الاقتصادي

40 مليار برميل احتياطيات كازاخستان من النفط

بالتحليق فوق بحر قزوين يشاهد منظر غريب - عبارة عن أرخبيل من الجزر تبرز من بحيرة ضحلة تحميها سلسلة من الحواجز المستطيلة.
غير أنه حين تقترب أكثر فأكثر تكتشف أن الجزر وما حولها ما هي إلا من صنع الإنسان، فهي في الواقع منشآت صناعية لاستخراج النفط من كاشاجان أحد أكبر حقول النفط في العالم - وأكثرها تحدياً وصعوبة.
يعتبر كاشاجان حقلاً عملاقاً ضخماً، فحين اكتشف عام 2000 في قطاع كازاخستان ببحر قزوين كان أكبر اكتشاف نفط في العالم في 30 عاماً. وحين يبدأ إنتاجه أخيراً هذا العام فإنه من المنتظر أن يضم كازاخستان إلى مجموعة الدول النفطية الكبرى.
لدى كازاخستان احتياطيات تبلغ حوالي 40 مليار برميل من النفط ولذلك فهي تعد إحدى قوى النفط البازغة في العالم، وبسبب كاشاجان ينتظر أن يزيد إنتاج نفطها بمقدار مليون برميل في اليوم في العقد التالي من 1.6 مليون برميل يومياً إلى 2.7 مليون برميل يومياً عام 2025.
وهذا يضع كازاخستان في مجموعة النخبة للدول خارج منظمة أوبك لتنضم إلى البرازيل وكندا والولايات المتحدة والتي ينتظر أن تشكل كثيراً من الإنتاج العالمي في العشرين سنة المقبلة. غير أن صعود تصنيف كازاخستان تحقق مقابل ثمن باهظ.
ثبت أن حقل كاشاجان شديد التعقيد، إذ إن نفطه موجود في مكمن ضغطه بالغ الارتفاع ومخلوط بنسب عالية جداً من كبريتيد الهيدروجين تشكل تهديداً كبيراً على حياة العاملين. والجزء الشمالي من بحر قزوين حيث يقع الحقل، يشبه حوض سباحة ضحلاً تحوله رياح الشتاء إلى ثلج من الثخانة لدرجة أنه يمكن تحطيم حفار نفط.
ولا تعد المنصات الساحلية العادية ذات فائدة في مثل تلك البيئة ولذلك تم بناء تلك الجزر الاصطناعية المصنوعة من ملايين أطنان الصخور المغروسة كأعمدة أسفل قاع البحر.
لدى مطوري كاشاجان خبرة طويلة في النفط الكبريتي والمكامن عالية الضغط والأحوال الجوية القارسة. فقد سبق لهم العمل في مناطق قصوى مثل شمالي بحر قزوين الذي تصل درجة برودته ذات درجة القطب الشمالي شتاءً وتصل درجة حرارته ذات درجة الصحاري صيفاً وفي مناطق نائية أخرى ليس بها بنية أساسية تذكر، ولكنهم نادراً ما واجهوا جميع هذه المصاعب في مشروع واحد.
وهناك إشكالية أخرى تتمثل في طبيعة اتحاد الشركات القائم بتطوير الحقل المؤلف من عدد من كبريات الشركات تضم اكسون وموبل ورويال دتش شل وإيني وتوتال وكيه إم جي التي تمتلك كل منها 16.81% وكونوكو فيليبس 8.4% وإنبكس 7.56%. وليس لدى أي شركة حصة كافية لتولي المسؤولية الأمر الذي يبطئ من اتخاذ الإجراءات.
مثل هذه الصعوبات والتحديات جعلت كاشاجان أكثر مناطق تطوير النفط تكلفة في العالم. حيث بلغت تكلفة المرحلة الأولى وحدها التي ستوصل الإنتاج إلى 300000 برميل يومياً 40.6 مليار دولار.
بات كاشاجان مرادفاً للإنفاق الزائد والتأخيرات التي ألمت بكبرى مناطق تطوير النفط والغاز، مثل محطات الغاز الطبيعي المسال في أستراليا وروسيا ومشاريع رمال القار في كندا. وكان من المقرر أن يبدأ إنتاجه عام 2005 غير أنه من غير المتوقع أن تبدأ باكورة إنتاجه إلا في الربع الأخير من هذا العام.
اقتضى كاشاجان من كبريات الشركات استخدام كل إمكانياتها. واضطر اتحاد الشركات إلى شراء مكابس قادرة على إعادة ضخ الغاز الكبريتي في المكمن عند ضغط 980 جوي ما يساوي الضغط عند عمق 10000 متر تحت سطح المياه، كما كان عليها تزويد الجزر الاصطناعية بسفن إخلاء طوارئ كاسحة للجليد. وقال أحد التنفيذيين بالمشروع: «يعتبر كاشاجان فريداً من نوعه حيث لم نر مثله من قبل».
وحتى لو تمت معايرة كل شيء بعناية قد تسير الأمور على ما لا يرام ففي شهر ديسمبر الماضي، قل عمق مياه قزوين بلا سبب واضح إلى مترين وحتى الزوارق ذات الغاطس الضحل المستخدمة من قبل اتحاد الشركات لم تتمكن من الوصول إلى منشآت كاشاجان الساحلية.
ومع تناقص الإمدادات وتزايد النفايات وتعطل دورات المياه اضطر المشروع لإخلاء 1700 عامل إلى الساحل.
ساهمت مشكلات فريدة من هذا القبيل في زيادة نفقات كاشاجان. وقالت وكالة الطاقة الدولية إن تكلفة الحقل لكل برميل تبلغ 80 دولاراً يعني خمسة أمثال التكلفة في المملكة العربية السعودية.
وقال محللون إن معظم مسؤولية مشاكل كاشاجان تقع على الشركات ذاتها. وقال دوسيم ساتباييف رئيس مجموعة تقييم المخاطر أحد مراكز إعداد القرارات في ألماتي إن الشركات قللت من مشكلات الحقل لا أكثر.
هذا فيما ينتظر شركاء كاشاجان مرة أخرى هذه المرة ليعرفوا مصير خطة توسعات بتكلفة 6 مليارات دولار ستشهد إعادة ضخ الغاز في مكمن كاشاجان لتحسين استخراج النفط وزيادة إنتاجه.
غير أنه لا يزال على الحكومة أن تصادق على ميزانية المشروع.
وإلى أن يتم ذلك لن يبلغ متوسط الإنتاج إلا 300000 برميل يومياً، وهو قليل جداً إذا قورن مع حقول عملاقة أخرى في العالم مثل الرميلة جنوبي العراق الذي يضخ حوالي 1.4 مليون برميل يومياً.
في مقدور كاشاجان نظرياً بلوغ إنتاج ثابت 1.5 مليون برميل يومياً في وقت ما في العقد المقبل، ولكن سيتضح في وقت لاحق من هذا العام ما إن كان من الممكن تحقيق ذلك الهدف. أحد قيود زيادة الإنتاج يتمثل في نقض مرافق التصدير في كازاخستان غير المطلة على بحار مفتوحة.
ورغم عدم الثقة المتبادل إلا أنه بين كازاخستان وشركات النفط الغربية المطورة لحقل كاشاجان علاقة حتمية: «الحكومة رهينة للشركات لأنها تدري أنه لا يمكنها تطوير الحقل وحدها». حسب ساتباييف. كما أن الشركات أبرمت عقداً لأربعين عاماً ولا يمكنها إلا أن تبقى في المشروع.

عن «فاينانشيال تايمز»
ترجمة: عماد الدين زكي