ثقافة

عبدالملك أشهبون يبحر نقدياً في فن المقامات وتاريخها

محمد نجيم (الرباط)- يرى الدكتور عبد المالك أشهبون في كتابه الجديد «تطريز الحكاية في المقامات» الصادر عن نادي تراث الإمارات، أن بعض الذين غامروا ودرسوا المقامة متأثرين بمقولة «الشعر ديوان العرب»، اكتفوا بمقاربته بوسائل مستعارة من مجال فنون البلاغة التقليدية عموماً، والشعر على وجه الخصوص، وهذا ما جعلهم يختزلون المقامة في مظهرها لا في مخبرها، في شكلها لا في مضمونها، في تجزيء مكوناتها لا اعتبارها صرحاً معمارياً متكاملاً.
وقد كان منطلق المؤلف في هذه المقاربة الجديدة، هو أننا حين نقرأ المقامات الهمذانية مثلًا، نشعر بتضافر المكونين النصيين وتكاملهما: المكون القصصي والمكون الأسلوبي، من هنا كان تمثلنا للمؤلفين المقاميين باعتبارهم قصاصين متمكنين في فن القص، بقدر درجة تمكنهم في مجال اللغة، وتوظيف المحسنات البديعية...
وعندما نحاول تغيير زاوية النظر إلى فن المقامة في أدبنا العربي، فإننا ننظر إليها من حيث البناء والدلالة والتلقي معاً، فأكيد أن هذه النظرة، التي تريد أن تكون مغايرة، توجد وراءها مرجعية نقدية متماسكة، ننهل خطوطها العريضة ومصطلحاتها من عالم السرديات أساساً، وفي اعتقادنا الشخصي، أن هذه المرجعية النقدية الجديدة، تؤدي إلى زحزحة المفاهيم القديمة التي تلقينا من خلالها هذا الفن الأدبي الراسخ في تاريخ أدبنا العربي، أما الغرض من تلك الرؤية المغايرة، فهو تغيير الصورة الثابتة التي تجمدت داخلها المقامات، من خلال تكريس ارتباط المقامة بالشروح اللغوية والبلاغية في غالب الأحيان.
ويرى الناقد أن كتابه هذا ليس الهدف من ورائه التقصّي المُستفيض في أصل المقامات، أو البحث في قضايا انتشارها شرقا وغرباً، أو مدى تأثيرها في الآداب الأجنبية، أو طبيعة امتدادها حتى عصرنا الحالي في شتى مناحي أدبنا العربي المعاصر، كل تلك المواضيع أصبحت برأيه «متجاوزة واستهلكت حبرا غزيرا»، إنما جوهر مسعاه ومقصده من تألف هذا الكتاب هو»فتح آفاق نقدية جديدة في مقاربة عوالم المقامة الرحبة، من خلال تغيير زاوية النظر إلى نصوصها التي يُفترض فيها أنها حمَّالَة بنيات وقيم فنية وجمالية منقطعة النظير».
فمن وجهة نظر المؤلف، فإن المقاميين «لم يقدموا على تأليف مقامتهم لتعليم الناشئة أساليب البلاغة، وفنون القول فحسب، وهو ما كان متداولاً على نطاق واسع من قبل، بل أبدعوا، موازاة مع ذلك وفي تواشج معه، فنًّا قصصيًّا مشوِّقاً وممتعاً لا يقل متعة وفائدة. من هنا، اهتدى الناقد إلى أن الغاية السردية وحدها، جديرة بأن يُفْرد لها بحث، بل بحوث مستقلة، وفي إطار هذه الغاية بالذات يندرج هذا الكتاب.
وجهات نظر
في مدخل الكتاب يُسلط الدكتور أشهبون الضوء على تعدد وجهات النظر في فن المقامات، ما بين من يعتبرها ذروة ما وصل إليه الأدب العربي، من حيث الزخم اللغوي والبلاغي والأسلوبي بالدرجة الأولى، ومن رأى أنها علامة فاقعة من علامات انحطاط أدبنا العربي، بعد أن ترسخت حولها وجهة نظر سلبية في كثير من المراجع والمصادر، مفادها: أن فن المقامة عبث بهلواني لغوي فحسب، حيث شُغل المقامي الشاغل هو رصف للكلمات الصامتة، والعبارات الجامدة التي تخلو من نبض الحياة، لا يمضي فيها (المقامي) على سجيته، ولا يكون شعوره قائده، كما لا تنساب كلماته انسياباً وبدون تكلف... كل هذا وذاك، حال دون نهوض المقامةــ زمنا طويلاًــ من وضعها الإشكالي هذا.
ترتب عن هذين التصورين لفن المقامة رؤيتان مركزيتان: الأولى يطبعها الاحتفاء المنقطع النظير بهذا الفن، لما حواه من ذخيرة لغوية هائلة، والثانية إقصائية تعتبره عبئاً على أدبنا العربي، وجب تنحيته، وتهميشه ولم لا التخلص منه. وعلى إيقاع تجاذب هذين الرأيين المتعارضين، اقترح الناقد وجهة نظر جديدة، تعتمد المقاربة السردية سبيلاً ثالثاً، في أفق البحث عن خصوصية مغايرة تتميز بها المقامات، وذلك عبر تبئير الانشغال النصي حول مقامات ثلاثة من أهم رموز هذا الفن وممثليه، وهم بديع الزمان الهمذاني ومحمد الحريري البصري وجلال الدين السيوطي.
مرجعية نقدية
ويؤكد الدكتور أشهبون على أننا حين نقرأ المقامات الهمذانية مثلًا، نشعر بتضافر المكونين النصيين وتكاملهما: المكون القصصي والمكون الأسلوبي. من هنا كان تمثلنا للمؤلفين المقاميين باعتبارهم قصاصين متمكنين في فن القص، بقدر درجة تمكنهم في مجال اللغة، وتوظيف المحسنات البديعية وغيرها من فنون الكتابة، مؤكدا على أننا «عندما نحاول تغيير زاوية النظر إلى فن المقامة في أدبنا العربي، فإننا ننظر إليها من حيث البناء والدلالة والتلقي معاً، فأكيد أن هذه النظرة، التي تريد أن تكون مغايرة توجد وراءها مرجعية نقدية متماسكة، ننهل خطوطها العريضة ومصطلحاتها من عالم السرديات أساساً.
وفي اعتقادنا الشخصي، إن هذه المرجعية النقدية الجديدة، تؤدي إلى زحزحة المفاهيم القديمة التي تلقينا من خلالها هذا الفن الأدبي الراسخ في تاريخ أدبنا العربي. أما الغرض من تلك الرؤية المغايرة، فهو تغيير الصورة الثابتة التي تجمدت داخلها المقامات، من خلال تكريس ارتباط المقامة بالشروح اللغوية والبلاغية في غالب الأحيان.
ويتضمن الكتاب، خمسة فصول منها ما جاء تحت العناوين: تلقيات المقامات في النقد العربي، سلطة المكون الحكائي في المقامات، عتبات المقامات: البنيات والرهانات الفنية،الصوغ العنواني في المقامات، المقامة باعتبارها نوعاً أدبياً عربياً أصيلاً، المكونات البانية للخطاب الافتتاحي، السند الروائي في العبارات الافتتاحية، عبارات وأفعال افتتاحية نمطية مشهورة، الأصوات السردية وتعالقاتها،الراوي والبطل: صوتان سرديان مركزيان، الراوي والبطل: أية علاقة؟ المروي له ورهانات التواصل، تنوع فضاء المقامات وتعدده، فضاءا المدينة والمجلس، مقامات بديع الهمذاني ومحكي السفر، قضايا النهايات في المقامات،تجليات خطاب النهايات، جماليات القراءة المعكوسة.
في الأخير، يخلص الناقد عبد المالك أشهبون إلى أن فن المقامة لم يكن في يوم من الأيام فناً مُكتملاً، له قواعد معيارية ناظمة لنسيجه الداخلي، فما يُوحد تلك العناصر المكونة لفن المقامة عبر التاريخ الأدبي القديم والحديث هو الوظائف التي تقوم في بناء «كلية» المقامة، وهذه الكلية بدورها، ليست جوهراً معطى، وإنما وظيفة بنائية دينامية لا تغني عن التبدل والتحول والتجدد حسب الأزمنة والأمكنة والمرجعيات الثقافية لمنتجها، وهذا ما تجليه لنا العديد من التحققات النصية التي استحقت بالفعل تسميتها: «مقامة».