ثقافة

حمد بن صراي يتتبع حقائق الصراع الفارسي البيزنطي في الخليج

جهاد هديب (دبي)- في هذا البحث الاستقصائي التاريخي لجملة حقائقه في تعددها واختلافها وتباينها، يستقي الدكتور حمد بن صراي مادته الأساسية من المرويات والمراجع التاريخية العربية وغير العربية فيصل بقارئه إلى نتيجة مفادها التالي: لم يكن الصراع حول منطقة الخليج العربي من قبل القوتين العظميتين: فارس وبيزنطة، خلال الفترة التاريخية ما بين القرن الثالث وحتى السابع الميلاديين سوى صراع على جملة المصالح التجارية والاقتصادية، حيث مثّل التنافس بينهما على السيطرة على المنطقة ذروة هذه المصالح بسبب موقعها الجغرافي الذي جعل منها بوابة تنفذ بصاحبها إلى أغلب المواقع الحضارية المزدهرة في العالم القديم، خاصة شبه القارّة الهندية وإفريقيا.
بهذا المعنى يكون الكتاب عبارة عن سردية سياسية – تاريخية غنية بالتفاصيل لطبيعة الأسباب التي تحكم علاقات القوى السياسية بعضها ببعضها الآخر خلال أربعة قرون من الصراع، ومن البحث عن بدائل لهذه المنطقة الحيوية التي اجتهد البيزنطيون، عبر الحروب والدبلوماسية، في البحث عنها في سبيل استبدال هذا المعبر التجار بسواه من دون جدوى، إذ تبيّن أن لا محيد عن الخليج العربي شبه الجزيرة العربية، لاختراق أوروبا المتوسطية القديمة باتجاه الهند والصين والحضارات الأخرى كافة التي جعلت منها الطرق التجارية الممكنة آنذاك حلماً ما لم تتم السيطرة عليها.
في كتابه «منطقة الخليج العربي بين فارس وبيزنطة – رؤية تاريخية للسياسة الدولية القديمة بين القرنين الثالث والسابع الميلاديين» لا يقتصر الصراع على المنطقة في حدود ما بات كلاسيكياً في الوعـي التاريخي العربي، والذي يتحدد بين: «الفرس» ومَن لفَّ لفيفهم من العرب و»الروم» ومَن والأهم عبر تلك الأرض الجغرافية – التاريخية الممتدة من شرق البحر المتوسط، حيث بلاد الشام إلى شواطئ الخليج العربي وشبه الجزيرة، بل كان الصراع يتجاوز هاتين القوتين إلى قوى أخرى ناشئة في المنطقة وذات وزن اقتصادي – سياسي لا يُستهان بحضوره وتأثيره على طبيعة الصراع المشار إليه.
في تلك الأثناء، كانت الحبشة تُعرف على أنها: «أكسوم»، وكانت هذه الدولة من حلفاء الروم في المنطقة، في الوقت الذي امتد فيه النفوذ الساساني حتى وصل إلى اليمن، في مسعى واضح إلى بسط سيطرته على باب المندب، حيث كان الأحباش هم الذين يتحكمون في طرق التجارة العالمية التي تعبر القرن الإفريقي وشرق شبه الجزيرة العربية. لقد كان التجار الأحباش، عبر دولتهم وسياسييهم وجيوشهم هم أصحاب القرار، وكان دورهم إذ يميل إلى هذه الكفة أو تلك هو الأكثر ترجيحاً لها في المنطقة ككل. كانت مملكة «أكسوم» تدرك تماماً أن جوهر الصراع على منطقة الخليج العربي وشبه الجزيرة هو طرق التجارة البرية والبحرية التي تمرّ بها، ما جعلها تميل إلى خلق نوع من الموازنات الاستراتيجية التي تخدم مصالحها في المنطقة، ولا تتنازل عن موقعها السياسي لأي من القوتين اللتين خاضتا صراعهما بأدوات الحرب أكثر مما بأدوات السلم.وتبعاً لنتائج تلك الحرب كانت تُبرم صفقات تجارية ومعاهدات سياسية حول المنطقة العربية إجمالاً، فتقدم التنازلات وتقسو الشروط تبعا للخاسر والكاسب من هذه الحرب أو تلك، لا تستنفد مدتها الزمنية إذ يجري انتهاكها ليشتعل الصراع من جديد، فكانت مواقع عديدة في الأرض العربية شاهداً على حروب درامية جرت بين الطرفين، وتغذّت بالأساس من انتهاك حقوق المنطقة العربية، وضعفها وانقسامها.
وبحسب «منطقة الخليج العربي بين فارس وبيزنطة – رؤية تاريخية للسياسة الدولية القديمة بين القرنين الثالث والسابع الميلاديين» فإن شبه الجزيرة ومنطقة الخليج العربي لم يكفّ أهلها عن ممارسة التجارة، وبالتالي عن السعي لتحقيق مصالحهم الاقتصادية، عبر الاستفادة من الموقع الجغرافي الذي أدركوا أهميته الحاسمة بالنسبة للعالم القديم، خاصة في ما يتصل بالمنافذ البحرية.
هكذا نشأت العديد من الحواضر والمدن العربية آنذاك، والتي ازدهرت وتعمق دورها التجاري، ومع أنها كانت تتعرض في بعض الأحيان للطحن في أتون الحرب الدائرة على مدى تلك القرون إلا أنها تعود لتنهض من جديد.
في هذا السياق يذكر الدكتور حمد بن صراي العديد من هذه الحواضر الشاطئية على الخليج العربي وبحر العرب التي كانت مؤثرة في فترة ذلك الصراع، يبلغ عددها الأربع عشرة مدينة وميناء ومرفأ، من بينها: جلفار ودبا. وذلك فضلاً عن الأسواق التي كانت تحطّ فيها الرحال من كل صوب، والواقعة في أغلبها على طريق الحرير، والتي كان البعض منها يخضع للإدارة الأجنبية، أي للاحتلال، في حين يبدو أن تلك التي تركت للعرب لم تكن بالأهمية التجارية والسياسية الحاسمة ذاتها. مع ذلك فإن الباحث بن صراي لا يذكر شيئاً عن دور للحواضر والأسواق العربية في الصراع الدائر بين الفرس والروم.
جلفار
وينقل ابن صراي عن جلفار (التي هي رأس الخيمة الحالية) من مصادر تاريخية عديدة أنها «أضحت نموذجاً متميزاً للمدينة العربية في جنوبي شرق شبه الجزيرة العربية لما تمتّعت به من سمات التمدن والتحضر والتطور التدريجي نتيجة للنمو الاقتصادي عبر العصور»، و»لم يتم العثور على جلفار الأولى التي كانت بدايتها منذ ما قبل الإسلام، لدرجة ظُنَّ أن المدينة امّحت من وجه الأرض، وأضحت مطمورة تحت الرمال أو غارقة تحت مياه البحر أو أنها تمَّ تدميرها نتيجة للحروب الكثيرة التي أصابتها عبر تاريخها الطويل»، و»ربما يمثل موقع كوش القريب، جلفار الأولى، وهو محاط من جهات الشرق والغرب والجنوب ببساتين النخيل، ويحده الخليج العربي من الغرب».
دبا
أما عن دبا: «فلها أهمية تاريخية واقتصادية وعسكرية منذ ما قبل الإسلام، وكانت تقوم مقام العاصمة، وإحدى المدن المحصّنة الكبرى في إقليم عُمان، ووصفت بأنها: المصر والسوق العظمى، ولقد كانت الحياة نشطة في ميناء دبا من حيث تواصله التجاري مع الخارج، وإنتاج الداخل المحيط، (وهناك ما يشير إلى) حركة نشطة في موضع دبا سابقة على حكم الساسانيين الذين واصلوا إنعاش الحركة الاقتصادية في المنطقة».
ويترك الدكتور حمد بن صراي المائة صفحة الأخيرة من الكتاب للحديث عن الآثار الدينية التي تركها الصراع بين الفرس والروم على شبه الجزيرة العربية ومنطقة الخليج العربي، خاصة انتشار المذهب المسيحي النسطوري في المنطقة، وهو مذهب يذهب إلى أنه لا يوجد اتحاد بين الطبيعتين البشرية والإلهية في شخص السيد المسيح عليه السلام، بل هناك صلة بين الإنسان والسماء، وبالتالي فإن مريم العذراء لم تلد إلهاً بل إنساناً فقط حلت عليه كلمة الله أثناء العماد وفارقته عند الصليب.