دنيا

عبدالله الزيودي: عملنا بالزراعة والرعي.. وشهر رمضان يجمعنا بمن نحب

منطقة الحلاة التابعة لإمارة الفجيرة بها عدة مناطق مشهورة وتتبع لها، وهي تقع في المسافة التي يأخذنا الطريق فيها نحو منطقة مسافي بإتجاه دبا الفجيرة، وفي هذه الأماكن عمل الأهالي قديماً في مهن مختلفة كالرعي والزراعة، كما كانوا كثيري الاهتمام بالإبل التي كانت تشكل عاملًا أساسياً في حياتهم، وتعد قبيلة الزيود من القبائل الشهيرة في تلك المنطقة، وأفراد القبيلة منتشرون في الأماكن الجبلية والأراضي الواقعة حول الأودية، أو في الأراضي الجبلية المنبسطة، كما توجد كثير من الأسر التي تنتمي لهذه القبيلة في مناطق كثيرة من الدولة، بحكم تحول الأجيال الجديدة إلى العمل في المدن بعد إن انضم رجالها وشبابها للعمل في المجال العسكري والشرطي والمهن الأخرى. ومن أفراد هذه القبيلة عبدالله بن علي بن محمد الزيودي،الذي يقع منزله في منطقة «الردة»، والذي فتح لنا خزائن ذكرياته في السطور التالية...

موزة خميس (دبا الفجيرة) - في منطقة «العيينة» التي تعد إحدى المناطق ضمن الحلاة وهي منطقة تعتبر من المناطق الرئيسية، ولد عبدالله بن علي بن محمد الزيودي في قرية العيينة، وسط حياة لا تعرف الضوضاء ولا كثرة الأنوار، حيث لا آلات ولا أجهزة ولم تكن هناك خدمات كهربائية ولا مائية، فكانت الأصوات المألوفة هي للبشر والمواشي والدواجن التي ترتع حولهم، وكان والد عبدالله يعمل قائداً على قوافل الإبل، حيث يرحل بها إلى أماكن كانت تعتبر بعيدة، وكانت الطرق محفوفة بالمخاطر، ولكن كان شديد الشجاعة ليخرج من أجل التجارة، وبيع وشراء المنتجات، كما كان يعمل على تأجير الإبل للآخرين، مثل مالكي سيارات الأجرة اليوم، ليوصلهم مع بضائعهم إلى الإمارات الأخرى البعيدة من موطنه المستقر وسط جبال الفجيرة ووسط قرى دبا.
أشهر الأسواق العربية
وقد ولد عبدالله بن علي بن محمد الزيودي في عام 1935 كما يشير جواز السفر، وربما كان ذلك تاريخ تقديري، حيث كان الأهالي يضيفون سنوات من عمرهم من أجل الحصول على الجواز أو لأجل الدخول للمدرسة، ولم يكن الكثير من الآباء يؤرخون تاريخ ميلاد أبنائهم، وفي منزله الواقع على الشارع العام في دبا بمنطقة «الردة» والمؤدي إلى مدينة الفجيرة، التقينا به، وقد تحدث لنا قائلا: نحن في منطقة تعد مميزة بآثارها الهامة، فنحن نتبع مدينة دبا، والتي تدل على أهميتها ومنها موقع أثار المهلب، الذي عرف به علماء الآثار منذ أوائل الستينيات، ثم أعادت التنقيب فيه هيئة الآثار بالفجيرة، ومنطقة المهلب هذه شهدت ولادة الأديب الحكيم المحارب المهلب بن أبي صفرة، الذي حارب المرتدين عن الإسلام في عهد أبو بكر الصديق رضى الله عنه، والذي ولاه أبو بكر الصديق البصرة والعراق وخراسان، وجاءت هذه المعلومات في كثير من الكتب ولدي العديد من المؤرخين.
ويضيف عبدالله الزيودي، أن أبنائي رجال متعلمون وهم يحرصون على القراءة في هذا الجانب، وينقلون لنا المعلومات، بالإضافة لتلك المعلومات التي حصلنا عليها من الأجداد، والذين يذكرون عن أجدادهم أن دبا ضمت أشهر الأسواق العربية ودبا مدينة قديمة مشهورة لها ذكر في أيام العرب وأخبارها وأشعارها، ولعل هذه السوق المذكورة فتحها المسلمون في أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه سنة 11 هجرية، وتعد مناطقنا في دبا من المناطق القريبة جدا من الساحل، لذلك هي أحد أهم المصايد في المنطقة، والناس يأتون من أماكن بعيدة لشراء الأسماك منها، وخاصة في موسم الرحلات سواء في الماضي أو الحاضر، وكان يتم تحويل السمك إلى سمك محفوظ بالتمليح، أما اليوم فينقل مباشرة إلى برادات مليئة بالثلج.
صيد الأسماك
ويشير عبدالله الزيودي قائلاً: تشتهر دبا بصيد الأسماك وتصدير أنواع كبيرة منها مثل أسماك السردين وهي العومة والمالح، والشعاريف أو الزعانف والتي يتم تصديرها إلى الخارج، حيث كانت التجارة قديما تنصب على زعانف أسماك القرش، ولكن اليوم اختلف الحال، كما كان يوجد لدينا قديما وفرة في جراد البحر، وهو ما يعرف بأم الروبيان، ولم يكن الأهالي يهتمون بصيد هذا النوع برغم سهولة صيدها.
كما أن منطقتنا كانت مشهورة بوفرة مصادر المياه العذبة بجانب تربة زراعية خصبة رغم وقوعها على البحر، وفي قرية الحلاة يوجد سد كبير لليوم، وهو من السدود التي أقيمت على نفقة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، وقد سمي سد البصيرة وتتجمع في هذا السد مياه الأمطار، التي تنزل من الجبال وتمر من وادي الطيبة ووادي الصومدي ووادي عشامة ثم إلى وادي الحلاة، إلى جانب أودية أخرى ثمانية. حيث تتجمع الأمطار التي كانت تستمر قديما في السقوط لفترة تتراوح بين عشرة إلى عشرين يوما، لذا فهي بيئة زراعية يحرص الكثير من أهلها على العمل بالزراعة واستثمارها خير استثمار، وتحوي العديد من الثمار والنخيل المثمرة إلى جانب أشجار الليمون والمانجو والرمان والتوت، وغيرها من أنواع الحمضيات والفواكه المختلفة، حيث بدأنا في جمع ثمار المانجو بدءا من شهر يونيو الماضي بوفرة، ونجد غالب البيوت لديها أشجار متنوعة من المانجو.
مواجهة قسوة الحياة
ويكمل لنا عبدالله الزيودي، موضحاً: وسط كل ذلك نشأ وقد حرص والده على أن يعتاد على مواجهة قسوة الحياة، فكان إذا رحل في قافلة إلى الإمارات الأخرى التي كانت بعيدة، يأخذني معه حيث نقضي ستة أيام على الطريق في الذهاب والإياب، إلى الشارقة مثلاً، حيث لم تكن الإبل للركوب وحمل الرجال ومن معهم، وإنما لحمل البضائع فقط في الذهاب والإياب، وكنا نسير مشيا ونتوقف للصلاة وتناول الطعام، وكان الرجال يواجهون خطر قطاع الطرق، الذين صنعهم الجوع والجشع، وقد يسلبونهم أرواحهم إن لم يسلبوا أرزاقهم.
وكان الرجال ضمن القافلة يتناوبون على طهي الوجبات، وفي حال عدم السفر، فإنني أرافق والدي إلى الجبال لجمع العسل، كما أخرج معه في رحلات صيد الوعول والضباء، والوحوش التي كانت تغزو القرية وتنال من مواشيها وإبلها ودواجنها، كما اشتغلت في جمع الحطب والبحث عن الأعشاب والحشائش، وكان سبب إنتقالنا إلى الحلاة هو وجود عمي في هذه المنطقة، وقد أرسلني والدي للعمل مع العم حيث كان يمتلك بستاناً، وكان لدى العم ابنة فزوجني بها وأنجبت العديد من البنين، وأصبح لدي فيما بعد العديد من الأحفاد.
وفي شبابي كنت معتاداً على السفر لألتقي بالشيوخ والأمراء فيما يعرف بفعل يقال عنه، «إن فلان شافي على الشيخ فلان»، وقد التقيت في تلك الرحلات مع الشيخ راشد بن سعيد المكتوم رحمه الله، كما التقيت بالشيخ صقر بن سلطان القاسمي بالشارقة، ثم سافرت إلى قطر والتقيت الشيخ أحمد آل ثاني، وأيضا كانت لي رحلة إلى البحرين وقابلت الأمير عيسى بن سلمان آل خليفة رحمه الله مدينة الرفاع، وقد أمر لنا بحافلة نقلتني ومن معي إلى المنامة، وقدم لنا بعض الهبات، كما سافرت إلى السعودية والتقيت بالملك فيصل رحمه الله.
حل الخلافات
وفي عام 1968، حسبما أشار عبدالله الزيودي، تم تكليفي من قبل والد صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي حاكم الفجيرة، بأن أكون مسؤولاً عن الرعية أمام الحاكم، وقد صاحبت الحاكم الراحل لمدة 8 سنوات وكان له منزل في دبي، وكنت دائماً برفقته، وتعلمت كيف أوظف سلوكياتي والقيم التي تربيت عليها، في حل مشاكل الأهالي وفض النزاعات حول الماء أو الأرض أو غيرها من الأمور الحياتية اليومية، وهي خلافات تعد بسيطة وبكلمة طيبة ينفض المجلس على محبة وأخوة من جديد، لأن للكلمة الطيبة وللألفاظ الجميلة وقعا كالسحر على القلب، وكالماء البارد في يوم قائض على النفس الغاضبة، لذلك تم استخدام الشعر في كثير من أوجه الحياة قديماً، وبصور مختلفة تعبر عن الحالات المختلفة للبشر. إن هذه المناطق من الإمارة شهدت الكثير من الأحداث، ويمكن تخيل أحداث حصلت في زمن كانت تستخدم فيه السفن للدخول للمنطقة، سواء للتجارة أو لأمور أخرى، حيث لعبت مناطقنا دورا تاريخيا موثقا.
وأنا كرجل لم يقرأ ما تم ذكره ولكن نعلم من أبنائنا ومن المثقفين، خاصة أن الفينيقيين قد اتخذوا من منطقة دبا مركزا تجاريا، للرحلات بين غرب وشرق آسيا وحتى أوروبا، وعندما استقر الحال أصبحت مناطقنا المفضلة لأهالي الإمارات، حيث يأتون لأجل قضاء الصيف، نظرا لطبيعة المنطقة وما تجمع من خير. كما اشتهرت دبا بموقعها الاستراتيجي الذي جعلها من أشهر مواقع صيد السمك في العالم، وببيئتها الخصبة المليئة بالأصداف البحرية الكبيرة اللازمة لصناعة الخزف والنقوش للمباني، وهي تصلح لصناعة أزرار الملابس، وغيرها من الاستخدامات الصناعية الأوروبية في العصر القديم، ولتجارة الأصداف في دبا قديما أصول وقواعد تتبع حيث كانت تباع بالوزن، ويصل سعر المن حينذاك حوالي 25 روبية، وكانت السفينة تجلب في رحلة واحدة حوالي من ألف إلى ألف وخمسمائة من الأصداف، وكان المن الواحد من تلك الأصداف يساوي حوالي أربعة كيلوجرامات.



الزراعة والقوافل التجارية

عاش أهل المنطقة، حسبما يقول عبدالله الزيودي، على الزراعة حيث كانوا يزرعون القمح والبطاطا الحلوة والبصل، إلى جانب زراعة النخل، أما بالنسبة للأسلحة التي كانت من القطع الشخصية المرتبطة بالشجاعة فلا تفارق الرجل، حيث كان يقتني البنادق والسيوف والخناجر، ومن تلك البنادق المستخدمة «الصمعاء والميزر وأبو فتيلة والعسكرية»، حيث كان يتم استيرادها ولم تكن تصنع في دبا، ولكن الإنسان في الإمارات استطاع ان يصنع الذخيرة، وفيما بعد توصل لصنع البنادق بطرق بدائية ولكنها تفي بالغرض، وهو الحماية إضافة إلى الظهور بها في المناسبات مثل الأعياد والأعراس. موضحاً الزيود كانوا ينتجون منزليا الكثير من المواد الغذائية التي لا تتلف سريعا، ويحملونها إلى المناطق الأخرى كإمارة الشارقة أو دبي. ويكمل الزيودي قائلاً: كانت القوافل تحمل معها الأرز والسمك المملح والتمر حيث يتوقفون في أوقات معينة يطبخون وجبة الأرز والمالح والتمر ثم يكملون المسير، وتمر القوافل على مجموعة من الطريق والمناطق مثل، وادي الفاي وعرق بن حمد وأم النغول وبياته وطوي راشد ثم مهذب، وعند العودة نكون محملين بكل ما تحتاج كل أسرة من منتجات مستوردة، خاصة لشهر رمضان لأننا نحضر كل شيء بأنفسنا ويحتاج ذلك لوقت، وفي ذات الوقت نحن لا نخرج للشراء في تلك السنوات البعيدة، خلال شهر رمضان لأن الناس في صيام.

تباعدت الدروب وتغير الحال
اليوم ، على حد قول الزيودي، نحن نتلاقى في رمضان وكل أسرة تحاول أن تجمع حولها كل أفرادها في هذا الشهر الفضيل، ولكن ظروف عمل كل إنسان تجعله لا يتمكن من أن يكون برفقة أهله كل يوم، حيث تباعدت الدروب والمناطق، وحتى الجيرة اختلفت عما قبل لأن غالب من عرفناهم في طفولتنا إما توفاهم الله، أو أنهم مقعدون ولا يستطيعون التزاور، وأبناؤهم مثل أبنائنا مشغولون في إمارات أخرى أو مناطق بعيدة، ولكن ذلك لا يعني أن الحال تغير تماما، وإنما نحن نشتاق لأن نجتمع بمن نحب كلما أقبل علينا شهر رمضان، فأجمل ما فيه الرحمة والتواصل والتكافل.