دنيا

عبدالملك بن مروان أبو الملوك نبغ في الفقه والسياسة

دينار ذهبي بصورة عبدالملك بن مروان (الصور من المصدر)

دينار ذهبي بصورة عبدالملك بن مروان (الصور من المصدر)

لو كان لأحد أن يقرن ذكره بشعرة معاوية من بعد صاحبها ابن أبي سفيان فهو بكل الجدارة الخليفة الأموي الأشهر والأكثر أهمية في تاريخ الأمويين عبدالملك بن مروان. لم يكن الرجل مجرد ابن ورث الحكم عن أبيه مروان بن الحكم ولكنه قبل كل شيء أمير أحسن إعداده ليكون جديراً بالانتساب لأحد أشرف بيوت قريش، فقد ولد بالمدينة المنورة عام 26هـ حاضرة الخلافة الإسلامية الأولى، وبها تفقه بالدين حتى صار وهو في سن الشباب أحد الفقهاء الأربعة بها مع سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وقبيصة بن ذؤيب وكان شأن أبناء البيوتات أديبا حافظا حتى إن الشعبي يقول ما ذاكرت أحداً إلا وجدت لي الفضل عليه إلا عبدالملك فإني ما ذاكراته حديثاً إلا زادني فيه ولا شعراً إلا زادني فيه.

كان عبدالملك من قبل أن ينتقل والده مروان من ولاية المدينة لمنصب الخليفة بدمشق أحرص الناس على أن يرقى المنابر بخطب تخلو من لحن القول حتى إن بعض ندمائه قال له: لقد أسرع إليك الشيب فقال شيبني ارتقاء المنابر وخوف اللحن.
الولاية
تولى عبدالملك الخلافة وهو دون الأربعين بعام واحد، وقد أنضجته تجربة العلم بالمدينة وتجربة السياسة بدمشق وكانت الدولة الأموية حين ارتقى عرشها في عام 65هـ تعيش أحرج لحظاتها، فالخلافات الداخلية بين أنصار البيت الأموي من يمنية وقيسية وصلت إلى الاقتتال وأغرى ذلك بقايا الموالين للدولة البيزنطية بإثارة القلاقل على الحدود الشمالية، بينما أخذ المتطلعون للخلافة في العراق والحجاز يستقلون بما تحت أيديهم من أراض حتى صار هناك خليفة في المدينة وهو عبدالله بن الزبير ينازع عبدالملك الحكم.
كانت شخصية عبدالملك مؤثرة فيمن حوله ووظف ببراعة كل مكوناتها، فكونه فقيهاً أديباً من ناحية، وأموياً قرشياً من ناحية أخرى جعل بينه وبين رجاله مسافة من الاحترام والخشية، وزادها بكرمه الذي لا يحد، ثم باستقامته وترفعه عن النقائص وصبره وثباته عند الشدائد، فكان أول شخصية كاريزمية في البيت الأموي من بعد معاوية بن أبي سفيان.
وزيادة على ذلك كانت لعبدالملك نظرة في الرجال قلما خابت، فكان يحسن اختيار رجاله بل إنه كان يحلم على مخالفيه إن آنس فيهم رشداً ويصطنعهم فيكونوا من أخلص رجاله وأشدهم حماسة له. وفي زمن الفتن لم يركن عبدالملك إلى البطش والفتك بالناس، وإنما قدم على ذلك الرفق بالرعية حتى إن الطمع في رفقه وكرمه كان دافعاً لأن ينفض جمهرة الناس عن مخالفيه من قبل أن يبدأ القتال أو تحسم المعارك مصائر أطرافها.
حنكة سياسية
أظهر عبدالملك حنكة سياسية كبيرة عندما شرع في استعادة العراق من يد عبدالله بن الزبير، فقد واجه أولاً فرقة التوابين وهم من شيعة الحسين رضي الله عنه الذين أبدوا الندم على تخليهم عنه في كربلاء، وشرعوا في قتل كل من شارك في قتل الحسين بن علي لإظهار توبتهم، ونجح الجيش الأموي بقيادة عبيد الله بن زياد في هزيمة التوابين وقتل زعيمهم سليمان بن صرد، ولكنه لما رأى تجمع الشيعة حول المختار بن عبيد الثقفي ونجاحهم في هزيمة ابن زياد وقتله قرر أن يتريث تاركاً أمر المختار لخصمهما الأكثر خطورة وقوة وهو عبدالله بن الزبير وبالفعل نجح مصعب بن الزبير والي العراق من لدن أخيه عبدالله في هزيمة المختار وبسط نفوذه على العراق. قرر عبدالملك بحنكة القائد العسكري أن يخوض معركته الأولى ضد عبدالله بن الزبير في العراق وقاد الجيش بنفسه محاولاً فض الجموع حول مصعب بالمال تارة وبالحيلة السياسية تارات حتى نجحت قواته في هزيمة قوات مصعب الذي سقط شهيداً في المعركة، وعندما بلغه نبأ مقتله أمر بأن يوارى الثرى على الفور إكراماً لصداقتهما القديمة.
بعدها جاء اختيار عبدالملك لقائده الأشهر الحجاج بن يوسف الثقفي ليقود المعركة الأخيرة ضد عبدالله بن الزبير، وبالفعل نجح الحجاج بعد حصار شديد لمكة وقصف متواتر لها وللكعبة المشرفة في أن يلجأ أنصار ابن الزبير بمن فيهم ابناه للاستسلام قبيل المعركة اليسيرة التي استشهد فيها عبدالله بن الزبير.
وعقب انفراده بالخلافة من دون منازع شرع عبدالملك بن مروان في توجيه قوة المسلمين نحو الخارج مدركاً أن بقاءها بالداخل كفيل بإثارة النزاعات فواصل فتوحاته بالمشرق وبالمغرب على حد سواء وبرز دور قادته الذين انتدبهم للجهاد بدءاً من الحجاج بن يوسف الثقفي والمهلب بن أبي صفرة وانتهاء بعقبة بن نافع.
لم تتوقف همة عبدالملك بن مروان عند حدود الحرب والقتال وترميم أركان الدولة الإسلامية بعد أن كادت تفنى بسبب الاقتتال الداخلي ومطامع البيزنطيين بل كان رجل دولة بالمعنى الكامل للكلمة له رؤيته الاستراتيجية ومبادئه الأخلاقية التي لا يحيد عنها وفي ذلك لم يكن ميكافيللياً بقدر ما كان برجماتياً.
تعريب اللغة
فعلى المستوى الاستراتيجي اختار لدولته الفتية أن تكون عربية الصبغة، وفضلاً عن متابعته للسياسة الثابتة منذ عهد عمر بن الخطاب بحث القبائل العربية على الهجرة للأمصار في آسيا وأفريقيا جعل عبدالملك من العرب نخبة إدارة الحكم في الأمصار، وذلك بقراره الحاسم بتعريب لغة الدواوين في الدولة الأموية، منهياً بذلك قرابة نصف قرن من الازدواج اللغوي ثم ثنى ذلك بقرار شمل تعريب العملات الإسلامية لتستقل بنقوشها العربية وأوزانها عن عملات الفرس والروم.
ورغم ثقته بولاته فقد كان يباشر أمور الحكم بنفسه ولم يسلم أحد من محاسبته بمن فيهم الحجاج الثقفي الذي أرغم على السير للمدينة لاسترضاء الإمام مالك بعد شكوى منه للخليفة.
التزام خلقي
أما التزامه الأخلاقي فتلخصه واقعة طلب أحد قصاد بلاطه أن ينفرد به لحديث خاص إذ أمر بأن ينصرف الحضور ثم التفت إليه قائلاً: احذر من كلامك ثلاثاً إياك أن تمدحني، فإني أعلم بنفسي منك، أو تكذبني فإنه لا رأي لكذوب، أو تسعى إلي بأحد من الرعية فإنهم إلى عدلي وعفوي أقرب منهم إلى جوري وظلمي، وإن شئت اقلتك فقال الرجل: أقلني فأقاله.
الصور المعروفة لعبدالملك بن مروان هي تلك التي نقشت على بعض النقود البرونزية والدنانير الذهبية التي ضربها محاكاة للنقود البيزنطية مع وضع صورته عليها عوضاً عن صورة الإمبراطور البيزنطي ومنها نقود من ضرب بعلبك والرها فضلاً عن القدس أو إيلياء كما كانت تسمى آنذاك.


النقود البرونزية والدنانير الذهبية

ثمة دينار نادر عليه نقش لصورة عبدالملك بن مروان وتتفق مع الصور المنقوشة على النقود في تصويره كرجل له وجه أقرب للاستطالة مع شعر طويل مسدل ولحية كثة، يرتدي ثوباً قصيراً إظهاراً للزهد والترفع عن ترف الدنيا والخيلاء جرياً على العادة التي أظهرها الفاروق عمر بن الخطاب لمن تليه من الخلفاء وقد حمل السيف في وسـطه إشارة للجهاد وعلامة على إمامته للمسلمين.
ورغم أنه من المتفق عليه أن صور عبدالملك المنقوشة على العملات لا تتمتع بقدر كاف من التفاصيل التشريحية التي تدل على الصورة الكاملة للخليفة الأموي فإنها تركز بشكل عفوي على أبرز ما يفرق بينه وبين الإمبراطور البيزنطي وبخاصة شكل الوجه واللحية والقامة المديدة التي يدل عليها طول السيف المبالغ فيه.
وصوره تلك هي الوحيدة التي وصلتنا لخلفاء الدولتين الأموية والعباسية بعدما اعترض الفقهاء على نقش عبدالملك لصوره على النقود تشبهاً بأباطرة الروم وفي كل الأحوال فهي صــور نادرة ومعبرة أيضاً عن أبي الملوك الذي عرف بذلك لتولي أربعة من أولاده الخلافة وهم: الوليد، وسليمان، وهشام، ويزيد الثاني.