الاقتصادي

«بتروبراس» تواجه تحديات استغلال حقول النفط

في خليج جوانابارا قبالة مدينة ريو دي جانيرو في البرازيل ترسو سفينة أمازون تشيفتن جاهزة ومزودة بحمولة غير معتادة.
تشمل الحمولة عدداً من «الطوربيدات» التي هي في الواقع أعمدة فولاذية تشبه صواريخ الفضاء مخطط أن تسقط من السفينة في البحر بالقرب من ريو، بحيث توجهها زعانفها نحو قاع البحر، لتعمل كمرساة لمنصات نفط شركة النفط الوطنية بالبرازيل (بتروبراس) التي تقوم بتطوير أكبر اكتشافات نفط في الأميركتين لعقود تقع أسفل طبقة من ملح كلوريد الصوديوم ثخانتها كيلومتران.
والفضل يعود إلى بتروبراس التي تعكف على تنفيذ أكبر برنامج إنفاق شركات رأسمالي في العالم حجمه 237 مليار دولار في خمس سنوات لغاية عام 2017، وهناك نشاط شديد في هذا المرسى التابع لمجموعة خدمات النفط تريانفو لوجيستيكا لدرجة أنه يصعب العثور على أعداد كافية من الفنيين المتخصصين مثل سائقي الروافع من أجل مواكبة نمو أعمال المجموعة.
وقال روجيريو كافارو رئيس تنفيذي تريانفو لوجيستيكا: «قررت شركتنا تدريب مشغلي روافعنا من الصفر» والصورة واحدة في كافة أنحاء خليج جوانابارا، فالسياح القادمون جواً المتوقعون أن يروا تمثال المسيح المخلص مطلاً على المدينة سيشاهدون أيضاً منصة نفط عائمة تبحر إلى إحدى الحقول الجديدة قبالة ساحل البرازيل الجنوب شرقي.
ومنذ اكتشافها في عام 2006-2007، أدهشت إمكانيات الحقول التحت ملحية قطاع الطاقة العالمي، ولكن الآن فإن هذه الإمكانيات أكبر من مجرد وعد، إذ إن باكورة الإنتاج ثبت أنها مشجعة.
فضلاً عن أن البرازيل تتوقع حضور ما يتراوح بين سبعة وثمانية شركات دولية لتقدم عروض المشاركة في تطوير حقل ليبرا تحت الملحي في مزاد مقرر عقده في شهر أكتوبر يبدو أن إحدى الجبهات الأكثر صعوبة فنية في صناعة النفط العالمية قد انفتحت أخيراً.
وقال رواريد مونتجومري من وود ماكنزي لاستشارات الطاقة: «ما تخططه بتروبراس لهذا العقد في المياه العميقة لم يسبق لشركة واحدة في العالم أن حاولت عمله فهذا المشروع بالغ الضخامة».
وأضاف مونتجومري أن العناصر التشغيلية والمالية وليس العناصر الفنية هي التي تشكل أكبر التحديات، وقال أيضاً: «فيما يخص الحقول تحت الملحية، كانت نتائج الحفر والإنتاج لحد الآن إيجابية جداً على وجه العموم، والخطر الأكبر الذي يشكل التحدي الكبير أمام معدل النمو هو بالتالي يقع فوق الأرض وليس أسفل الأرض».
تبلغ احتياطيات بتروبراس المؤكدة 15.7 مليار برميل مكافئ نفط موجودة في طبقات تحت ملحية في المياه العميقة وفي المياه بالغة العمق (أكثر من 1500 متر).
من حيث الإنتاج لم تشكل الحقول التحت الملحية سوى 7% من إنتاج بتروبراس من النفط والغاز الطبيعي في البرازيل في العام الماضي الذي بلغ 1.96 مليون برميل يومياً، ولكن بحلول عام 2020 ينتظر أن تشكل نصف الإنتاج المتوقع بلوغه 4.2 مليون برميل يومياً.
وقالت ماريا داس جركاس سيلفا فوستر رئيس تنفيذي بتروبراس: «في السنوات الخمس الفائتة قمنا بمضاعفة احتياطياتنا وحجم النفط الممكن استخلاصه».
وقال خبراء إن انهيار امبراطورية آيك باتيستا الذي أصبح أغنى أغنياء البرازيل اعتماداً على إحدى شركات التنقيب عن النفط البادئة أو جي إكس لم يقلل من حماس المحللين وتفاؤلهم باكتشافات بتروبراس.
وعلى عكس باتيستا الذي أقر مؤخراً بإخفاق باكورة آبار إنتاجه في حقول أعلى طبقات الملح في حوض كامبوس الضحل قريباً من ريو، أنتجت باكورة آبار بتروبراس تحت الملحية 300.000 برميل يومياً في فبراير هذا العام، وقالت أنا بولا ايرس من فيتش وكالة التصنيف الائتماني: «أثبتت بتروبراس أن لديها التكنولوجيا اللازمة».
ومن ناحية أخرى ثبت أن اللوائح التنظيمية تشكل تحديات أصعب، ذلك أن حكومة لولا دا سيلفا السابقة التي كانت ترغب سريعاً في الاستفادة من الحقول تحت الملحية لصالح البلاد، جعلت بتروبراس المشغل الحصري (يذكر أن الشركاء يشملون بي جي جروب ورويال دتش شل وربسول وغيرها) في الحقول مع حصة 30% في كل مشروع، ويخشى محللون من أن هذا الشرط يعرقل عملية الإدارة، فبالإضافة إلى استكشاف النفط وإنتاجه تستثمر بتروبراس أيضاً قرابة 43 مليار دولار في أنشطة تسويق وتوزيع النفط.
وما يزيد الأمر تعقيداً هو أن بتروبراس عبارة أيضاً عن أداة لسياسة الحكومة. وبالنظر إلى أن وزير المالية هو رئيس مجلس إدارة بتروبراس فإن الشركة تستورد نفطاً بأسعار عالمية وتبيعه بسعر محلي مدعم سعياً إلى تقليل التضخم.
وهذا يستهلك نقداً على الرغم من أن بتروبراس قالت إنها زادت من ديونها وإن حركة العملات الأجنبية أثرت على الإيرادات، فالعام الماضي منيت الشركة بخسارة أول فتراتها الربعية في 13 سنة لأسباب أهمها تقلبات العملات. كما واجهت الشركة مشاكل صيانة الأمر الذي قلص من كفاءة التشغيل في بعض الحقول إلى 71% عام 2011، وهو أقل كثيراً من المعيار المعمول به في هذه الصناعة البالغ أكثر من 90%.
كذلك فالشروط المحلية التي تلزم بتروبراس بتعهيد نسبة عالية من المعدات محلياً تزيد من التكاليف، وإن كان هوسيه دي سا من مؤسسة بان اند كومباني الاستشارية قال إن ذلك ربما لا يكون بالخطورة التي كان يخشى منها من البداية.
وعموماً، عملت المشكلات على تقليل سعر سهم بتروبراس منذ اكتشافها للحقول تحت الملحية، وهو ما نتج في المقام الأول عن تدخل الحكومة.
وقالت إيرس إنه بالنظر إلى بلوغ نسبة صافي الدين إلى الإيرادات قبل الفائدة والضريبة والاستهلاك ثلاثة أمثال ونصف في عام 2012 فإن موقف دين بتروبراس لا يعتبر جيداً مع الوضع في الاعتبار الإنفاق الرأسمالي الضخم الذي تقوم به الشركة، وقالت إيرس: «نرى أن هذا السيناريو ربما يستمر دون تغيير في السنوات الثلاث إلى الأربع المقبلة ولكن الأمر سيتغير إلى الأفضل ما أن يزيد إنتاج الحقول تحت الملحية وتكون جميع المنظومات عاملة».
ومن جهتها قامت جراكاس فوستر بإطلاق أحد أكبر برامج مراقبة تكاليف الشركات - الرامي إلى توفير 32 مليار دولار بحلول عام 2016، وسيجري ذلك من خلال استخدام أفضل للمواد الكيماوية والاستخدام الأكفأ لأسطول شحن الشركة.

عن «فاينانشيال تايمز»
ترجمة: عماد الدين زكي