دنيا

«أنطاكية» أول مدينة أرسل لها المسيح حوارييه فقال أهلها «إنا تطيرنا بكم»

أنطاكية الحديثة  (أرشيفية)

أنطاكية الحديثة (أرشيفية)

يقول الله تعالى في القرآن الكريم: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ* وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ* إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ* قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ* بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ)، «يس: الآيات 20-27».

حسام محمد (القاهرة) ـ يقول الدكتور عبدالله سمك - أستاذ المذاهب والأديان بجامعة الأزهر: أجمع المفسرون على أن القرية المقصودة في تلك الآيات الكريمة هي مدينة أنطاكية التي كان يسكنها قوم يعيشون في شرك وضلال وكانوا يؤمنون بالتطير. وقد كان ذلك في زمن النبي عيسى عليه السلام، فأرسل اليهم عيسى عليه السلام اثنين من الحواريين المقربين له ليرشداهم إلى صراط الله المستقيم وينقذاهم من الضلال. وبعد أن صار الحواريان قريبين من المدينة شاهدا شيخاً يرعى أغنامه، وكان اسمه حبيب النجار، فقالا له: السلام عليك أيها الشيخ الكريم. فقال: وعليكم السلام. من أنتما؟ فقالا له: نحن رسولا نبي الله عيسى، جئنا لدعوتكم إلى عبادة الرحمن وترك عبادة الأوثان. فقال الشيخ: هل معكما آية «دليل أو علامة» تثبت ما تدعيانه؟ قالا: نعم. فنحن نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله. فقال: إن لي ابناً مريضاً منذ سنين وهو يرقد في الفراش. فقالا له: انطلق بنا إلى منزلك لنراه. فذهب بهما وأدخلهما منزله، فاقتربا من ابنه ومسحا وجهه وجسده وذكرا الله فقام الابن من دون علة بإذن الله. فانتشر الخبر في المدينة، ولكن أهل القرية كذبوا الرسولين. وبعث عيسى رسولاً ثالثاً وأيضاً كذبوه وقالوا إن النبوة لا ينالها أحد من البشر. إن انتم إلاّ كاذبون، فقال قوم من الكافرين: نحن تشاءمنا منكم ونحن في شك من أمركم، وإذا لم تتوقفوا عن دعواكم سنضربكم بالحجارة وسيصيبكم منا عذاب شديد. فقال لهم الرسل: تشاؤمكم معكم وأنتم قوم مسرفون ضالون.
ملك المدينة
ووصل خبر الرسل إلى ملك المدينة وكان يعبد الأصنام. فأمر بإحضارهم، فقال لهم من أنتم؟ قالوا: نحن رسل عيسى جئنا ندعوك من عبادة من لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر. فقال الملك: وهل لنا إله غير آلهتنا؟ فقالوا: نعم. وهو الذي أوجدك وأوجد آلهتك. فقال الملك غاضباً: قوموا حتى أنظر في أمركم. فأخذهم الناس إلى السوق بعد أن ضربوهم وحبسوهم في معبد الأصنام، وأجمعوا على قتلهم رغم جميع الآيات والمعجزات التي أتوا بها.
ولما بلغ ذلك حبيب النجار وكان على باب المدينة، جاء يسعى مسرعاً إليهم وينادي بأهل المدينة أن يطيعوا الله وأن يصدقوا الرسل ويتبعوهم. فلم يستمع لكلامه أهل القرية ونقموا منه وضربوه وقتلوه فرفعه الله تعالى وأدخله الجنة، فقال: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين. وبعد ذلك أنزل الله تعالى عذابه على أهل هذه القرية فأحرقها وخرب ديارهم. وهكذا كانت نهاية من كان يستهزئ برسل الله ولا يتبعهم.
وأنطاكية واحدة من أقدم مدن الشام التي بنيت - على قول البعض - بحدود ثلاثمائة سنة قبل الميلاد. وكانت تعد من أكبر ثلاث مدن في ذلك الزمان من حيث الثروة والعلم والتجارة وأخذت أنطاكية تعظم وتتزايد حتى فاقت جميع البلدان سوى روما والقسطنطينية، وبلغ سكانها في عهد السلوقيين «700» ألف نسمة، وانتهت للغاية القصوى من الجمال وحسن الموقع وعظم التاريخ وكثرة التماثيل والآثار، وانفردت بغزارة المياه.
حصن قوي
أما سور أنطاكية فهو مما احتارت فيه العقول، إذ كان من الصخر الذي له رؤوس، وهو حصن قوي متين مبني بحسب الهندسة الحربية يدور على ما هبط وما ارتفع من الجبل من أسفله إلى قمته، وهناك في قمة الجبل يتألف منه إكليل بديع الشكل غريب المنظر...
وكان لسور أنطاكية قديماً 360 برجاً يطوف عليها «بالتناوب» أربعة آلاف حارس، كان ينفذهم ملك القسطنطينية.
ويضيف د. سمك: ولقد كانت مدينة أنطاكية من مدن الشام التي شملها الفتح الإسلامي في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه-، وقد فتحها المسلمون عقب معركة اليرموك بقيادة أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه-، وظلت هذه المدينة بأيدي المسلمين إلى أن بدأت الحملات الصليبية على بلاد الإسلام سنة 491هـ، فكانت من أوائل المدن التي سقطت في قبضة الصليبيين مدينة أنطاكية، وذلك لأهميتها البالغة عندهم بحكم موقعها المتحكم في الطرق الواقعة في المناطق الشمالية للشام؛ ولأنها مقر مملكة هرقل أيام الفتح الإسلامي للشام، فعملوا على إزالة أي أثر إسلامي فيها، وحولوا المساجد إلى كنائس، واهتموا بتحصينها غاية الاهتمام لتكون نقطة انطلاق لهم إلى البلاد الأخرى.