ثقافة

3 فنانين يقدمون الضوء واللون وتقنية الفرشاة والكولاج

عمل للفنان آزار عمدادي (من المصدر)

عمل للفنان آزار عمدادي (من المصدر)

جهاد هديب (دبي)- ما من فكرة جامعة بين الأعمال المعروضة في “معرض الصيف وكمال بلاطة”، في دبي حالياً، سوى الاختلاف الواسع في أسلوب المعالجة وطرح الفكرة وتقنيات الاشتغال على السطح التصويري، ما يعني أن لأعمال كل فنّان من الفنانين الثلاثة المشاركين في المعرض، فضاء التلقي الخاص به.
والفنانون المشاركون في المعرض الذي تقيمه صالة عرض “سبيس آرت”، ويحتوى على عشر لوحات، ويستمر حتى منتصف الشهر المقبل، هم: كمال بلاّطة من فلسطين بثلاثة أعمال، وزكريا رحماني من المغرب، وآزار عمداني من إيران.
اللون والضوء
وبصدد الأعمال الثلاثة التي تخص كمال بلاطة فيمكن القول بأنها ليست سوى اقتطاعة من أعمال تنتمي إلى مساحة معينة من تجربة هذا الفنان، بدأت بالظهور إثر بروز اهتماماته الفنية والنظرية والفكرية بمنجز الحسن بن الهيثم البصري في اللوحة التي يحفر في داخلها خصوصية ما تميّز عمله عن غيره من الفنانين الفلسطينيين ومن الفنانين العرب من المشتغلين بالتراث الصوفي العربي، والمستفيدين من رموزه وتوظيفها في أعمالهم.
في عمليه اللذين يحملان العنوانين: مقطوعة حالمة 1 و 2، يتقاطع ذلك التناظر اللوني المنجز على السطح التصويري وفقا لمساقط الضوء وانبعاثاته مع فكرة التعامل مع اللون، بوصفه معادلاً موضوعياً لإحساس يتركه العمل على الوجدان والخاطر ما إن تقع عليه العين، أي أن الفنان كمال بلاطة يبحث عبر صنيعه الفني، الذي يعود إنجازه إلى عام 2001، فضاء آخر للتلقي، يجمع اللوحة والمتلقي في لحظة آنية بلا أي أفكار مسبقة أو طروحات يتدخل فيها الفنان في توجيه مسارات تأويل الفن لدى الناظر إليه. وبمعنى آخر فإن ما ينجزه كمال بلاطة هو نوع من التجريد الهندسي الذي تمّ توزيع مساحاته على السطح التصويري بدقة وفقاً لتتبع خطوط المساقط الضوئية المستمدة من علم البصريات.
وهذا الأمر أيضاً يتكرر مع العمل الأخير لكمال بلّاطة الذي يحمل عنوان “عيد البشارة” لكن هنا يزداد توزيع المساحات اللونية على السطح التصويري تعقيداً بحكم ازدياد التعدد في مساقط الضوء، أضف إلى ذلك أن اختيار الفنان لألوان شفافة قد جعل هذه المساحات اللونية متراكبة فوق بعضها بعضاً من دون أن تحجب الواحدة منها الأخرى، ما يتطلب من العين مزيداً من التركيز عليها، بهدف الحصول على أكبر استيعاب بصري لفتنة التجريد.
اتجاهات
أما الأعمال الخمسة التي تخص زكريا رحماني فهي أعمال تتقاطع على سطوحها التصويرية أكثر من اتجاه فني: واقعي وتعبيري وسوريالي، إلى حدّ ما، وربما لذلك تحمل أربع منها عنوان: “قوانين الاتجاه”، أما الأخيرة فاختار لها الفنان عنوان “بورتريه ذاتي”.
وما إن تقع العين على أعمال زكريا رحماني حتى تلحظ شيئا ما خاصاً في صنيع الفنان، يتطلب من المرء أن يخوض أكثر من تجربة جمالية مع العمل، ليكتشف أن هذا العمل الخاص هو معالجة تقنية تتحدد في جعل ضربات الفرشاة على السطح التصويري أقرب ما تكون إلى الدائرة، أي أن “قانون الاتجاه” يخص أيضاً هذه الفكرة التقنية، حيث الاتجاه يخص الفرشاة ذاتها.
وربما لأن العمل يحتاج إلى أكثر من تلك التقنية لإنجازه من وجهة نظر الفنان، فإنه يعيد استخدام الوجه ذاته، وجهه هو، على أكثر من سطح تصويري، بأفكار متعددة، تعطي ذلك الانطباع لدى المتلقي بتعدد الاتجاهات الفنية على السطح التصويري الواحد، أضف إلى ذلك ميله إلى استخدام الحرف العربي، إنما بدرجة أقل من أن تجعل العمل عملاً حروفياً، فهو لا يكتب نصاً مكتملاً بل يرسم حروفاً، ويقتطع من عبارات شهيرة، مثل تلك العبارة التي نطق بها المتصوف الشهير الحلاج بينما يهوي سوط الجلاد على جسمه قبيل إعدامه وتقطيعه من خلاف: “حسب الواجد إفراد الواحد له”.
مقاربة العشاء الأخير
وأخيراً إلى عملي آزار عمدادي “عشاء في طهران.. 1 و5.” العملان هما ما تبقى من سلسلة أعمال تبلغ الخمسة، نفذهما الفنان بتقنية الغرافيك بحرفية عالية ملحوظة إلى حدّ بعيد، لكن ما إن تقع عليهما العين حتى يدرك المرء تلك المقاربة المباشرة مع اللوحة الشهيرة للإيطالي ليوناردو دا فنشي: “العشاء الأخير”، وتبدي أي مقارنة عجولة بين العملين إلى أي حدّ طابق الفنان عمدادي بين عمله هنا واللوحة الشهيرة، إلى حدّ أن هذه المقارنة هي موضوع مقالة وحدها.
لكنْ ثمة فارق كبير أيضاً بين العملين، يتمثل في ذلك الشلال من الدفق التعبيري الذي تنطق به الوجوه في “العشاء الأخير”، قياساً بما هو لدى عمدادي في “عشاء في طهران” التي يقول فيها الفنان حكايا بشر عاديين هي مؤلمة إذ تتحدث عن الغائبين الذين التهمت أرواحهم الحروب أو المنافي، لكن تلك الحكايا في “العشاء الأخير” هي سردية مكتملة، تتحدث عن الإنسان في كل العصور لما تنطوي عليه من درامية عالية.