وطموح
في أية حال، بدأت الجلسة مع الزميل سعيد حمدان الذي بادر إلى القول: «عندما نتحدث عن الثقافة في الإمارات فإننا نتحدث عن الثقافة بوصفها هاجسا وطموحا»، مؤكدا أن هذين الهاجس والطموح يستهدفان الارتقاء بالثقافة في سياق خطة تجعل الثقافة في الإمارات مع انعقاد اكسبو 2020 بدبي مجالا للتبادل الثقافي والعلاقات الإنسانية بين الشعوب وذلك في سياق مناقشة مشروعات ثقافية ناشئة وأخرى تنشأ في الرمارات بوجود مشهد إعلامي لا يقل عدد فضائياته عن العشرين، وعدد أكبر من المحطات الإذاعية والصحف المطبوعة والمواقع الإلكترونية وسواها من الوسائط الإعلامية التقليدية والحديثة.
ومن جملة ما قاله بلال البدور إشارته إلى «الحميمية» التي كانت تتسم بها العلاقة بين الثقافة والإعلام في ما مضى، إذ أسس الإعلام لتواصل بعيد المدى مع المؤسسات الثقافية، لكن التسارع في الأحداث اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً قد خلق تحولاً في هذه العلاقة امتاز بالسلبية، فلم تعد الأمور مثلما هي عليه في السابق، إذ انشغل الإعلام بتلك التسارعات على حساب اهتمامه بالتسارع الذي ما زال يحدث في الثقافة أيضاً. وبالمقابل، تساءل البدور: هل استطاعت الثقافة أن تجبر الإعلام على متابعتها؟ موضحا أنه لا يقصد الثقافة بالتغطية الإخبارية وحدها بل بكل شموليتها وبوصفها مشروعا.
في هذا السياق لاحظ البدور أن الإعلام الثقافي لا يقدِّر الإبداع الناشئ ولا يأبه به، فهو يركِّز على الأسماء المكرّسة حيث ضرب على ذلك مثلا بأن اهتمام الإعلام في حال عقد الندوات أو المؤتمرات الفكرية ينصبّ على الأسماء اللامعة أكثر مما ينتبه إلى الجهود المعرفية التي يتم تقديمها، وضرب مثلا آخر عندما قارن في الاهتمام الإعلامي بما تنشره دار نشر عربية معروفة مثل الآداب البيروتية في حين لا ينال القارئ فرصة كافية لما تفعله دار نشر إماراتية مثل دار «كُتّاب».
تسويق الثقافة
أما الدكتور صلاح القاسم فرأى أن دور الإعلاميين يتحدد في أن عليهم القيام بتسويق الثقافة وإبراز دور المثقفين والمؤسسات الثقافية خاصة وأن هناك الكثير من البرامج الثقافية المختلفة التي تضطلع بها المؤسسات المعنية مثلما هناك جهود كبيرة يقدمها المثقف الإماراتي، ما يعني أن على الإعلامي والمؤسسة الإعلامية أن يتحمل كل منهما مسؤوليته تجاه هذا الوضع، مؤكدا غياب التواصل بين المؤسسات الثقافية والمؤسسات الإعلامية.
ووصف جمال الشحي، وهو أيضاً مدير عام دار كُتّاب، العلاقة بين الإعلام والثقافة في الصحافة اليومية بأنها «غريبة»، وذلك لجهة أنه إذا سلّمنا بأن التنمية الثقافية المستدامة هي كسواها من التنميات، الاقتصادية والاجتماعية وغيرهما، ما يعني أن التنمية الثقافية تكتسب الأهمية نفسها. الأمر الذي هو غير متاح عندما ينظر الإعلام إلى الثقافة باستثناء ذلك التغيّر الذي تشهده الثقافة إنما على نطاق ضيِّق.
وفي ما يتصل بصناعة الكتاب وجيل الشباب من الكتّاب على الصعيد الإماراتي أوضح الشحّي أن درا نشر «كُتّاب» قد ولدت بدافع من واقع حال أنه لا توجد دور نشر على مستوى عالي من الاحتراف في حين أن سوق الكتاب في الإمارات يستوعب عددا أكبر مما هو موجود من دور النشر القائمة الآن، مؤكدا أن هذا هو السبب الأساس الذي دفع بالعديد من الناشطين الإماراتيين إلى تأسيس دور نشر محلية.
الخبري والإبداعي
ومن جهته تساءل علي آل سلّوم عما تريده المؤسسات الثقافية وعن الأهداف التي تسعى إليها خلال السنوات العشر المقبلة، ملاحظا أن هناك غيابا لدى المؤسسات الثقافية على صعيد الخطط وما تهدف إلى تحقيقه عبر هذه الخطط بحيث تصبّ الموارد في هذا الاتجاه.
وأخيرا، وضمن الوجبة الأولى من الحديث في الجلسة، تطرق يوسف أبو لوز إلى أن ديناميكة تحرك الفعاليات الثقافية تعكس ديناميكية في المشهد الثقافي الإماراتي إجمالا، مؤكدا أن مواكبة الإعلام للتغيرات الثقافية لا تعني متابعة الأنشطة والفعاليات الثقافية بمختلف أنواعها بل توجيه النقد إليها أيضا، لكنه لاحظ في الوقت نفسه أن الطابع العام للإعلام الثقافي اليومي هو طابع خبري، فلا نص أدبي في الصفحة اليومية كما كانت عليه الحال في الثمانينات مثلا، وهو ما انتقل ليصبح جزءا من عمل الملاحق الثقافية الأسبوعية، حيث لاحظ أيضا في السياق نفسه انشغال الصحف بالطابع الخبري على حساب الانشغال بالأصوات الإبداعية الإماراتية الجديدة.
وبعد ذلك دار الكلام أكثر من مرة ما بين المتحدثين والمداخلين على غير صعيد، ومن الممكن إجمال الأفكار التي طرحت على النحو التالي، إنما لا على الترتيب: دعا البعض إلى أن ينخرط رجال الاقتصاد والسياسة في العمل الثقافي بكافة مستوياته بهدف إدراك تلك الأهمية التي تتمتع بها الثقافة عمليا لا نظريا. وبصدد الإعلام الإلكتروني أو الإعلام الجديد فقد أُخذ عليه أن المحتوى قد يكون جيدا أحيانا لكن لا ثقة فيه لأنه لا يستند إلى مرجعية ما في ذكر المعلومة. مثلما تمت الإشارة إلى أنه جرى سابقا إقصاء الثقافة الكلاسيكية التي كانت تسهم في تعزيز من حضور اللغة العربية على مستوى اجتماعي.
أيضا تمت الإشارة إلى أن المؤسسة الإعلامية أو الثقافية أو الاثنتين معا لا يمكن لهما أن تصنعا كاتبا كبيرا بل هما تقدمان الدعم له. وإذا كان هناك حديث عن إقصاء المثقف فإن المثقف هو الذي يقصي نفسه بنفسه، فالإمارات بلد منفتح على المشروعات والأفكار والتحديث والأشكال الفنية إذ تشهد الشارقة، مثلا لا حصرا، عددا من المشاريع التي يتجاور فيها الكلاسيكي مع الحداثي والنخبوي مع السائد والدارج، دون إشكالية تُذكر ما ينعكس مباشرة على التغطيات الصحفية.