الاقتصادي

نصف مليار درهم .. توزيعات نقدية تبحث عن أصحابها في أسواق الأسهم

متعاملون في سوق أبوظبي للأوراق المالية (الاتحاد)

متعاملون في سوق أبوظبي للأوراق المالية (الاتحاد)

مع تزايد الأرباح النقدية التي توزعها الشركات المدرجة في أسواق الأسهم المحلية على مساهميها سنوياً والتي بلغت العام الماضي 22,5 مليار درهم، تبرز معضلة الأرباح التي يتقاعس مستحقوها عن صرفها وتقدر بنحو نصف مليار درهم.
وتعد ضألة الأرباح المستحقة لشريحة كبيرة من المساهمين والتي تصل إلى دراهم معدودة، أبرز الأسباب التي تدفع بهؤلاء نحو عدم صرف أرباحهم وتركها لدى البنك لسنوات.
فبعض المستثمرين من حملة الأسهم، لا يقومون بصرف الشيكات الخاصة بأرباح الشركات التي يحملون أسهمها، وتتعدد الأسباب في ذلك بين تغيير بيانات المستثمرين وصناديق بريدهم، وقيام بعض المقيمين بترك الدولة وإقامتهم في بلدان أخرى، كما أن بعض شيكات الأرباح ذات قيم مالية متدنية للغاية ويتقاعس أصحابها عن صرفها في البنك، لكونها لا تستحق عناء التوجه إلى البنوك لإيداعها في الحساب.
«أشرف» مثال على هؤلاء المستثمرين، فهو لم يتسلم شيكات أرباحه منذ أن غادر الدولة إلى بلاده قبل 3 سنوات، ويقول: إن استثماراته صغيرة في أسواق الأسهم المحلية، ويحاول التواصل حالياً مع سوق دبي المالي لمعرفة مصير أرباحه المتراكمة عبر السنوات الثلاث.
ويقول أشرف: إنه يحاول من خلال صديق له في الدولة معرفة مصير أرباحه المتراكمة، مشيراً إلى أنه لم يقم بتحديث بياناته لدى السوق منذ غادر الإمارات، وبالتالي ظلت إرساليات الأرباح ترسل على عنوانه البريدي القديم الذي جرى إغلاقه منذ وقت طويل.
أما حسن محمد فلديه عدد من الشيكات التي لم يقم بصرفها خلال السنوات الماضية، ويقول: إن السبب في عدم صرفها هو تدني قيمتها فبعض الشيكات لا تتجاوز قيمتها عدة دراهم نتيجة استثمارات بسيطة جداً له في أسواق الأسهم، ويرى أن مثل هذه الشيكات لا تستحق عناء التوجه إلى البنك لإيداعها في الحساب.
وهناك الآلاف من المستثمرين الذين لم يستلموا شيكاتهم لفترات طويلة، قد تمتد إلى بداية تأسيس الأسواق المالية عام 2000.
وتمثل هذه المبالغ عبئاً ثقيلاً على البنوك المعنية بإرسال شيكات أرباح المساهمين، وبحسب مسؤولين في عدد من البنوك، فإنه لا يمكن للبنك التصرف في هذه المبالغ مهما طالت المدة، فالتشريعات المطبقة بالدولة تضمن حق المساهم في الحصول على شيكاته في أي وقت، وبالتالي فإن هذه المبالغ تظل في حسابات البنوك، ويشير مسؤول بأحد البنوك المحلية إلى أن قيمة هذه المبالغ المتراكمة لدى بنكه فقط وصلت إلى 12 مليون درهم.
وبحسب التقديرات لدى البنوك، فإن قيمة الأرباح التي لا يتم صرفها من قبل المستثمرين في أسواق الأسهم تتراوح بين 200 و500 مليون درهم سنوياً تشكل نحو 1.5% إلى 2.5% من إجمالي الأرباح النقدية.
وبلغت قيمة الأرباح التي أقرتها الشركات المدرجة في سوقي أبوظبي ودبي الماليين العام الماضي 22.6 مليار درهم، بواقع 15 ملياراً لسوق أبوظبي، و7.6 ملياراً لسوق دبي المالي، وارتفعت أرباح الشركات العام الماضي بنسبة 28% لتصل إلى 41.2 مليار درهم.
وتوزع الشركات أرباحها على مساهميها من خلال شيكات مصرفية ترسل على عناوينهم البريدية المسجلة لدى إدارات الأسواق، أو عبر الحسابات المصرفية للمستثمرين الذين يطلبون ذلك.
ومنذ سنوات أطلق سوق دبي المالي بالتعاون مع بنك الإمارات الدولي بطاقة آيفستر، يتم من خلالها إيداع أرباح الشركات الراغبة في إرسالها لمساهميها، لكن لا يزال عدد الشركات التي تتعامل بهذه الآلية في توزيع الأرباح محدوداً، حيث لا يتجاوز 10 شركات من أصل 44 شركة وطنية مدرجة في السوق.
ويقول مجد معايطة رئيس دائرة الأوراق المالية في بنك أبوظبي الوطني الذي يتولى توزيع الأرباح النقدية لـ 30 شركة مدرجة من إجمالي 81 شركة بعد استبعاد البنوك، إن البنك يوزع سنوياً أرباحاً على مساهمي الشركات الثلاثين تتراوح قيمتها بين 8 و10 مليارات درهم، وتصل 98% من هذه الأموال إلى مستحقيها بالفعل، في حين تبقى نسبة تتراوح بين 2 إلى 3% من الأرباح لا يتم صرفها.
وأضاف أن من بين الأسباب التي تقف وراء عدم صرف هذه الأرباح، أن المساهم قد يرى أن قيمة الشيكك لا تستحق عناء الانتقال إلى البنك، أو أنه لم يقم بتحديث عنوانه لدى السوق المالي، وأرسل الشيك على عنوانه القديم، فيتم إعادته من جديد إلى البنك المرسل.
وأضاف: إن كميات الإرساليات البريدية المرتجعة بشيكات الأرباح المستحقة لمساهمين كبيرة، وتشكل عبئاً على البنك، إضافة إلى تكلفتها العالية، حيث تصل تكلفة الرسالة الواحدة لنحو 5 دراهم، وقد تصل في بعض الأحيان إلى 25 درهماً في حال جرى إرسال البريد إلى مساهم خارج دولة الإمارات.
وقال معايطة: إن العديد من البنوك ترفض الدخول في نشاط توزيع أرباح الشركات، بسبب مشكلة الأرباح غير المنصرفة، والتي تظل بحكم القانون لدى البنك إلى أن يظهر مستحقيها ويطالبون بها، مضيفاً: إنه ليس هناك نص قانوني يحدد فترة زمنية يمكن بعدها أن تضيع هذه الأرباح على صاحبها، بل تظل في عهدة البنك. وأفاد بأن لدى بنك أبوظبي الوطني شيكات قديمة لأرباح مساهمين منذ العام 2000 لم يتم صرفها وغالبيتها بمبالغ صغيرة، بسبب عدم مطالبة أصحابها بها، وكذلك عدم وجود عناوين صحيحة لمخاطبتهم، لذلك يدرس البنك بالتعاون مع الشركات استثمار هذه الأموال لصالحها، على أن تظل أحقية المساهم في الحصول على أرباحه موجودة متى ظهر في أي وقت، وطالب بها.
وأوضح أن دائرة الأوراق المالية بالبنك اتفقت مع بريد الإمارات على إبقاء الإرساليات المرسلة بشيكات الأرباح في صناديق بريد المساهمين لمدة شهرين بدلا من أسبوعين، بهدف إتاحة فترة زمنية طويلة أمام المساهمين لالتقاط شيكات أرباحهم، والحد قدر الإمكان من الإرساليات المرتجعة، كما خصص البنك مركز اتصال لتلقي استفسارات المساهمين عن شيكات أرباحهم، فضلاً عن دراسة فتح منافذ أخرى بالتعاون مع أسواق المال لصرف شيكات الأرباح للمساهمين.
وقال: إن إدارة الأصول لدى البنك تدرس برامج تشغيلية للأرباح غير المنصرفة، بحيث يتم تشغيلها لحساب الشركات مقابل عائد تحصل عليه، وتوفر في ذات الوقت سيولة كافية يمكن أن تسدد أرباح المساهمين المتغيبين عن مطالبتهم بها. وأضاف: إن هذه البرامج موجهة أيضاً بالنسبة للمساهمين الذين لا يرغبون في صرف أرباحهم ويكلفون البنك باستثمارها لهم.
ودعا معايطة هيئة الأوراق المالية والسلع إلى دراسة آليات لاستثمار الأرباح غير المدفوعة للمساهمين، وقد يكون من بينها تأسيس صندوق لهذا الغرض، بعد مرور فترة زمنية دون صرف الأرباح، مضيفاً: إن هناك تشريعات في عدد من الدول المجاورة تعيد الأرباح النقدية إلى الشركة، أو إيداعها في خزانة الدولة بعد مرور فترة زمنية تتراوح بين 10 و15 سنة، وللمساهم الحق في أرباحه عند إثبات ذلك بالمستندات.
وأضاف: إن هيئة الأوراق المالية والسلع تصر على استمرار أحقية المساهم في أرباحه في أي وقت مهما طالت الفترة الزمنية، وبالتالي فليس من حق الشركة التصرف في هذه الأموال.
وقال مسؤول مالي بأحد البنوك الإسلامية بالدولة طلب عدم ذكر اسمه: إن جملة الأرباح النقدية المتراكمة لدى البنك منذ تأسيسه والمستحقة لمساهمين لم يقوموا بصرفها وصلت إلى 12 مليون درهم.
وأضاف أن البنك حاول مرات عديدة التواصل مع أصحاب هذه الأموال دون جدوى، إما بسبب تغير عناوينهم البريدية أو قناعة من بعضهم بضآلة المبلغ المستحق لهم، موضحاً أن هذه الأموال تبقى في عهدة البنك ولا يستطيع التصرف فيها.
وبين أن المبالغ الصغيرة تتراكم لتصبح قدراً كبيراً من الأموال، الأمر الذي يضع البنك في مأزق قانوني إما بالإبقاء على هذه الأموال مجمدة، طالما أنها أموال مساهمين أو تشغيلها، وفي هذه الحال هل يحصل البنك على عائدها أم أنها عوائد أصحابها؟!