دنيا

«الشارة» يبوح بأسرار الموروث الشعبي ويرسخه في نفوس النشء

يتحمل برنامج "الشارة" على عاتقه مهمة إيقاظ الموروث الشعبي الإماراتي في نفوس أبناء الجيل الحالي، بما يقدمه من معلومات تراثية مهمة في إطار تفاعلي بين مقدمة البرنامج حصة الفلاسي والجمهور الحريص على المشاركة ومتابعة فقراته الممتعة التي تتنوع ما بين استقبال مكالمات الجمهور من كل مكان، ومن ثم فقرة الفيديو، والصورة، وتواصيف وغيرها من الفقرات التي جعلت مشاهدي قناة أبوظبي الإمارات على موعد يومياً في الحادية عشرة مساء مع أحد أهم البرامج التي تعمل على نقل العادات والتقاليد الإماراتية بأسلوب عصري جذاب، يسهم في تعميق مفاهيم الهوية الوطنية وترسيخها في نفوس أبناء الدولة.

يحظى الموسم الرابع من برنامج “”الشارة”” الذي يستثير أعمق كوامن الذاكرة الإنسانية، والذي تتوالى نجاحاته عاماً بعد عام باهتمام الناس على اختلاف مشاربهم داخل الدولة وخارجها، ما أسهم بشكل كبير في التعريف بالموروث الشعبي الإماراتي ليس على المستوى المحلي فقط بل تخطى ذلك بكثير، فالبرنامج يستقبل مكالمات من كل أنحاء الوطن العربي، وكأن التراث الإماراتي أصبح زاداًِ معرفياً مشتركاًِ بين الشعوب ومختلف الحضارات، وهو ما يؤكد أن الثقافة الإماراتية تحظى باهتمام كبير من قبل الناس في كل مكان نظراً لطبيعة الإمارات التي يتعايش على أرضها أناس من كل أطياف العالم تقريباً.. “الاتحاد” زارت موقع تصوير برنامج “”الشارة”” لتتعرف عن قرب على الجهد المبذول من قبل أبوظبي للإعلام التي تبرز الوجه المشرق لماضي الإمارات التليد، وتطرح عبر البرنامج أسئلة المستقبل الموعود بالغوص في زمن الأجداد عبر رحلة من المتعة والتشويق.
قطعة فنية
منذ اللحظة الأولى للدخول إلى أروقة الاستوديو، الذي يتم فيه تصوير برنامج “الشارة” في تلفزيون أبوظبي، نكتشف أن المكان قطعة فنية آسرة تجمعت فيها كل العناصر الأصيلة للماضي الجميل، حيث يطل بناء قصر الحصن الأشم بتصميمه المدهش وزواياه الرائعة وقوائمه الشامخة التي ستظل رمزاً للحضارة الإماراتية الغراء على امتداد تاريخها، وعلى أحد جوانب القصر انتصب السوق الشعبي الذي استقطب أبناء الدولة أصحاب الأفكار المبدعة والمشروعات التراثية المتنوعة. واللافت في الأمر أن وجوههم كانت تشرق طوال الوقت بابتسامة جميلة تدل على احتفائهم بالموروث الشعبي المحلي الذي يتعاظم دوره يوماً بعد يوم على أرض تهيئ للجميع كل فرص الإبداع والابتكار والتنمية المستدامة، فضلاً عن المقهى الشعبي الذي كان يجلس على كراسيه مجموعة من الشباب بعضهم يحتسي القهوة العربية وآخرون يلعبون لعبة تراثية كانت معروفة في الزمن القديم، واحتفظت أرفف المقهى ببعض أباريق الشاي والنراجيل في شكلها القديم الذي لم يقلل الزمان مما انطوت عليه من جمال فائق. وقبل بدء الحلقة التي تبث مباشرة على قناة أبوظبي الإمارات وقفت المذيعة اللامعة حصة الفلاسي بزيها التراثي البهي في منتصف مجسم قصر الحصن حيث كان يتقدمها إطار بارز ومن خلفها أيضاً إطار مماثل وقصر الحصن يطل ببهائه المعروف وبلونه الأبيض ونوافذه التي ينطلق منها ضوء خافت يمنح النفس نوعاً من الهدوء والسكينة، وتميز زي حصة بلونه الأزرق الذي توزعت فيه بعض النقوش البيضاء، بما يتماشى مع تقاليد المجتمع الإماراتي، فتكاملت بذلك كل العناصر التراثية التي باح المكان بأسرارها للمشاهد في بساطة وتلقائية معبرة للغاية.
جوائز قيمة
فور بدء البرنامج اتخد عضوا لجنة التحكيم مكانهما على يسار المذيعة حصة الفلاسي، وعلى يسارها كانت هناك باحة متسعة وركن لمجموعة من النساء اللواتي احتفين بالتراث على طريقتهن عبر حياكتهن للملابس التراثية، فضلاًِ عن سيدة تطهو بشكل مباشر بعض الأطعمة المعروفة في الزمن القديم، وفي أثناء ذلك كانت حصة تنظر إلى بعض الأوراق بدقة متناهية عبر جهاز لوحي مثبت على إطار تتوزع فيه نقوش هندسية على هيئة مثلثات ينطلق منها لون أحمر خفيف، ثم رحبت بجمهور البرنامج واستقبلت مكالمة هاتفية من أحد المتسابقين الذي استطاع في بداية البرنامج أن يحصل على جائزة “”الشارة””، وهو ما يؤكد أن الموروث الشعبي يتغلغل في نفوس أبناء الدولة فضلاً عن أن “”الشارة”” يحرك رياح التراث ويحفز الجميع على تحري الإجابة الصحيحة ومن ثم الفوز بالجوائز القيمة التي يمنحها البرنامج مند انطلاقته الأولى. وتتولى المكالمات الهاتفية على طول مدة البرنامج الذي امتد قرابة ساعة ونصف دون ملل وكأن لسان حال المشاهدين يعبر عن أمنياتهم في أن يمتد البرنامج مدة أطول من ذلك، وهو ما يشير إلى الجماهيرية العريضة التي حققها البرنامج عبر مواسمه الأربعة.
وتنوعت الأسئلة التي كانت من بينها من هو أول مذيع أعلن عن قيام دولة الاتحاد، وكان من اللافت أن مقدمة البرنامج تطرح الأسئلة بشكل هادئ وعبر صوت واثق وإحساس حقيقي بمفردات الموروث الشعبي، فضلاً عن الفرحة العارمة التي كانت تنتاب كل متسابق يحصل على جائزة مادية قيمة إذ كان المتصلون من مختلف إمارات الدولة فضلاً عن مشاركين كثر من دول خليجية وعربية.
“أنت صح” عبارة خاصة تكررت كثيراً على لسان مقدمة برنامج “الشارة” حصة الفلاسي، إذ كانت تبث الحماس في نفوس بعض المتصلين حين يجيب عن سؤال ما بثقة تامة، وكان لها وقع خاص عندما تلقت حصة مكالمة من اليمن من متصلة تدعى “إمارات” وهو ما جعلها تحتفي بها وباسمها وتسألها عمن أطلق عليها الاسم، وفي اللحظة ذاتها خرجت أصوات جماعية من قبل غرفة التحكم بالاستوديو تحييها بعبارة “تستاهل الناموس” وحصلت إمارات على 3000 درهم ثم 6000 درهم لكنها قررت التوقف والاكتفاء بما حققته من مكاسب، وفي الوقت نفسه كانت تهيب بها حصة إكمال المسابقة نظراً لمعلوماتها التراثية الغزيرة وثقتها في إجابتها من دون أي تردد.
سفيرة التراث
وحول تجربة حصة الفلاسي، عبر برنامجين مهمين هما “شاعر المليون”، و”الشارة””، تقول: البرنامج الأول له نجوميته وما من شك في أنه أسهم بشكل كبير في شهرتي خصوصاً وأنه يلامس طبيعة الشعب الإماراتي المحب للشعر باللهجة المحلية المحكية، و””الشارة”” كان تحدياً كبيراً لي لأن الناس كانت تقول بعد انتهائي من برنامج شاعر المليون لن تجد حصة ما تقدمه، ما حفزني على أن تكون الخطوة الجديدة محسوبة وتمثل دفعة كبيرة في مسيرتي الإعلامية وفكرت مع إدارة قناة أبوظبي الإمارات، وبتوجيهات من مستشار الثقافة والتراث في ديوان سمو ولي عهد أبوظبي رئيس لجنة إدارة المهرجانات والفعاليات الثقافية والتراثية سعادة محمد خلف المزروعي وخرجنا بفكرة برنامج “”الشارة”” وبفضل الله منذ انطلاق الموسم الأول وإلى الآن نحصد نجاح البرنامج، وعلى الرغم من أنني تحملت الكثير من النقد غير الموضوعي في أنني ليس لدي القدرة على تقديم برامج أخرى غير “”الشارة”” الذي حقق انتشاراً جماهيرياً محلياً وخليجيا وعربياً غير مسبوق إلا أنني لم أتأثر أبداً بذلك لأنني أعرف قدراتي في مجالي، فضلاً عن أن البرامج التراثية جزء لا يتجزأ مني وأنا في انتظار أن أؤهل مذيعة تكون لديها المقدرة على تقديم هذا البرنامج بطريقة أفضل مني في المستقبل وتكمل المشوار وليس لدى أي مشكلة في أن أقوم بهذا الدور، ويكفي أنني أتكلم من دون أن يلقني أحد، لأنني أدرس مادة برنامجي جيداً قبل الظهور على الشاشة، والحقيقة أنه حتى الآن لم أصادف فكرة برنامج على المستوى الذي أطمح إليه وربما أقدم برنامجاً من وحي أفكاري بشرط أن يتم تنفيذه بالشكل الذي أريد و”الشارة” يضعني في مسؤولية وطنية كبيرة خصوصاً بعد حصولي على لقب “سفيرة التراث”.
موسم جديد
وبالنسبة لمعرفتها الغزيرة بالتراث عبر السنوات التي عملت بها في برنامج “الشارة”، تذكر حصة أنها كل عام تظن أنها حفظت التراث الوطني ومفرداته وإشكالياته الكثيرة لكنها تكتشف بعد الانتهاء من مراحل البحث والإعداد في الموسم الجديد أن هناك أشياء جديدة تكتشفها خصوصاً وأن هناك أموراً مهمة في الموروث الإماراتي تطفو فجأة على الساحة في الوقت الذي نظن فيه أنها اندثرت، فالتراث الإماراتي غني وبرنامج “الشارة” هو برنامجي وأنا فخورة به وقد قلت من قبل إن طموحي إلى القمر يصل، وبعد القمر أفكر من جديد إلى أين سأذهب، وتوضح أن الحظ ليس له دور في النجاح الذي حققته مع برنامج “الشارة” لقناعتها أن الحظ إذا لعب دوراً في نجاح أي مقدم برامج فهو مؤقت فالاجتهاد مطلوب، وتقول: قبل بداية “الشارة” بأربعة أشهر وأنا أعمل من الساعة الرابعة عصراً إلي الواحدة والنصف بعد منتصف الليل بومياً لأنني بمثابة المشرف العام على البرنامج وهذا الأمر يوضح أن هناك عوامل كثيرة تسهم في نجاح هذا البرنامج وبمثل هذا المستوى.
أزياء حصة
وعن أزيائها اللافتة التي تتميز بالبساطة وتتماهى مع الموروث الشعبي المحلي، تلفت حصة الفلاسي إلى أنها خلال أول موسمين كانت تستعين بمصممة أزياء واحدة لكنها بعد ذلك أصبحت تعتمد على خمس مصممات بحيث تقدم كل واحدة منهن سبع فساتين في الأسبوع الواحد وتشير إلى أنها تهتم بشكل كبير بنوع الزي والألوان وتدخل بصورة مباشرة في بعض التفاصيل الفنية على اعتبار أن الأزياء تحتاج إلى ذوق رفيع، فضلاًِ عن أنها درست التصميم الفني وتعرف الكثير من التفاصيل الدقيقية التي تمنح الملابس رونقاً خاصة وقابلية كبيرة لدى الآخر بالإضافة إلى الحفاظ على الشكل التقليدي برؤية عصرية للمرأة الإماراتية.
نقد بناء
وعن نظرتها للنقد الموجه لها فهي ترى أن أصدق ما يقدم لها من نقد يكون دائماً من زوجها ووالدتها وهي تثق فيهما إلى حد كبير، وبخاصة أنهما لا هدف لهما من وراء نقدها إلا أن تكون في أفضل حال وفي أبهى صورة أمام المشاهد، وتشير إلى أنها بالفعل استجابت لنصائحهما كثيراً وفي مواقف متعددة إذ إنها كانت تقلب النظر فيما يبدونه من نقد وتجد أنهما على حق خصوصاً أنه قد مر عام ونصف العام على زواجها ووجدت أن زوجها يبدي تفهما كبيراً لطبيعة عملها، فضلاً عن أنه يدعمها بشكل كبير نظراً لإيمانه بالمسؤولية المناطة بها.
إعداد البرنامج
ويبين رئيس لجنة الإعداد ببرنامج “الشارة” ومدير أكاديمية الشعر العربي التابعة لهيئة أبوظبي للثقافة والسياحة سلطان العميمي، أن مسألة العمل على إعداد برنامج كبير مثل “الشارة” ليست سهلة على الإطلاق خصوصاً وأن البرنامج يعنى بإبراز التراث الإماراتي بكل مكوناته التي تتنوع ما بين البيئة البرية والبحرية والزراعة والطبيعة الجبلية فضلاً عن أن كل منطقة في الدولة لها خصوصيتها التراثية التي تصب في النهاية في بحر الموروث الشعبي العريق للدولة، ويقول: “الشارة” يتطور من عام إلى آخر ونسعى إلى أن نقدم المعلومة التراثية بصيغة عصرية من خلال فقرة تواصيف وانستجرام والفيديو والصورة والأبيات الشعرية لشعراء الدولة الكبار، فالبرنامج يحافظ على المفردات الشعبية والأمثال الشعبية ويطرحهما من جديد على المتلقي فضلاً عن الأكلات التراثية وتشجيع المواهب الإماراتية المبدعة واستقطابها داخل البرنامج عبر السوق الشعبي، ويكفي أن البرنامج حصد إعجاب الناس في كل مكان ومواقع التواصل الاجتماعي تفيض بمشاعر الجمهور من كل أنحاء الوطن لعربي.
ومن جهته يذكر عضو لجنة تحكيم البرنامج سعيد بن سالم بن لاحج الرميثي، أنه يقدم معلومات حول البيئة البحرية التي تخصص فيها فضلاً عن أنه يساعد في تقديم شروحات حول بعض المفردات التراثية القديمة، ويبين أنه مرجع أيضاً للأسئلة التي يتناولها البرنامج حتى يتماهى الجيل الحالي مع موروثه الشعبي العريق بسلاسة.




«عشرة عمر»

في أثناء لحظات الاستراحة جلست مقدمة برنامج “الشارة” حصة الفلاسي إلى جانب مجموعة من السيدات اللواتي برعن في حياكة الملابس التراثية وأدارت معهن حديثاً حول بعض المنتوجات التي كانت في أيديهن ويبدو أنه أعجبها فستان وكان يتميز بزركشاته اللافتة وتطريزاته البارزة، فضلاً عن لونه القاني، وتبين حصة أنها تجمعها بهؤلاء السيدات “عشرة عمر” على حد قولها، وتذكر أن من بينهن من حضرت زفافها وهو ما جعل العلاقة الإنسانية تتوطد بينها وبينهن.


مواقف وطرائف في «الشارة»
تعرضت حصة الفلاسي لمواقف طارئة كثيرة أثناء تصوير برنامج «الشارة» مثل مرضها المفاجئ أو إصابتها أيضاً بصورة غير متوقعة، لكنها في كل الحالات لم يكن بوسعها عدم الظهور على الشاشة لأن البرنامج يومي ويعرض مباشرة على الهواء عبر قناة أبوظبي الإمارات، ومن جهة المواقف الأكثر سعادة لها هو زيارة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة للبرنامج، وتقول: كانت زيارة سموه لنا في أثناء تصوير البرنامج لها وقع كبير علينا وكان أدائي في هذا اليوم يتسم بالروح العالية لأنني اعتبرت زيارة سموه أغلى تكريم لنا.
ومن المواقف الطارئة أنها كانت مريضة بعض الشيء وتفاجأت باتصال من والدتها على هاتف البرنامج تطلب منها أن تبتسم، وتتساءل في الوقت نفسه «ليش زعلانة» وتبين حصة أنها فور وصول رسالة الوالدة لها استجابت سريعاً واستعادت بسمتها بشكل تلقائي من دون أن يشعر المشاهد بأنها ترد عليه بجفاء غير معهود منها.
ومن المواقف الأخرى التي أزعجتها كثيراً دخول قطة إلى ساحة استوديو التصوير فجأة وهي تتحدث إلى جمهور البرنامج، وتؤكد أنها أصرت على إكمال البرنامج ولم تطلب استراحة وفور الانتهاء من الفقرة سارع فريق عمل البرنامج بإخراج القطة من الاسـتوديو ومن ثم اسـتكمال البرنامج.
أما الموقف الأكثر إيلاماً فهو يتمثل في إصابتها في كاحل قدمها لأنها كانت ترتدي حذاء ذا «كعب عال» وتعرضت قدمها للالتواء قبل بدء التصوير بدقائق لكنها بجسارة ذهبت إلى موقع التصوير ومن شدة الألم بكت وظلت طوال الحلقة جالسة على كرسي والجمهور لا يعرف السبب في هذا التغير المفاجئ الذي حدث من مقدمة البرامج إذ اعتادوا على رؤيتها واقفة طوال الحلقات.
وتوضح أنها اكتشفت مقلب الفنان الكوميدي عبدالله بوهاجوس الذي تعرضت له أثناء استضافتها في برنامج «رمضان يانا» منذ الوهلة الأولى وأنها تشارك في فقرة تختبر تعاملها مع المواقف الطارئة، وبالفعل كما شاهدها الناس عبر البرنامج كانت في منتهى الثبات وتلفت إلى أنها تحب مثل هذه المواقف لأنها تثبت أنها مقدمة برامج متمكنة.