دنيا

عادات رمضانية ترسم ملامح الشهر الفضيل وتؤكد مكانته اجتماعياً

اجتماع العائلات بعد الإفطار بالمجالس من العادات المرتبطة بشهر رمضان (من المصدر)

اجتماع العائلات بعد الإفطار بالمجالس من العادات المرتبطة بشهر رمضان (من المصدر)

يرتبط شهر رمضان بالكثير من العادات الحسنة التي تزيد من جمال الشهر الفضيل، وتجعل الجميع يترقبون قدومه بالحب والفرح، ومن أبرز تلك العادات، ترقب الهلال، تهيئة المساجد وازدحامها بالمصلين، تبادل التهنئة بحلوله، زيادة صلة الأرحام وتبادل الزيارات، وهي جميعاً طقوس دينية خاصة، ترسم ملامح شهر رمضان المبارك، وتؤكد المكانة التي يتمتع بها بين المسلمين في الإمارات وأنحاء العالم الإسلامي.

موزة خميس (دبي) - من العادات الحسنة التي يتنافس على أحيائها الجميع خلال شهر الصوم، تسابق المحسنين في توفير الخيام الرمضانية، وتهيئتها بالسجاد والأنوار تكريماً للصائمين، ومساهمة الأسر في إعداد إفطار للصائمين، كما تقوم جهات حكومية بإعداد مشاريع إفطار الصائم، خاصة للمغتربين البعيدين عن أهلهم وبلادهم، حيث يعيشون جو الأخوة الذي يسود هذه الموائد، بعد أن تركوا أوطانهم في سبيل إيجاد لقمة العيش، ما يساهم في رفع معنوياتهم، واستشعار نعمة الإسلام، والإيمان، والصيام، وهي النعم التي جمعت بينهم، وألفت بين قلوب الجميع.
التمر والماء
حمد بن خميس أحد مواطني رأس الخيمة، من ضمن الشخصيات التي عرفها الناس بالورع والسمعة الحسنة في مجال الإحسان إلى الغير طوال العام، وخصوصاً في المناسبات الدينية، و توارث عن أجداده إبقاء منزله مفتوحاً دوماً للقادمين، سواء قبل الفطور أو بعد صلاة التراويح. يقال:«من العادات المرفوضة والمرتبطة برمضان، النوم نهاراً والسهر ليلاً وتضييع الأوقات، في متابعة الأفلام والمسلسلات لأنها لا تنفع للآخرة، ويمكن متابعتها بعد رمضان، كما أن هناك مبالغة في المباحات مثل كثرة ارتياد الأسواق وغير ذلك من العادات التي انتشرت، وتزداد يوما بعد يوم، ولم تكن موجودة قبل ذلك، لأن الناس كانوا يتجهزون ابتداء من شهر رجب، ولا بأس من التجمع لتحقيق مزيد من الترابط بين الناس، ولكن بغير إسراف وتضييع الأوقات بالترفيه، من دون أن نغتنم أجر التقرب لله بكثرة العبادة في هذا الشهر، لأن الله سبحانه وتعالى، سيسألنا عن أوقاتنا فيما ضيعناها وعلى ماذا أنفقناها».
تابع ابن خميس: من العادات ما هو مرتبط بالطعام والفطور في رمضان، وهي تختلف من بلد إلى آخر ففي مكة، والمدينة، خاصة في المسجد الحرام والمسجد النبوي، يكون الإفطار على رطب أو تمر مع ماء، شأن الكثير من المسلمين واتباعاً لهدي سيد المرسلين، والكثير من أهل الإمارات يفعلون ذلك من قديم الزمن.
وأكد أن رمضان، هو شهر الكرم والخير، حيث تتجدد العلاقات، ويتنافس الناس على تلاوة القرآن، ومعظم الأحاديث تدور فيه حول الدين والصلاة، وما قد يقع فيه المسلم من أخطاء في صلاته أو في أحكام الصيام، والبعض يتداول أحوال المهن كالزراعة وتربية المواشي والإبل، والبعض الآخر يتحدث عن التجارة أو أحوال أهلنا في المناطق الأخرى.
وتقام المجالس مرات عدة في اليوم بشكل اعتيادي، فينهي البعض أعمالهم، ويتجمعون في أحد المجالس المعروفة للجميع، ويأتي آخرون بعد صلاة العصر، ويتدارسون القرآن. وهناك تجمع بعد صلاة التراويح، يحضره رجال وشباب الحي يتناقشون خلاله في أمور الحياة كافة.
الإفطار الجماعي
يوسف الحمادي، من خورفكان، قال من جانبه، إننا تعودنا في بلاد الخليج العربي أن يكون الفطور إلى جانب التمر والماء، وأن يكون هناك لبن، وأطباق شعبية، مثل الشوربة والهريس والثريد، وغيرها، ومن العادات الحسنة الجديدة، أنه بدلا من وضع الطعام أمام المساجد لإفطار الصائمين، يتم اليوم إعداد الخيام بإقامتها أمام بيوت الإماراتيين لهذا الغرض، وذلك لأسباب عدة، منها أن وضع الإفطار قديماً كان آمناً، حيث لا تلوث ولا غبار، واليوم ربما تمر مركبات عدة محدثة سحابة من الغبار والرمل، وهذا يسيء للجلوس ويضر بهم، وربما يلوث الطعام، والأمر الآخر أن درجات الحرارة في الخارج لم تعد كما كانت، وأصبح الإفطار الجماعي خارج المنزل من المظاهر الرئيسية في الشهر الكريم، ويعتبرها الجميع تراثاً للأجداد يستعيده الأبناء، حيث يتخلون عن حياة المدنية بتعقيداتها، ويتم استقبال الأقارب والأصدقاء، ويفطر الغني والفقير والمقيم وعابر السبيل.
وأضاف الحمادي: «حين كنا أطفالاً تشربنا من آبائنا تلك العادات المرتبطة بالخلق الحسن، وتعلمنا بأن رمضان ليس جوعاً وعطشاً، ولكنه مدرسة للصبر وتنقية وتصفية للروح والبدن، وفيه التخلي عن أي عادة سيئة تم اكتسابها خلال العام، ومن رمضان إلى رمضان قد تترسب في الذات بعض القيم الدخيلة والمعاصي، ولذلك يعلمنا آباؤنا أن رمضان قادم لنبدأ صفحة جديدة مع الله ومع النفس، وبالتالي مع الآخرين فنجدد ذاتنا وأرواحنا».
على ظهور المطايا
عبيد بطي، من المنطقة الوسطى بالشارقة، شارك بالحديث حول العادات الرمضانية، موضحاً أنه ما زال يتذكر يوم كان السفر لأيام على ظهور المطايا، بغرض شراء المير أو أي صنف يحتاجه البيت، سواء كانت أطعمة أو أقمشة والبهارات، وكانوا يذهبون إلى الشارقة ودبي أو غيرها من الأسواق ليأتوا بالأرز، وبعض أنواع الحبوب التي لم تكن تزرع في الإمارات أو في حال لم يكن موسم زراعة الحبوب جيداً. وكذلك يشترون السكر وحبوب القهوة الخضراء والعطور الأساسية الخالصة.
ويلفت بطي إلى أن أناس كثيرين، تحدثوا عن الفقر والحاجة والعوز في الإمارات قبل النفط، ولكن ليس كل ذلك صحيحاً، ولم يسر على كل المناطق، فقد كان الخير كثيراً، ومن كان فقيراً أو محتاجاً فإن صلة القربى والجوار تكفيه عن العيش كمتشرد أو معوز، حتى إن أي غريب يقدم علينا لا يميز بين غني وفقير، فهناك اكتفاء ويسر، ولأننا نعرف أحوال جيراننا، ومن يشتري لنفسه يشتري لجاره، وما زالت هذه العادات قائمة، ولكن الحمد لله كثر الخير، حتى لم يعد أحد يقدم لجيرانه كمحتاجين، ولكن يقدم لهم ليتذوقوا شيئاً مما تم طبخه في منزله.
أيضاً من العادات القديمة التي يذكرها بطي، أن الفقير لا يمتلك ناقة أو بعيراً ليسافر مع الرجال، كي يتجهز بالمؤن ليس لشهر رمضان وإنما لشهور أخرى، لأنه أساساً لا يملك ما يكفيه لنفسه ولعياله، ولذلك كانت هناك عادة أن يحسب كل موسر لجاره الفقير حساب خير، فإن قطع لنفسه قطعة قماش ليخيط منها ثوباً فعل ذلك للجار الفقير، ويسري هذا على بقية الاحتياجات الأخرى، وبالنسبة لأهلنا ممن هم في مناطق بعيدة عن البحر، فإنهم يشترون الأسماك، ويتم تمليحها على الشاطئ مباشر، وتحمل ليطهى منها فيما بعد، وكذلك كانوا يفعلون في اللحم الذي يقدد ويملح حتى لا يفسد، وكان واجباً على كل من يذبح ماشية أو غيرها من الذبائح في رمضان أن يوزعها على جميع جيرانه، ولو أعطى لكل بيت نصف كيلو أو أقل حسب عدد البيوت والعائلات.
لم تكن من عاداتنا تناول كميات كبيرة من اللحم، على حد قول بطي، الذي تابع، كل أهل الإمارات لم يكونوا يكثرون من تناول اللحوم قديما، رغم وفرة الأغنام والمواشي، ولكن كانوا يعتمدون على الألبان والأسماك و التمور مع اللبن الحامض أو الروب.
وكانت لديهم عادات رمضانية جميلة وهي السفر ولو لمكان بعيد لزيارة الأهل والأصدقاء، ولكن في شهر رمضان لا يسافر الناس، لأن السفر كان شاقا عليهم، وهم لا يرغبون في السفر كي لا يضطروا إلى الإفطار، فكان الرجال يبقون في قراهم يعملون في المهن المختلفة من الزراعة والرعي وتربية الإبل، وصنع بعض المستخدمات الضرورية، التي يستفاد منها للتجارة، طلباً للرزق مثل قطع الأخشاب من الشجر وصناعة الفحم. بعكس الحال اليوم، حيث يمكن للصائم في خورفكان أن يفطر في الشارقة، حيث لا تعب ولا مشقة، وبكل سهولة يمكن لأي شخص أن يصلي العصر في الشارقة، ويفطر في خورفكان أو دبا أو كلباء.
التواصل المباشر
موزة محمد راشد من الطويين قالت: «قديماً لم نكن نعرف الكثير عن العالم من حولنا، حتى عن أحوال أهلنا في بقية إمارات الدولة، ولم تكن هناك وسائل الاتصال، ولكن كانت علاقاتنا أفضل، لأن التواصل المباشر كان سائداً، وهو أفضل من الاتصال بالهاتف، حيث يغلق كل شخص على نفسه وعلى أسرته باب بيته، ولا يعلم عن الجار مثلما يحدث في مناطق مختلفة».
وأوردت أن هذه الوسائل الحديثة، ربما تتحكم بالشباب ويجدونها مريحة وموفرة للوقت، ولكن قضاء الوقت مع الأهل في مكان واحد له كثير من المزايا لا يعرفها إلا من تعود عليها.
وبينت راشد، أن رمضان كان يمر في عمل وعبادة وتواصل مع الناس من الأهل الجيران، ويكون الترفيه من خلال التجمعات الليلية بعد صلاة التراويح لتناول العشاء، أو ما يسمى بالفواله، حيث يتبادل الناس الزيارات يومياً، خاصة بالنسبة للرجال، وكان ذلك يتم بعد التراويح مباشرة.
وعندما كان يخرج الرجال قديماً من المساجد من دون مناسبة مثل العيد أو غيرها من المناسبات، فهم يدعون بعضهم لتناول القهوة، ولم يكن الداعي يقصد القهوة بحد ذاتها، فعندما يوافق أحدهم أو بعضهم فإنه حين يدخل بهم إلى مجلسه، يعرف أن أهله قد يحتاجون وقتاً لإعداد شيء من الحلوى، فربما لا يوجد في المنزل شيء جاهز للتقديم، ولذلك بعد أن يجلسوا فإنه يدخل ليخبر أهله، وأثناء إعدادهم لشيء سريع فإنه يأتي بالقهوة التي عادة ما تكون جاهزة في انتظار تقديم واجبات الضيافة، و»يقهوي» الرجال، ويتبادل معهم الأخبار، والتعرف إلى أحوال بعض حتى تقدم لهم الحلوى والفواكه، ثم يعود إلى تقديم قهوة جديدة تم إعدادها أثناء تلك الفترة.
أيضا من العادات الرمضانية الاعتكاف في المساجد للرجال من بعد صلاة العشاء، وعندما كنا صغاراً لم نكن نعرف سبب بقاء الرجال في المساجد، ولماذا هم يتلون القرآن حتى وقت السحور، وكانت الأمهات يبعثن بالصبية أو الخدم من الرجال إلى المساجد لإيصال الأطباق المختلفة والمنوعة من الأطعمة الرمضانية .
وقالت: «نحن لا نزال نجتمع كل يوم في بيت واحد، من نساء المنطقة، بعد أن نؤدي صلاة التراويح التي نصليها جماعة، وتفضل بعض النساء البقاء في بيوتهن لتلاوة القرآن، كما تذهب أخريات لأداء التراويح في الجوامع. حيث تم بناء مصليات للنساء، وتقام الكثير من المحاضرات الدينية التي تبدأ من قبل رمضان كي نستعد لأداء العبادات فيه بشكل صحيح».

صيام الصغار
«من عاداتنا القديمة أن نبدأ في تعليم الأطفال الصيام، فهم يقومون مثلنا للسحور، لأنهم يرغبون في ذلك، ونحن نشجعهم ونشاركهم معنا السحور، ونخبرهم أن الله يسامح الصغار إن صاموا لنصف يوم وأفطروا ظهراً، لأننا دائماً نشفق على الصغار، والحمد لله الكثير منهم يكملون الصوم، أما الضعاف والصغار فإنهم يفطرون ظهرا أحياناً برشفة ماء، ويكملون بقية اليوم، رغبة منهم في فرحة الجلوس مع الكبار والإفطار معهم، وهكذا يتعود الطفل المسلم على الصيام، فيصبح عملية سهلة بعد أن تعود عليه تدريجياً».