دنيا

أحمد الأبحر: خطاطو العربية سبقوا الفن الحديث بمائة عام

من أعمال الفنان أحمد الأبحر (الصور من المصدر)

من أعمال الفنان أحمد الأبحر (الصور من المصدر)

تعلق الفنان التشكيلي أحمد الأبحر بفن الخط العربي في المرحلة الابتدائية، من خلال خط مدرس اللغة العربية الأزهري المُعمم، خريج كلية دار العلوم، والتي كان الخط العربي يدرس بها كمادة أساسية، وتلقاه بها عن الخطاط الكبير سيد إبراهيم، وكانت كتابته لكلمة «إملاء» أو «قراءة» في خط الثلث بمثابة السحر لتلميذ لم يتعد عامه الثامن، فبدأ يقلد الخطوط التي يراها حوله في لافتات الشوارع، وعناوين الجرائد، إلى أن التحق بكلية الفنون الجميلة، فعلم أن الخط فن مكمل للفنون الأخرى، وكان لأخيه الأكبر الذي كان في مدرسة تحسين الخطوط دور آخر في التحاقه بتلك المدرسة، التي أراد أن يتعرف فيها على أنواع الخطوط لمدة عام، فلبث 6 سنوات، نال خلالها الدبلوم ودرجة التخصص.

يذكر الأبحر أن الجرائد في فترة الستينيات كانت تمثل مباراة يومية في كتابة العناوين لكبار الخطاطين حيث كان عدلي بطرس في الأهرام والسحيلي في الأخبار، ومحمد إبراهيم في الجمهورية، وفي تلك الفترة بدأ تعريب الإخراج الصحفي ومحاولة الحصول على خط عربي يماثل سمك الخط اللاتيني، وقد استطاع عدلي بطرس من جريدة الأهرام ورشيد البنا من جريدة الجمهورية ابتكار نوع من خط الرقعة سميك يتعادل حجمه مع حجم الحروف اللاتينية، ثم جاء الفنان عبد السلام الشريف أحد رموز الإخراج الصحفي، واستخدم لأول مرة الخطوط الحديثة، التي اعتبرها أساتذة الخط اعتداء على وقار الخط العربي، في حين أنه ابتكار فرضته الصحافة التعبيرية.
وقال إن صلته بالخط العربي تعمقت بعد البحث والقراءة، فتقدم لنيل درجة الماجستير عام 1986 تحت عنوان «الخط العربي كعنصر تشكيلي في الفن العربي المعاصر»، فكانت محفزا لاستمراره متصلا مع ذلك الفن، حتى أنه اشتغل في رسالة الدكتوراه على الحروف المقطعة في القرآن الكريم، والتي قال عنها ابن عربي، إن تلك الحروف أمة من الأمم ولهم أنبياء ورسل، ومنها الحروف النورانية.
وأوضح الأبحر أن كلمة «تجريد الخط» خطأ تنظيري، لما للخط من طبيعة مجردة بالأساس، ووصف الخط بأنه مجموعة من القواعد وجزء من الحقيقة يخص جانبه التعليمي فقط، كما أن تلك القواعد لا يسير عليها كبار الخطاطين باعتبار أن القاعدة هي جمالية اللوحة، من خلال التصرف بالحرف تبعا للتكوين والتصميم.
ويشير الأبحر إلى أن فكرة اللوحة المعلقة بدأت مع العصر العثماني، في شكل اقتناء علية القوم لبعض المرقعات وتجميعها، إلى أن قلدوا الغرب في استخدام لوحة الحائط، وكانت «الحلية» أول لوحة تم تعليقها في المنازل.
وأوضح أن التراث الإسلامي مبني على مبدأ التجريد، الذي يعتمد على الخط المستقيم والدائرة والمربع كأساس جمالي لأشكاله المختلفة، والفنان المسلم في بعض المدارس الفنية الإسلامية ارتبط بمعتقد معين، يجعل منتجه يختلف باختلاف المدرسة الفنية، تبعا لنشأته وبيئته والعادات المتوارثة لديه، فالمربع الفيدي على سبيل المثال قادم من الهند وأخرج الفنان المسلم منه أشكالا زخرفية بتوصيل أرقامه. ويعتبر الأبحر الفنان المسلم أعظم فنان في العالم، لإنه ابتكر في كل ما صنعه من دون أن يعتمد على النقل من الواقع أو النموذج، ومن خلال حلول ذهنية عقلية تساعده على إظهار شحنته الوجدانية باعتبار أن عمله تعبد لله سبحانه.
ويرى الأبحر أن الخطاط التركي مصطفى راقم سبق منهج الفن الحديث بما لا يقل عن مئة عام، من خلال تحليله للوحته الشهيرة «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»، حيث لجأ إلى تفكيك اللوحة من سياقها الأفقي «نظام السطر» وأعاد تركيبها بشكل غير مسبوق، مما يمثل رؤية جديدة للحركة الهندسية داخل التكوين الخطي، وبالنظر إلى تاريخ اللوحة نلاحظ أنه يوافق عام 1796م، أي أن راقم كان يبحث في معطيات الشكل الجمالي المجرد في وقت كانت فيه أوروبا غارقة في استدعاء مثاليات التراث الإغريقي الروماني تحت مسمى «الكلاسيكية الجديدة».
وأوضح الأبحر أنه في حركة الفن المعاصر ظهر رواد امتلكوا الوعي بمعطيات التراث الإسلامي، مما جعلهم يستشرفون منهج الفنان المسلم أثناء ممارستهم لتجاربهم الفنية المعاصرة، فيما سماه استشراق المنهج الجمالي، ومنهم بيكاسو وموندريان وبول كليه وفازاريللي، حيث كان لنشأة الأول في جو إسلامي بإسبانيا الفضل في التقائه مع الفنان المسلم في الرؤية الحدسية للأشياء، فقد جمع بيكاسو في الكثير من أعماله عن المرأة بين حركة الشكل الأمامي والشكل الجانبي في مكان وزمان واحد، وتلك المعالجة تتفق مع الحركة الشريطية في الخط العربي، كما أن التكعيبية تلتقي بصفة عامة مع منهج الفنان المسلم في تكويناته الخطية، من ناحية التفكيك وإعادة التجميع والاقتصار على لون واحد أحياناً.
ويقول الأبحر: أما موندريان فقد اختار التقاء الخط الأفقي مع الرأسي في الزاوية القائمة، بحثا عن المعادل الهندسي الذي يمثل الجوهر الخالص لمرئيات الطبيعة، وتبدو أهمية موندريان في أنه بطريق غير مباشر لفت الأنظار إلى التراث الإسلامي في التجريد، مما يوضح أن الفنان المسلم عرف تلك الأصول منذ قرون، وعالجها في الزخرفة الإسلامية، وأن هناك تشابها بين تقاليد الخط الكوفي المربع ومبادئ الفن الهندسي التي أوردها موندريان في مجلة «الأسلوب» والتي استلهم شعارها من نفس الخط، كما التقى مع الفنان المسلم في اهتمامه بالنقطة المربعة، والتي هي أكثر الأشكال استقرارا، وكان الالتقاء مع الخط العربي لديه فلسفيا وتشكيليا وليس عقائديا.
وأشار إلى أن الخط العربي يقوم في بنائه التشكيلي على حقيقة أساسية في الفكر الإسلامي، وهي التوحيد، وكما يقول الله سبحانه وتعالى «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير»، وتتحقق هذه القيمة المعنوية في الشكل التجريدي الهندسي الذي يحمله الخط العربي، كما أن الخاصية الشريطية للخط العربي، تظل الصفة المميزة له من خلال الحركة التكاملية والتبادلية بين السطح والنقطة أو الخط، والتي تظهرها حركة القلم أثناء الكتابة المجودة لفن الخط.
وأضاف أن الفنان المسلم وضع نسباً جمالية للحروف العربية، حتى تكون معادلا رياضيا للحركة الهندسية في تكوين الحرف العربي، وفي العلاقة بينه وبين حروف أخرى، حيث تصور الفنان المسلم حرف الألف قطراً لدائرة وبقية الحروف أجزاء منها أو أقواس فيها، وجعل طول الألف 8 نقاط بعرض القلم الذي يكتب به، ثم تغيرت إلى 7 نقاط، نظراً للاعتقاد في قدسية الرقم 7، وقد رأى خصوصية اختياره لشكل الدائرة أساسا جماليا لحروفه، باعتبار أن الدائرة شكل تتمثل فيه «حركة الحياة والكون والليل والنهار» وفيه تكمن الأشكال الأخرى جميعا.