الاقتصادي

تراجع النمو الصيني يثير القلق حول توجه الإدارة الجديدة

سفينة حاويات في ميناء تشينفداو الصيني حيث يتراجع معدل نمو الاقتصاد ( أ ف ب)

سفينة حاويات في ميناء تشينفداو الصيني حيث يتراجع معدل نمو الاقتصاد ( أ ف ب)

انعكس سعي الصين الحثيث لإصلاح اقتصادها الضخم، في البيانات الباهتة التي تم الإعلان عنها مؤخراً، مما يؤكد حقيقة تراجع النمو السريع في اقتصاد كان ينبض بالحيوية والنشاط. وانخفض نمو الاقتصاد الصيني إلى 7% خلال الربع الثاني من العام الحالي، مقارنة مع 7,7% في الربع الأول ونحو 7,9% في الربع الأخير من العام الماضي.
وجاءت الأرقام الصناعية دون التوقعات بنسبة 8,9%، بالمقارنة مع العام الماضي، وأقل من النسبة المحققة خلال شهر مايو عند 9,2%، كما خفت نسبياً وتيرة نمو استثمارات الأصول الثابتة في المدن خلال الستة أشهر الأولى من العام الحالي، التي تمثل مقياساً رئيسياً لأداء الاقتصاد.
وعلى الجانب الآخر، جاء أداء قطاع تجارة التجزئة أفضل مما هو متوقع، بارتفاع قدره 13,3% في يونيو مقارنة بالشهر ذاته من العام الماضي. وقاد بطء النمو في ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد أميركا، إلى اعتقاد بعض المحللين فقدانه للمزيد من قوته خلال الأشهر القليلة المقبلة، مما يقلص الطلب على السلع التي كانت تشكل دعماً لنمو الاقتصاد العالمي، في وقت كانت تعاني فيه أوروبا وأميركا من أجل تحقيق النمو. ودعت المؤشرات المتصاعدة بتراجع نمو اقتصاد الصين، العديد من الاقتصاديين لخفض توقعاتهم للبلاد، وخفض زانج زوي، الاقتصادي الصيني في بنك نوميورا، توقعاته للعام المقبل من 7,5% إلى 6,9%.
لكن يبدو أن المسؤولين في بكين، راضون عن هذا التراجع الذي صادف وقتا تستعد فيه البلاد للقيام بإصلاح هيكلي يهدف إلى وضع النمو المستقبلي على قاعدة أكثر استدامة وتوازنا، حتى ولو كان ثمن ذلك بطء النمو.
وذكر شينج لايون، المتحدث باسم مكتب الإحصاء، أن هذه الأرقام ما تزال في حدود التوقعات الرسمية، رغم اعترافه بأن حالة التراجع تضر بنشاط الاقتصاد.
وقال: «بإلقاء نظرة عامة، نجد أن أداء الاقتصاد الوطني على النحو العام مستقر خلال النصف الأول، مع بقاء المؤشرات الرئيسية في الحدود المعقولة بالنسبة للتوقعات السنوية، لكن ما تزال الظروف الاقتصادية معقدة ومتغيرة».
ويعزو المحللون التراجع الأخير إلى أنه بإيعاز من السلطات الحكومية، التي تسعى إلى تحويل دفة الاقتصاد من نموذج النمو القديم، إلى آخر حديث أكثر استقرارا واستدامة. وفي حين استمر هذا البطء لأكثر من سنتين، تبدو الحكومة الجديدة مستعدة لتحمله خلال المستقبل القريب، سعياً منها وراء الحصول على أرباح طويلة الأجل من اقتصاد أكثر توازناً.
وربما ينتج عن هذا التراجع بعض التغييرات في السياسة، بغرض إنعاش أكثر القطاعات تضرراً في الاقتصاد، وذكر بعض المسؤولين أن الحكومة بصدد تقديم المزيد من الدعم للأعمال التجارية الصغيرة، كجزء من جهودها الرامية لخلق مصادر جديدة من النمو.
ويتوقع عدد قليل من المحللين، لجوء الحكومة مرة أخرى لبرامج التحفيز الشبيهة بتلك التي طرحتها في أعقاب الأزمة المالية. وقال ياو وي، الخبير الاقتصادي الصيني في سوسيتيه جنرال: «يبدو أن الفرص محدودة للغاية، لقيام الحكومة بطرح أي سياسة للتيسير النقدي أو تحفيزات للبنية التحتية في المستقبل المنظور».
وظلت الصين ولسنوات عديدة، تعتمد على استثمارات القروض الرخيصة والصناعات الثقيلة والبنية التحتية والصادرات، كمحرك رئيس لعجلة الاقتصاد، المزيج الذي قاد إلى تحقيق نمو قوي خلال معظم فترة الثلاثين سنة الماضية.
إلا أن هذا النموذج فقد القوة التي كان يتميز بها، وبدأت أعداد كبار السن في الزيادة بين السكان، في وقت تتقلص فيه القوة العاملة، مما يعني ضرورة زيادة معدل إنتاجية العاملين لتعويض النقص. وأدى ارتفاع قيمة اليوان والأجور، إلى تقويض القوة التنافسية للبلاد ووضعها كقاعدة صناعية للعالم. بالإضافة إلى ذلك، تراجع الطلب في أسواق الصادرات الرئيسية في كل من أميركا وأوروبا.
وانخفضت صادرات الصين في يونيو الماضي بنسبة 3,1%، مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، في أول تراجع لها منذ بداية 2012، وتراجعت الواردات بنحو 0,7% للشهر الثاني على التوالي.
وبإدراكها لهذه الضغوط، أشارت الإدارة الجديدة في بكين إلى رغبتها في تقليل الآثار الناجمة عن التدهور البيئي، والقصور الذي صاحب النمو غير المرشد، والسماح للمزيد من المنافسة وتحرير السوق في نشاطات كانت تطغى عليها هيمنة الشركات المملوكة من قبل الحكومة، وتحويل الاقتصاد لنموذج يعتمد بشكل أكبر على الاستهلاك المحلي.
وركزت الحكومة بشكل خاص على التوسع المدني على حساب الريفي كمحرك للتطور ولنمو الدخل. ومع ذلك، ما زال عدم اليقين باقياً في ظل التوقيت ووتيرة وطبيعة التغييرات التي تنوي بكين تنفيذها.
وبالإضافة إلى هذه التحديات الهيكلية، يترتب على الحكومة أيضاً التصدي للزيادة الكبيرة في مستوى الإقراض، الذي يذهب جزء كبير منه خارج النظام المصرفي عبر قنوات غير رسمية، مما يدعو لبروز فقاعة في أسعار الأصول وإلى مخاطر التخلف عن السداد.
وتعتبر هذه الموجة من الإقراض، بمثابة الالتزام الذي يتطلب عملية توازن غير صارمة، حيث ترغب الحكومة في تخفيفها من جانب، وفي تفادي عدم عرقلة النمو من جانب آخر.
وخلف يوم كامل من عدم توفير السيولة في النظام المصرفي خلال الشهر الماضي كان القصد منه تبني ممارسات إقراض أكثر حرصاً، انطباعا واضحا حول مدى استعداد بكين لتحمل أي تداعيات تواجهها إبان سير عمليات الإصلاح.

نقلاً عن «إنترناشونال هيرالد تريبيون»
ترجمة: حسونة الطيب