دنيا

«الأمن» من أعظم النعم التي لا يستغني عنها الفرد ولا المجتمع

استتباب الأمن أهم متطلبات العيش وجلب الرزق (الاتحاد)

استتباب الأمن أهم متطلبات العيش وجلب الرزق (الاتحاد)

أحمد محمد (القاهرة) - لله على العباد نعم عظيمة، وفي مقدمتها نعمة الأمن، فلا يقوم الدين والإيمان، ولا أمور الدنيا والمعاش إلا في حال وجود الأمن، إنه نعمة لا يستغني عنها الفرد ولا المجتمع، غفل عنها الناس ولم يشكروها، فبه تصلح الحياة، وتتيسر الأرزاق، وتزيد التجارات، وتتقدم التنمية، وينتشر العلم، ويعز الدين والعدل، ويظهر الأخيار على الأشرار، وتوظف الأموال في كل مشروع نافع، وتتحقق الحياة السعيدة، ويحصل الاطمئنان والاستقرار، والسلامة من الفتن والشرور، ويأنس الجميع، وتقام الشعائر وحدود الله.
وجمعت شريعة الإسلام المحاسن كلها، فصانت الدين وحفظت العقول والأعراض وطهرت الأموال وأمنت النفوس، أمرت المسلم بإلقاء السلام والأمن، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من أصبح آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا».
والأمن نعمة لأن فيه تحقن الدماء، وتصان الأموال والأعراض، وتنام العيون، يتنعم به الكبير والصغير من نعم الله العظمى وآلائه الكبرى، ولا يطيب العيش إلا به، في ظله تحلو العبادة، ويصير الطعام هنيئا، والشراب مريئا.
وامتن الله بهذه النعمة على الصحابة، فقال (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون)، «الأنفال: الآية 26».
نعمة الأمن
ومما يدلل أن الأمن من أعظم نعم الله، قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هـذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات ....)، «البقرة: الآية 126»، فبدأ بالأمن قبل الرزق لأن استتباب الأمن سبب للرزق، وجاء في التفسير الكبير، والابتداء بطلب نعمة الأمن في هذا الدعاء يدل على أنه أعظم أنواع النعم والخيرات، وأنه لا يتم شيء من مصالح الدين والدنيا إلا به، والرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال: «الله أكبر اللهم أهلَّه علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى ربنا وربك الله»، والعبادات لا يتأتى الإتيان بها على أكمل صورها إلا به، قال تعالى: (فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة) أي، أدوها بكمالها وصفتها التامة.? ومن شروط وجوب الحج الأمن، (فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي)، «البقرة: الآية 196».
كما امتن الله على قريش بهذه النعمة العظيمة عندما بعث نبيه صلى الله عليه وسلم إليهم، قال سبحانه: (لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)، «سورة قريش»، قال ابن عباس رضي الله عنهما، نهاهم عن الرحلة، وأمرهم أن يعبدوا رب هذا البيت، وكفاهم المؤنة، وكانت رحلتهم في الشتاء والصيف، فلم يكن لهم راحة، فأطعمهم بعد ذلك من جوع، وآمنهم من خوف، وألفوا الرحلة، فكانوا إذا شاءوا ارتحلوا، وإذا شاءوا أقاموا، فكان ذلك من نعمة الله عليهم.
ووعد الله نبيه محمدا وأصحابه بأداء النسك بالأمن والاطمئنان، قال جل وعلا: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون)، «الفتح: الآية 27»، وقال تعالى: (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون)، «النحل: الآية 11».
تفسير
قال السعدي في تفسيره، هذه القرية هي مكة التي كانت آمنة مطمئنة لا يهاج فيها أحد، وتحترمها الجاهلية الجهلاء حتى إن أحدهم يجد فيها قاتل أبيه وأخيه فلا يهيجه مع شدة الحمية فيهم والنعرة العربية فحصل من الأمن التام ما لم يحصل في سواها، وكذلك الرزق الواسع كانت بلدة ليس فيها زرع ولا شجر لكن يسر الله لها الرزق يأتيها من كل مكان فجاءهم رسول منهم يعرفون أمانته وصدقه يدعوهم إلى أكمل الأمور، وينهاهم عن الأمور السيئة فكذبوه وكفروا بنعمة الله عليهم فأذاقهم الله ضد ما كانوا فيه، وألبسهم لباس الجوع الذي هو ضد الرغد، والخوف الذي هو ضد الأمن، وذلك بسبب صنيعهم وكفرهم وعدم شكرهم، فرغد الرزق والأمن من أكبر النعم الدنيوية الموجبة لشكر الله. وإذا اختل الأمن تبدل الحال، ولم يهنأ أحد براحة بال، وتختل المعايش، وتهجر الديار، وتتفرق الأسر، وتنقض عهود ومواثيق، وتبور التجارة، ويتعسر طلب الرزق، وتتبدل طباع الخلق، وتقتل نفوس بريئة، ويشيع الظلم ونسلب الممتلكات.
ولأهمية الأمن أكرم الله به أولياءه في دار كرامته، قال: (ادخلوها بسلام آمنين)، «الحجر: الآية 46».

من نعم الله الجليلة
إن من نعم الله الجليلة على أهل مكة نعمة الأمن التي خصهم الله بها ونبههم سبحانه إلى وجوب عبادته وشكره على هذه النعمة، لأنه هو الذي حرمها، يقول تعالى: (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون)، «القصص: الآية 57»، ويقول تعالى: (أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون)، «العنكبوت: الآية 67»، قال الطبري، إن الله خصها بالذكر دون سائر البلدان وهو رب البلاد كلها، لأنه أراد تعريف المشركين بنعمته عليهم وإحسانه إليهم، وينبغي أن يعبدوه هو الذي حرم بلدهم فمنع الناس منهم وهم في سائر البلاد يأكل بعضهم بعضاً ويقتل بعضهم بعضاً.