تقارير

وقود الاحتجاجات... إخفاقات الديمقراطية

بانكاج ميشرا
كاتب ومفكر هندي


لا شك أن المؤرخين سينظرون بذهول للانتشار الواسع للاحتجاجات حول العالم، فبدراستهم للمرحلة الحالية سيكونون أكثر قدرة منا على رؤية الصورة الشاملة التي تتجاوز الاستفزازات الخاصة التي أشعلت الحركات الاحتجاجية، سواء في البرازيل بسبب ارتفاع رسوم النقل، أو تركيا لإزالة حديقة وسط إسطنبول.
وللوهلة الأولى لا يبدو هناك ما يجمع بين الاحتجاج على سلطوية أردوجان في تركيا وبين المظاهرات الهندية، حيث يطالب نشطاء على شاكلة غاندي بـ«نضال ثان من أجل الحرية»، أو ما يجري في ميدان التحرير بمصر وما يطلق عليه «الثورة الثانية» ضد حكومة مرسي. وبالطبع لا تبدو ثمة أي صلة بين الأتراك وعشرات الآلاف من الإسرائيليين الذين نزلوا إلى الشوارع رافعين شعار «العدالة الاجتماعية»، ولا هؤلاء الذين خرجوا في مظاهرات حاشدة في اليابان بعد كارثة «فوكوشيما»، وهي الأكبر من نوعها منذ الستينيات، احتجاجاً على حكومة فاقدة للكفاءة والشفافية.
لكن المظالم المحلية والاختلافات الموجودة في السياق السوسيواقتصادي للمجتمعات، لا ينبغي أن يمنعنا من البحث عن الأنساق الشاملة والأنماط العامة، فرغم الفوارق بين المحتجين في اليونان وإسبانيا، والذين يعيشون في بلدان تتجه حثيثاً نحو مزيد من الإفقار، وبين نظرائهم في الهند وإسرائيل وتركيا، والذين تسجل بلدانهم أرقام نمو اقتصادي مرتفعة... لا يمكن إغفال تضافر الاحتجاجات وتزامنها، كما توضح الكتابات المتناسلة حول الموضوع والتي تتوزع في تفسيراتها بين مجلة «ذي إكونومست» وما كتبه فرانسيس فوكوياما في «وول ستريت جورنال»، والمتوافقة جلها تقريباً على أن موجة الاحتجاجات التي تشهدها بعض بلدان العالم تحركها الانتظارات المتصاعدة للطبقة الوسطى ومطالبتها بحكومات نظيفة وشفافة.
وبموجب هذا الرأي الذي يعتبر في جوهره تنويعاً لنظرية التحديث التي راجت في الستينيات، تبدو الليبرالية الديمقراطية والرأسمالية وجهين لعملة واحدة. والحال أن مثل هذه النظرة التفاؤلية التي تصنف الاحتجاجات في خانة الديمقراطية الليبرالية، بل وتصب في مصلحتها، تثير سؤالاً مهماً حول مفهوم الديمقراطية المقصود هنا، والذي تخدمه الاحتجاجات. فالأنظمة السياسية المعتمدة على التعددية الحزبية وتنظيم انتخابات دورية، فشلت في تهدئة ملايين الهائجين في الشوارع والتخفيف من حدة الاضطرابات.
والدليل الأوضح على ذلك ما يجري في مصر، لتبقى الخلاصة المهمة أنه إذا كان هناك من قاسم مشترك يجمع حشود المحتجين في سياقات اقتصادية واجتماعية مختلفة، فإنه شعور بأنهم غير ممثلين بما يكفي من قبل الحكومات التي انتخبوها. فلفترة طويلة تم الخلط بين الديمقراطية الإجرائية بطقوسها المعروفة من انتخابات ومجالس تشريعية وبين جوهر الديمقراطية نفسه، فلا غرو إذن أن تفشل الديمقراطية في بعدها الإجرائي في إرضاء الشعوب المسيسة التي باتت ترى في حكوماتها سنداً لطبقة رجال الأعمال والسياسات المشجعة لهم بدلاً من تقديم الخدمة العمومية التي يفترض أن تسهر عليها حكومات مسؤولة أمام شعوبها.
وكما أوضحت في مقال سابق، لم تعد الديمقراطية والرأسمالية شريكتين طبيعيتين، بل باتتا خصمين في عصر العولمة، فقد أصبح واضحاً، منذ بروز هذا الإدراك، أن احتياجات الغالبية لا يمكن تلبيتها من خلال آليات خلق الثروة الذاتية على غرار ما يروج لذلك، كما أن معدلات نمو الدخل المحلي الإجمالي، ومهما كانت لافتة، لا تحجب مشاكل البنية التحتية الضعيفة وقصور قطاعي التعليم والصحة، هذا ناهيك عن الفساد وانعدام المساواة وتفشي الزبونية لدى النخب.
لذا ليس غريباً أن تحتدم الاحتجاجات بشكل خاص في البلدان التي بُنيت أصلاً على فكرة المساواة ووعود العدالة الاجتماعية والاقتصادية، مثل البرازيل وتركيا، فبربط الازدهار بالجهد الذاتي وحصر الحصول على وظائف في الاستثمار الشخصي، استُبدلت المشروعات الوطنية المتكفلة برعاية المواطنين بالرأسمالية المتعولمة والمتغولة في نفس الآن. وبعدما تخلت الدولة عن إعادة التوزيع، كان يفترض بها خلق ظروف مواتية تشجع على تكافؤ الفرص حتى يستفيد الأقل حظاً، لكن ذلك لم يحدث، أو على الأقل ليس بالسرعة المطلوبة. فوعود ديلما روسيف، مثلاً، بالاستثمار أكثر في الصحة العامة والنقل، جاءت متأخرة لتغير صورة الدولة المنسحبة من توفير الخدمات العامة. يضاف إلى ذلك تآكل النسيج المجتمعي والذي ينتج عنه شعور طاغ بالتشرذم والتيه. فمن مزارعي القطن في الهند، والذين يعانون تقلبات الأسعار الدولية، إلى خريجي الجامعات الإسبانية الذين يبحثون عن فرص نادرة للعمل، كلهم يجدون أنفسهم تحت تأثير قوى اقتصادية وطنية ودولية لا قبل لهم بها.
والحقيقة أن الحكومات هي أيضاً لا حول لها ولا قوة، فقد أدت سهولة انتقال القوى العاملة والرأسمال إلى تآكل قدرة الحكومات على صياغة السياسات الهادفة إلى خلق مجتمع عادل. كما أن التودد الحكومي المحموم لرجال الأعمال والمستثمرين، ولّد انطباعاً لدى الناس بأن أنساق السلطة، سواء في الشركات أو الحكومات، تعمل معاً لضرب الطبقة الوسطى. وازداد هذا الشعور تعمقاً عند نهاية دورة ممتدة من معدلات النمو المرتفع التي سمحت لقلة من الأشخاص بالاغتناء، فيما تراجعت الدولة عن النهوض بدورها في التعليم والصحة والأمن.
وفي ظل مشاعر الإحباط المتولد لدى شرائح عريضة من المجتمع، قرر الشباب التخلي عن تحفظهم السياسي الذي تعودوا عليه والكف عن إيكال مهام إدارة الشأن العام لنخب تكنوقراطية، مفضّلين النزول إلى الشارع، بعدما أدركوا أن الديمقراطية ليست المشاركة في الانتخابات ثم الانعزال عن الحياة السياسية، بل الخروج في احتجاجات للتعبير عن الغضب ولنفخ الروح مجدداً في الديمقراطية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»