دنيا

قيام رمضان

إنَّ من الأعمال التي سنَّها لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأمر بها ورغَّب فيها: قيام ليالي رمضان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
ولا يخفى على أحدٍ منّا أنَّ قيام الليل في سائر ليالي العام من أخصِّ أعمال المتقين، قال تعالى في بيان أوصافهم: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة: 16-17).
قال ابن القيم عند هذه الآية: «وتأمَّل كيف قابل ما أخفوه من قيام الليل بالجزاء الذي أخفاه لهم مما لا تعلمه نفسٌ، وكيف قابَلَ قَلَقَهُم وخوفهم واضطرابَهم على مضاجعهم حتى يقوموا إلى صلاة الليل: بِقُرَّةِ الأَعينِ في الجَنَّة».
ولهذا لما سُئل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ؟ فَقَالَ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ».
وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عليكم بقيام الليل؛ فإنه دَأَبُ الصالحينَ قبلَكُم، وهو قربةٌ إلى ربِّكم، ومَكْفَرةٌ للسيِّئات، ومَنْهاةٌ عن الإثم».
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ في الجنَّةِ غرفاً يرُى ظاهرُها من باطنِها، وباطنُها من ظاهِرِها» فقيل: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «لمن أطابَ الكلام، وأطعمَ الطعامَ، وباتَ قائماً والناسُ نيام».
ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواظب على قيام الليل حتى تتفطَّر قدماه، ولم يكن يدع القيام حتى في حال مرضه، يقول عبد الله بن أبي قيس: قالت عائشة رضي الله عنها: «لَا تَدَعْ قِيَامَ اللَّيْلِ ‍ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَدَعُهُ، وَكَانَ إِذَا مَرِضَ، أَوْ كَسِلَ، صَلَّى قَاعِدًا».
وقال نبيُّنا صلى الله عليه وسلم ناصحاً عبد الله بن عمرو بن العاص: «يَا عَبْدَ اللَّهِ، لاَ تَكُنْ مِثْلَ فُلاَنٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ».
قال الحافظ ابن حجرٍ عند بيانه فوائدَ هذا الحديث: «وفيه استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من الخير من غير تفريط، ويُستنبط منه كراهةُ قطعِ العبادة وإن لم تكن واجبةً».
هذا قيام الليل من حيث العموم، فكيف بقيام رمضان الذي من أتى به إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه؟
وقد كان سلف الأمة يولون هذا الأمر عناية خاصة، فعن السائب بن يزيد قال: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً قَالَ: وَقَدْ «كَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالْمِئِينَ، حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، وَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ إِلَّا فِي فُرُوعِ الْفَجْرِ».
وقال عبد اللَّه بن أبي بكر: سمعت أَبي يقول: «كُنَّا نَنْصَرِفُ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْقِيَامِ فَنَسْتَعْجِلُ الْخَدَمَ بِالطَّعَامِ مَخَافَةَ الْفَجْرِ».