عربي ودولي

سلطنة عمان.. استراتيجية التوازن والاعتدال والعلاقات الودية

بوابة مسقط

بوابة مسقط

أبوظبي (الاتحاد)

تعتبر سلطنة عمان من الدول الاستراتيجية في منطقة الخليج العربي، حيث تتمتع بموقع جغرافي مهم، ناهيك عن كونها تزخر بشعب فتي، ودود وطموح ومتعدد المواهب، يشكل النسبة الأكبر من أفراد المجتمع. ويمثل المناخ المستقر الذي تتمتع به السلطنة، ميزة لا مثيل لها من ناحية انخفاض معدلات الضرائب، والسياسات الحكومية الداعمة لجذب الاستثمارات الأجنبية التي ساعد فيها أيضاً العلاقات السياسية المتوازنة والمعتدلة تجاه القضايا الإقليمية والدولية، والعلاقات الودية مع مختلف الدول، والتي تؤهلها للعب دور بارز في الكثير من المعضلات والأزمات التي يمكن أن يشهدها العالم.
ورغم أهمية سلطنة عمان عبر التاريخ، إلا أن أي متتبع لسياستها يلاحظ دون عناء أنه منذ انطلاق مسيرة النهضة الحديثة بقيادة جلالة السلطان قابوس بن سعيد قبل أكثر من أربعة عقود ونيف، دخلت البلاد مرحلة جديدة تاريخياً تستند إلى رؤية استراتيجية، لبناء حاضر زاهر. ونظراً للحكمة وبعد النظر التي تميز القيادة، والقدرة على قراءة الأحداث والتطورات الإقليمية والدولية بعين متبصرة، تمكن صانع القرار العماني من وضع أسس ثابتة، ومنطلقات استراتيجية واعية صاغت بعناية السياسة داخلياً وخارجياً، وتمكنت من بناء علاقات دولية وإقليمية جيدة وبناءة مع الأشقاء والأصدقاء تستند إلى قاعدة صلبة هي العمل من أجل تحقيق السلام والأمن والاستقرار، ليس فقط على الصعيد الداخلي، بل على الصعيدين الإقليمي والدولي.
ومنذ توليه مقاليد الحكم يسعى جلالة السلطان قابوس بن سعيد إلى جعل دولته «دولة سلام» بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث تمكن من مدّ جسور المودة والصداقة مع كثير من شعوب المنطقة والعالم من حوله، شرقاً وغرباً وفي كل اتجاه. وفي الوقت نفسه تم بناء ركائز دولة حديثة، تقوم على الاستثمار وحشد كل طاقات الشعب في صياغة وبناء التنمية الوطنية والسير قدماً لتحقيق الأهداف والأولويات الوطنية العمانية، وفق خطط وبرامج التنمية في مختلف المجالات من ناحية، والعمل على بناء القدرات للحفاظ على مكتسبات النهضة المباركة من ناحية ثانية، وهو ما يتواصل العمل فيه برعاية مباشرة.

نهج ومبادئ
تنتهج سلطنة عمان في سياستها الخارجية وعلاقاتها الدولية نهجاً يقوم على دعم قيم السلام والتعايش والتسامح والحوار والتعاون الوثيق مع سائر الأمم والشعوب والالتزام بمبادئ الحق والعدل والمساواة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وفض النزاعات بالطرق السلمية وفق أحكام ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي بما يعزز من معايير بناء الثقة القائمة على الاحترام المتبادل لسيادة الدول وعلاقات حسن الجوار، وبما يحفظ للدول أمنها واستقرارها وازدهارها. وأكد السلطان قابوس على دعم السلطنة كافة الجهود المبذولة من أجل إحلال السلام والاستقرار لدول المنطقة كي تواصل مسيرتها نحو تحقيق المزيد من التآلف والتقدم.

3 مجالات فاعلة
وتعمل السياسة الخارجية بفاعلية في مجالات ثلاثة، الأول العربي والإسلامي، وهو المجال الأهم بحكم التاريخ والجغرافيا، وينص النظام الأساسي على أن سلطنة عمان دولة عربية إسلامية مستقلة ذات سيادة تامة عاصمتها مسقط، وتبعًا لذلك انضمت إلى جامعة الدول العربية في عام 1970، وإلى منظمة المؤتمر الإسلامي عام 1972، كما أنها عضو مؤسس بمجلس التعاون الخليجي منذ 1981. والثاني المجال العالمي والمقصود به العلاقة مع القوى والمنظمات العالمية والدولية. والثالث العلاقات مع دول المحيط الهندي، حيث ساهمت السلطنة مع ست دول أخرى في تأسيس «رابطة الدول المطلة على المحيط الهندي» التي توسعت الآن بانضمام 18 دولة أخرى كأعضاء، وخمس دول كشركاء حوار، وتسعى إلى التعاون الاقتصادي وصولاً إلى مرحلة تحرير التجارة بين دول الرابطة.

ثوابت وتحديات
وما يميز السياسة الخارجية تمسك السلطنة القوي بالسلام العالمي والسعي لأجله في مختلف المحافل الدولية، وهو ما يفسر انضمامها إلى التحالف العربي العسكري لمكافحة الإرهاب إيمانا منها بأهمية محاربة التطرف والقضاء عليه لما يمثله من خطر كبير على الأمن والسلم العالمي. وعندما تنضم السلطنة إلى هذا التحالف الذي يضم شقيقاتها دول مجلس التعاون الخليجي وبلداناً إسلامية عديدة فهي تبعث برسالة تعبّر من خلالها عن رغبتها الأكيدة في مكافحة الإرهاب بكل الوسائل، بما في ذلك الوسائل العسكرية. ويضاف هذا إلى سجل ناصع لمسقط في علاقاتها مع معظم دول العالم، والتي تتسم بالصداقة والتعامل باحترام، بسبب السياسة المرنة والمتزنة التي تنتهجها السلطنة على الصعيدين العربي والدولي.

السلام والأمن العالمي
ولعبت سلطنة عمان الكثير من الأدوار في معالجة بعض المشكلات العربية، إيمانا منها بأن العمل الجاد والمخلص يحقق السلام والأمن والاستقرار في الخليج والمنطقة العربية. وعلى مستوى العالم شكل ذلك جوهر السياسة الخارجية والركيزة التي انطلقت منها مواقف السلطنة ورؤيتها وتعاملها مع مختلف التطورات، ليس فقط لأن السلطنة ليس لها أعداء، وليست لديها خلافات ولا صراعات مع أي طرف آخر، ولكن أيضاً لأنها تسعى إلى بناء صداقات وعلاقات طيبة تقوم على التعاون المثمر والمصالح المتبادلة مع مختلف الدول الشقيقة والصديقة وعلى امتداد العالم أجمع.
وتتسم سياسات السلطنة ومواقفها بالوضوح والصراحة والشفافية، في التعامل مع مختلف المواقف والتطورات، خليجية وعربية ودولية، سواء على المستوى الثنائي، أو المتعدد الأطراف، أو الجماعي. وتحظى القيادة الحكيمة بتقدير إقليمي ودولي واسع النطاق على مستوى قيادات العالم وشعوبه، وتحتضن جهوداً عديدة، معلنة وكثيراً منها غير معلن، للعمل على تقريب المواقف وتجاوز الخلافات بين الأطراف المعنية بمشكلات عديدة، خليجية وعربية وإقليمية ودولية.

حسن الجوار وعدم التدخل
وبينما تنطلق السياسة والمواقف العمانية من مبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى واحترام سيادتها، ورفض التدخل على أي نحو في الشؤون الداخلية العمانية، والالتزام بمبادئ الحق والعدل والإنصاف في إطار الانتماء العربي والإسلامي، وحل المنازعات بالطرق السلمية، فإن السلطنة رفضت دوما مختلف صور الاستقطاب في المنطقة، إقليمياً ودولياً، إدراكا منها لحقيقة أن ذلك لا يسهم في حل المشكلات والخلافات، وسعت بدلا من ذلك من أجل إتاحة الفرص، لتحقيق قدر أكبر من التفاهم والفهم والإدراك الصحيح للمواقف بين الأطراف المختلفة بشأن قضية أو أخرى، يقينا منها من أن الفهم الصحيح للمواقف من شأنه أن يسهم في تقصير المسافات، وفي بناء الجسور بين الأطراف المختلفة.
ولم تكن مواقف وممارسات السلطنة وتعاملها مع مختلف التطورات، خليجية وعربية وإقليمية ودولية على امتداد السنوات الماضية وحتى الآن سوى انعكاس للمنطلقات والأسس الثابتة للسياسة العمانية، وعلى قاعدة أن السلطنة دولة مستقلة ذات سيادة وتصيغ وتدير علاقاتها ومواقفها بما يحقق مصالحها الوطنية ودون الإضرار بمصالح الدول الأخرى، بعيداً عن أية ضغوط أو تأثيرات، خاصة أن أحداث الماضي القريب والبعيد قد أكدت سلامة مواقف السلطنة وبعد نظرها بل وأهميتها لدول المنطقة من حولها، وذلك في كثير من المواقف ولو بعد سنوات.

اتفاقيات ومعاهدات
وبحكم العلاقات الجيدة مع دول العالم، وقعت سلطنة عمان الكثير من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تتعلق بالتعاون الدولي، مثل اتفاقيات نزع السلاح، وحقوق الإنسان ومكافحة المخدرات، وغيرها من الاتفاقيات الدولية التي تسعى إلى السلام العالمي.