دنيا

مدينة «رقمات» شهدت أول محرقة في التاريخ

جانب من مدينة «رقمات» التي تقع جنوب السعودية (أرشيفية)

جانب من مدينة «رقمات» التي تقع جنوب السعودية (أرشيفية)

حسام محمد (القاهرة) - قال الله تعالى في القرآن الكريم: (وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ* وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ* قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ* النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ* إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ* وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ* وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ* الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، «سورة البروج: الآيات 1 - 9» .. تحكى الأيات السابقة قصة مدينة انتقم حاكمها من أهلها عندما أمنوا بالله تعالى.
الغلام والساحر
ويقول الدكتور محمد المختار المهدي، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، إن المدينة المذكورة في الأيات السابقة هي مدينة «رقمات»، أو مدينة الأخدود الأثرية وتعتبر من أبرز المدن التجارية القديمة على الطريق التجاري القديم الذي كان يربط جنوب الجزيرة العربية بشمالها إبان ازدهار عصر التجارة البرية، التي أدّت إلى نشأة وازدهار العديد من المدن الأخرى في أنحاء الجزيرة العربية مثل حضرموت وصنعاء والفاو.
ولا تزال بقايـا ســور الأخدود وقصوره موجودة على شكل مبانٍ وأنقاض تحمل رسومًا فنية رائعة، ونقوشاً معينية وسبئية وكوفية.
يتابع المهدي: وقعت بتلك المدينة، كما أخبرنا القرآن الكريــم أول محــرقة في التاريخ، وهي المحرقة التي أنشئت ضد المؤمنين من النصارى، وأصبحت مدينة الأخدود شاهدة على ذلك، والقصة تبدأ بغلام من أهل المدينة وكان نبيها، ولم يكن قد آمن بعد.
وكان يعيش في قرية ملكها كافر يدّعي الألوهية، وكان للملك ساحر يستعين به، وعندما تقدّم العمر بالساحر، طلب من الملك أن يبعث له غلاما يعلّمه السحر ليحلّ محله بعد موته، فاختير هذا الغلام وأُرسل للساحر فكان الغلام يذهب للساحر ليتعلم منه، وفي طريقه كان يمرّ على راهب، فجلس معه مرة وأعجبه كلامه، فصار يجلس مع الراهب في كل مرة يتوجه فيها إلى الساحر، وكان الساحر يضربه إن لم يحضر، فشكا ذلك للراهب، فقال له الراهب: إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر.
جليس الملك
ويذكر التاريخ، حسب المهدي، أن الغلام في طريقه في أحد الأيام، فإذا بحيوان عظيم يسدّ طريق الناس، فقال في نفسه، اليوم أعلم أيهما أفضل، الساحر أم الراهب. ثم أخذ حجراً وقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، ثم رمى الحيوان فقتله، ومضى الناس في طريقهم، فتوجه الغلام للراهب وأخبره بما حدث. فقال له الراهب: يا بني، أنت اليوم أفضل مني، وإنك ستبتلى، فإذا ابتليت فلا تدلّ عليّ وكان الغلام بتوفيق من الله يبرئ الأكمه والأبرص ويعالج الناس من جميع الأمراض، فسمع به أحد جلساء الملك، وكان قد فَقَدَ بصره، فجمع هدايا كثيرة وتوجه بها للغلام وقال له: أعطيك جميع هذه الهدايا إن شفيتني.
فأجاب الغلام: أنا لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله تعالى، فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك. فآمن جليس الملك، فشفاه الله تعالى فذهب جليس الملك وقعد بجوار الملك كما كان يقعد قبل أن يفقد بصره.
فقال له الملك: من ردّ عليك بصرك؟ فأجاب الجليس بثقة المؤمن: ربّي. فغضب الملك وقال: ولك ربّ غيري؟ فأجاب المؤمن دون تردد: ربّي وربّك الله، فثار الملك، وأمر بتعذيبه. فلم يزالوا يعذّبونه حتى دلّ على الغلام.
شق الأرض
ويكمل عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، سرد الواقعة بقوله، إن الملك قام بإحضار الغلام، ثم قال له مخاطباً: يا بني، لقد بلغت من السحر مبلغاً عظيماً، حتى أصبحت تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، فقال الغلام: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى، فأمر الملك بتعذيبه، فعذّبوه حتى دلّ على الراهب فأُحضر الراهب وقيل له: ارجع عن دينك. فأبى الراهب ذلك، وجيء بمنشار، ووضع على مفرق رأسه، ثم نُشِرَ فوقع نصفين، ثم أحضر جليس الملك، وقيل له: ارجع عن دينك. فأبى.
فَفُعِلَ به كما فُعِلَ بالراهب. ثم جيء بالغلام وقيل له: أرجع عن دينك. فأبى الغلام و قال للملك: إنك لن تستطيع قتلي حتى تفعل ما آمرك به. فقال الملك: ما هو؟ فقال الفتى المؤمن: أن تجمع الناس في مكان واحد، وتصلبني على جذع، ثم تأخذ سهما من كنانتي، وتضع السهم في القوس، وتقول «بسم الله ربّ الغلام» ثم أرمني، فإن فعلت ذلك قتلتني فاستبشر الملك بهذا الأمر.
فأمر على الفور بجمع الناس، وصلب الفتى أمامهم. ثم أخذ سهماً من كنانته، ووضع السهم في القوس، وقال: باسم الله ربّ الغلام، ثم رماه فأصابه فقتله فصرخ الناس: آمنا بربّ الغلام. فهرع أصحاب الملك إليه وقالوا: أرأيت ما كنت تخشاه! لقد وقع، لقد آمن الناس.
فأمر الملك بحفر شقّ في الأرض، وإشعال النار فيها. ثم أمر جنوده، بتخيير الناس، فإما الرجوع عن الإيمان، أو إلقاؤهم في النار. ففعل الجنود ذلك، حتى جاء دور امرأة ومعها صبي لها، فخافت أن تُرمى في النار. فألهم الله الصبي أن يقول لها: يا أمّاه اصبري فإنك على الحق.


أبرز المدن التجارية القديمة
«مدينة الأخدود الأثرية تقع على مساحة 5 كيلو مترات مربعة على الحزام الجنوبي من وادي منطقة نجران «جنوب السعودية»، وهو المكان الذي كانت تقوم عليه مدينة نجران القديمة وتعتبر من أبرز المدن التجارية القديمة على الطريق التجاري القديم الذي كان يربط جنوب الجزيرة العربية بشمالها إبان ازدهار عصر التجارة البرية».